✦✧ـــــــــــــــــــــــ✧✦ P . 15 ✦✧ــــــــــــــــــــــــــ✧✦
رفعت يدها المرتجفة ببطء لتريحها فوق يده وهو يمسح دموعها، ومالت بوجهها أكثر للمسته دون أن تشعر. وقف ستون وإيرونا في حالة من الصدمة والذهول لما يريانه، رغم أن ذلك المشهد يبدو عاطفيًا أو رومانسيًا للبعض، ولكن بالنسبة لهما كان ما يحدث يفصلهم جميعًا عن كارثة ستحل عليهم.
تحركت إيرونا أخيرًا من خلف ستون، الذي كان لا يزال يحدق أمامه بصدمة وشبه نسي تلك الفتاة المختبئة خلفه. تقدمت خطوة للأمام بحذر نحو إيلاف بعد رؤيتها ألسنة اللهب وهي تتراقص وتزحف لظهره. بدا وكأنها تنبأت بما سيحدث، ليتغير كل شيء في الثانية التالية بعد أن فقد لونغ سيطرته تمامًا، وتحولت عيناه للون الأحمر القاتم. جفلت إيلاف بعد أن تحولت تلك العيون المرهقة الدامعة التي كانت تنظر لها توًا إلى عيون بدت لوحش، لا لشخص كان يعترف لها منذ لحظات. ولكن صدمتها تحولت إلى صرخة متألمة عندما زحف اللهب الأسود ليده المستقرة على خدها مرة أخرى. انتفض جسدها بقوة وارتمت للخلف بعد أن دفعت يده، وفي تلك اللحظة اندفعت إيرونا بسرعة نحوها، بينما كان ستون يلتفت حوله قبل أن تخطر له فكرة.
- إيلاف!!
صرخت إيرونا وهي ترتمي على ركبتيها بجانب إيلاف وتحاول جاهدة أن تبعد يديها عن وجهها لترى كم الضرر الذي حل بها، ولكن الأخرى لم تعطِ لها أي فرصة، حيث استمرت بالصراخ وهي تتلوى من شدة الألم. بينما استمرت إيرونا في محاولتها، رفعت نظراتها للحظات لترى لونغ الذي اشتعل جسده بالكامل تقريبًا بذلك اللهب الأسود، يقف الآن على قدميه ولم يحرك ناظريه عن إيلاف.
كان اللهب في إحدى يديه يتمايل ويزداد، وبدأ يتشكل على هيئة محراب. شحب وجه إيرونا مما تراه وحاوطت إيلاف بسرعة بذراعيها في محاولة يائسة لحمايتها، متجاهلة تلك الصرخات التي أوشكت على ثقب أذنيها، بينما استمر الآخر بالتقدم نحوهما.
أغمضت عيونها وهي تدفن وجهها في شعر إيلاف التي هدأت صرخاتها فجأة بعد فقدانها للوعي من شدة الألم، وسقطت يداها بجانبها _كان نصف وجهها مشوهًا تمامًا_
بعد لحظات من الترقب، وهي تشعر بأنفاسها تتسارع بجنون وتحكم قبضتها على إيلاف، شعرت بشيء أمامها حجب الضوء قليلًا عنها، وبعدها سمعت صوت تحطم قوي هز الأرضية الفولاذية من تحتها، وبعد ثوانٍ حدثت هزة قوية اكثر من السابقه وصوت مرتفع أشبه بصخور تتحطم.
رفعت رأسها بخفة وتردد للحظة وهي تنظر من بين جفونها لما يحدث، لتتفاجأ بستون راكعًا على ركبة واحدة أمامها ولكن لا ترى إلا ظهره، وإحدى يديه مخترقة الأرضية وتلامس الأرض الصخرية من تحتها ليتحكم في الأرض. رفعت رأسها أكثر وفتحت عيونها بذهول وهي تعيد نظراتها للونغ الذي أصبح الآن محاصرًا داخل قبة حجرية ضيقة مغلقة من كل الجهات.
- كيف...
قالت بهمس غير مصدقة أن ستون تمكن من اختراق الأرضية الفولاذية بقبضته فقط. ولكن بمجرد أن انتزع يده من تلك الحفرة التي صنعها في الارض، حُبست أنفاسها...
كانت يده متحجرة وأصابعه متلاحمة معًا على شكل رمح مدبب.
التفت لها لترى عينيه سوداء تمامًا، ولكن ذلك السواد يتلاشى ببطء حتى عاد اللون الطبيعي لعينيه، وعادت يده لطبيعتها.
- ستون!
قالت بصدمة وهي تنظر له، ولكن الآخر اكتفى بالإشارة بإصبعه نحو إيلاف التي لا تزال فاقدة للوعي بين ذراعيها.
- خذيها من هنا بسرعة.
قال بحزم، ولكن بعد أن أنهى جملته اهتزت القبة التي بناها حول لونغ بسبب محاولاته للخروج. التفت ستون ليرى بعض الشظايا تتساقط من تلك القبة الصخرية وصوت ضربات مستمرة من داخلها وهي تهتز بعنف. أعاد نظراته لإيرونا وهو يصيح بغضب ونفاد صبر
- تحركي من هنا بحق اللعنة!!
انتفض جسدها من صراخه عليها وحاولت تنفيذ ما يقول، ولكن جسد إيلاف كان ثقيلًا بالنسبة لها لتحملها بمفردها، ورغم ذلك استمرت بالمحاوله. أمسكت بأحد ذراعيها ووضعته فوق كتفها، وحاوطت بيدها الأخرى خصر إيلاف وبدأت بالنهوض بها. وقف ستون بدوره وهو ينظر أمامه لتلك القبة التي بدأت بالتشقق ببطء، ولم يتوقف صوت الضربات. كان مستعد لما قد يحدث بعد ان تحرك ليحجز بين الفتاتين وتلك القبة بينما إيرونا تسير مبتعدة.
ولكن...
هدأ الصوت وتوقفت القبة عن الاهتزاز والتشقق.
شعر بالحيرة لما يحدث، ولكنه لم يُرخِ دفاعاته. استمر بالوقوف بثبات دون ان يخطو اي خطوة وهو يرتب افكاره، وبهدوء بدأ بالاقتراب.
خطوة تليها الأخرى.
حتى وقف الآن على بعد خطوتين فقط من تلك القبة. ولكن قبل أن يخاطر بفتحها، عاد السواد يجتاح عينيه وتحجر كلا ذراعيه، وأحدهما عاد لهيئة الرمح المدبب.
وضع يده الأخرى فوق القبة ليظهر شق طويل بطول القبة، وبدأ بالتوسع ببطء. وبينما بدأ يظهر ما في داخل القبة، تراجع ستون للخلف بضع خطوات وهو يتخذ وضعًا هجوميًا.
وبمجرد أن فُتحت القبة...
لم يخرج لونغ.
لم يحدث أي هجوم.
في الواقع، كان لونغ قد عاد لهيئته فاقدًا للوعي بالداخل. رفع ستون حاجبه بعدم فهم.
- هاه؟؟
نظر للخلف للحظات ليجد أن إيرونا أخذت إيلاف ورحلت كما أمرها.
اطمأن أنه وحده ولن يصيب إحداهما أي ضرر، لذا بدأ بالاقتراب من ذلك الجسد الخامل. بعد أن وصل أمامه، نزل على إحدى ركبتيه وهو يمعن النظر. كان هناك بعض الحروق المتفرقة على ظهره الذي كان شبه عارٍ. لم يفهم كيف كانت ملابس لونغ ممزقة أو كيف ظهرت حروق على جسده وهو سيد النار.
- أول مرة تحترق ملابسه بعد أن يشتعل جسده.
مد يده بحذر وأمسك بأحد أطراف ملابسه المحترقة ورفعها ليرى ما تحت القماش السليم. كان الجلد سليمًا تمامًا تحت الأجزاء التي لم تحترق من ملابسه، وهذا ما زاد حيرة ستون أكثر. تنهد وتلاشى سواد عينيه وعاد لطبيعته بعد أن تيقن أن لونغ لن يستيقظ قريبًا.
وقف بشكل مستقيم وهو ينظر حوله. كانت الكاميرات المحيطة به محطمة. وحتى تلك النملات الزجاجية الصغيرة مفتتة لأجزاء بعد أن حطمها بنفسه قبل أن يتواصل مع الشيطان الكامن بداخله ويستدعيه. لم يكن مستعدًا أن يكشف للمنظمة أنه في حالة اقتران دائم مع ذلك الكيان، خاصة في وقت كهذا.
- إيرونا ليست معضلة كبيرة.
قال وهو يخرج سيجارة ويشعلها بينما لم يحرك نظراته عن جسد لونغ، وكأنه يتحدث معه.
- أليس كذلك؟
دخلت إيرونا غرفة العلاج وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة بعد ذلك المجهود البدني _جرَّها جسد إيلاف كل هذه المسافة_ أراحت إيلاف برفق فوق السرير وأخذت تتأمل ذلك الحرق الذي نتج عنه تشوه كامل في نصف وجهها.
تساقط الجلد بالكامل عن خدها، وكانت ترى بوضوح أجزاء من أسنانها من ذلك الجانب.
اقشعر جسدها من ذلك المنظر وهي ترفع يدها بهدوء وتضعها على وجه الأخرى.
وبعد ثوانٍ بدأ يصدر وهج أصفر خافت من تحت كفها، أو بمعنى أدق،
من وجه إيلاف.
لم تمر سوى بضع دقائق، وبعدها أبعدت إيرونا يدها لترى أخيرًا وجه إيلاف عاد لطبيعته. تنهدت بارتياح وهي تبعد خصلة حائرة عن جبهة تلك الفتاة النائمة.
- كان وقت صعب عليكي... مسكينة.
قطع صوت أفكارها دخول ستون للغرفة. أشاحت بنظراتها بعيدًا عنها، وبمجرد أن رأت ستون وقفت بسرعة من مكانها وعلى وجهها تعبير بين الغضب والقلق.
- ماذا حدث مع لونغ؟
هز كتفيه بعد ان دخل ووقف على بعد بضع خطوات منها
- أخذه شادو مع بعض الرجال بعد ان اخبرتهم ان ذلك مجرد جدال حاد بيني انا وهو
قال بكل بساطة وفي تلك اللحظة اقتربت منه بخطوات سريعة، وهو بدوره وقف في مكانه رافعًا حاجبه الأيسر باستغراب، قبل أن تصل له أخيرًا وتمسكه من ياقة قميصه وتسحبه ليوازي طولها.
- منذ متى وانت في حالة اقتران...
قاطعها واضعًا يده فوق فمها ليسكتها تمامًا وهو ينظر بتركيز لشيء ما خلفها. حاولت دفع يده، ولكنه رفع إصبعه واضعًا إياه فوق شفتيه وهو يهمس
• ششش...
لم تفهم ما سبب تصرفه ذلك، ولكنها اكتفت بإيماءة خفيفة، وبعدها أبعد يده عن فمها وهي تركت ياقته، بينما بدأ بالتحرك بهدوء نحو أحد أركان الغرفة.
ما إن وصل أمام أحد الجدران، مد يده وهو يمسك بنملة زجاجية حاولت الهروب منه، ثم أغلق كفه وهو يضغطه بقوة لتتحطم لأجزاء صغيرة.
وقفت إيرونا بصمت تراقب ما يحدث، ولا تزال جاهلة بما يفعله، حتى التفت لها أخيرًا وبدأ يقترب منها مرة أخرى حتى وقف أمامها. نظرت لقبضته المغلقة بحيرة، ولكن تلك الحيرة لم تدم طويلًا بعد أن فتح كفه بهدوء لترى نملة صغيرة شبه شفافة محطمة في يده.
- تلك النملة... أنا... أنا كنت أراها دائمًا هنا.
قالت بإرتباك وهي تمد يدها وتمسكها لتقربها من عينيها لتنظر لها بتمعن.
- هذا جهاز مراقبة منتشر في كل مكان وكل غرفة.
صُدمت إيرونا وهي تبعد تلك النملة من أمام عينيها وتنظر لستون.
- كيف عرفت بشيء كهذا؟
- لا يهم كيف عرفت، المهم الآن كيف حال تلك الفتاة؟
قال وهو يعقد ذراعيه ويلتفت نحو إيلاف التي لا تزال نائمة. شعرت إيرونا بانزعاج واضح منه ومن الغموض والجدية غير المناسبين لذلك الشاب النرجسي التافه الذي لطالما عرفته.
- هي بخير، والآن لا تغير النقاش.
أعاد نظراته لها، بينما رمت النملة بعيدًا وداست عليها بقدمها، ثم نظرت له بحدة وهي تقول بنبرة أشد حدة من نظراتها:
- منذ متى وأنت في حالة اقتران مع ذلك الكيان؟
رغم وجهه الجامد، ولكن لم يظهر عليه أي انزعاج من ذلك التحقيق أو تلك اللهجة الحادة، اكتفى فقط بالصمت دون أن يبعد نظراته عنها.
- لا تنظر لي بتلك الطريقة الغبية!!
صرخت في وجهه وهي تمسك ياقته مرة أخرى وتسحبه بقوة أكبر من المرة السابقة.
- أنا لا أفهم سبب كل هذه الحدة.
قال وهو يبتسم ابتسامة جانبية، غير قادر عن مقاومة الرغبة في إزعاجها أكثر.
قطبت حاجبيها باستنكار وأكملت بغضب وبنفس النبرة
- لا تفهم ماذا؟!! رأيتك في حالة اقتران وكنت تبدو كالوحش أمامي، ولا تريد مني أن أقلق!! لماذا تتصرف وكأن الأمر طبيعي؟
- لأنه بالفعل أمر طبيعي.
قال بهدوء وهو يمسك بيدها ويسحبها بعيدًا عن ياقته.
لم تصدق ما تسمعه، فقامت بصفع يده بعيدًا وهي تصرخ في وجهه.
- طبيعي؟؟؟ هل جننت؟ كيف تخضع حتى لذلك الشيطان؟
أخذ نفسًا عميقًا وهو يشعر بصداع يجتاح رأسه من صراخها المستمر، ودون أن يشعر رفع صوته وهو يرد بحدة:
- ألن تتوقفي عن ذلك الغباء والسذاجة؟؟
صُدمت لبرهة لأنها لم تتوقع تلك الكلمات، وقبل أن ترد عليه أكمل هو:
- تصدقين كل كلمة يقولها ذلك العجوز الخرف رييس، تصدقين أنه يجب قتل والتخلص من كل ألفا يصل لحالة اقتران مع الكيان الساكن بداخله قبل أن ينشر الفساد، وكل ذلك الهراء الذي ليس له أي أساس من الصحة!
عمَّ الصمت لثوانٍ وهي تنظر له والارتباك والتشتت واضحين على وجهها.
وضع يده على جبهته وأخذ نفسًا عميقًا ليهدأ، قبل أن يبعد يده وينظر لها مرة أخرى.
- إيرونا... ذلك الكيان الساكن بداخلي ليس مجرد كيان شرير يريد السيطرة عليّ
- لان ذلك الشيطان هو انا