✦✧ـــــــــــــــــــــــ✧✦ P . 17 ✦✧ــــــــــــــــــــــــــ✧✦
لم تأبه لتلك الفوضى من تحتها، وكل هذه الجثث والدماء المتناثرة هنا وهناك، عندما هبطت نظراتها إلى الأسفل. كانت هناك نقطة مضيئة بدت كأنها نجم صغير ينبض في صدرها بضوء أحمر قاتم، ومع كل نبضة من ذلك النجم، كانت تتناثر الدماء أكثر، ويزداد عدد الأرواح المزهقة وشراسة القتال. جالت بنظراتها، وهي تتأمل كل تلك الوجوه وتتمعن في كل تلك المشاعر.
الغضب والانتقام. الألم والخوف. التمرد والمقاومة. الخضوع والاستسلام.
كانت تتأمل كل ذلك بنظرات راضية، وكأنها تشبع شيئًا عميقًا بداخلها، هي نفسها عاجزة عن معرفة ماهيته. كان جسدها الأبيض الشاحب شبه الشفاف لا يزال معلقًا في الهواء، ويعكس بخفة ما فوقه من نجوم وذلك اللون الأسود الذي يغطي السماء.
بدت وكأنها لوحة لفتاة اندمجت مع النجوم لتصبح جزءًا منها، وفستانها الأبيض ذو القماش العتيق الخفيف، تتطاير أطرافه من حولها تمامًا مثل شعرها، الذي لم يختلف شكله شيئًا عن باقي جسدها.
شعر أنس بنبضات سريعة تنبض في أذنيه، وهو ينظر بفزع إلى تلك الفتاة المعلقة في الهواء فوقه.
كان يعرفها.
كيف لا، وهو الآن يدفع نفسه لفعل المستحيل لإيجادها؟ والآن؟ يراها أمام عينيه بهيئة أخرى.
القتال، والأجساد المتهاوية التي تتناثر من حوله، وصوت الصراخ، وصدى ضربات السيوف... كل شيء أصبح بطيئًا جدًا فجأة. الأصوات بعيدة جدًا عنه.
وذلك بمجرد أن التقت عيناها بعينيه، في لحظة جعلته يفقد أنفاسه، وهو ينظر إليها بفم مفتوح ورأس مائل إلى أعلى. اتسعت عيناها هي الأخرى بمجرد أن وقعت نظراتها عليه.
- أنس!
مع نطقها لاسمه، هدأ النبض المنبعث من ذلك النجم المستقر في صدرها، ومعه سكن شعرها وأطراف فستانها. لم يعلم الآخر هل يفرح لأنها فعلًا أخته، خاصة بعد أن نادته باسمه... أم يفزع ويهرب بسبب هيئتها وكل ما يحدث من حوله. لم يحتج إلى التفكير كثيرًا.
في الواقع؟
لم يحتج إلى التفكير حتى، لأنه في اللحظة التالية لسماع اسمه، رأى جسدها يهوي من الأعلى، وهي تسقط بعد أن تلاشى ذلك الضوء الأحمر من صدرها تمامًا. بدون تفكير، بدأ يركض إلى الأمام في محاولة يائسة لالتقاطها قبل أن يصطدم جسدها بالأرض، غير مكترث بالقتال والفوضى البطيئة المحيطة به.
شعر بدموعه تتجمع في عينيه، وهو يقبض قبضته ويجز على أسنانه بقوة حتى شعر بألم في فكه، ولكن غير مهتم بذلك، استمر في الركض بأقصى سرعته، متخيلًا ما سيحل بها إذا لم يمسكها قبل أن تصطدم بتلك الأرض الصلبة. ولكن قبل أن يتمكن من التقدم خطوة أخرى، تلاشى المشهد، لينتفض جسده ويجلس بفزع وهو لا يزال فوق سريره. كان يشعر بقطرات العرق البارد تنساب من فوق جبهته، وهو يضع يده فوق قلبه ويشهق ليلتقط أنفاسه، وينظر حوله بعيون مشوشة، محاولًا استيعاب أين هو... كان لا يزال في غرفته... في بيت عمه.
• إيلاف...
همس بين شهقاته، وهو يشعر بتلك الدموع التي تجمعت في عينيه في الحلم، تنهار كالأمطار على خديه في الواقع. رفع يديه أمام عينيه المذعورتين، ليرى ارتعاشهما الشديد وبرودة أطراف أصابعه. أخفض رأسه ليستقر وجهه بين يديه، وهو ينهار باكيًا أخيرًا بعد أن أدرك أن ذلك مجرد حلم.
أو هذا ما كان يظنه.
كانت الموجات الصوتية لا تزال مستمرة، بينما أبقى ستون ساقيه مثبتتين في الأرضية الفولاذية من تحته، وجسده لا يزال متحجرًا ويستخدمه كدرع لحماية إيرونا. كان يفكر في طريقة للوصول إلى بوابة الغرفة والخروج بسرعة قبل أن يتأزم الموقف أكثر وتصاب إيرونا بأذى.
سكون.
أبعدت إيرونا يديها بهدوء عن وجهها، وهي ترفع رأسها بعد أن تلاشت الموجات الصوتية فجأة، ومعها صوت الآلات التي كانت تتطاير وتتخبط في كل ركن من أركان الغرفة حينًا، وفي جسد ستون المتحجر حينًا آخر. حل السكون في الغرفة فجأة، ومعه رأت ستون يدير رأسه وينظر من فوق كتفه، ليرى إيلاف جالسة على السرير، تنظر أمامها وعلى وجهها تعبير يجمع بين الصدمة والذعر، وهي تحاول التقاط أنفاسها. ومع ثبات نظراته على إيلاف، شعر بإيرونا تُبعد يديها اللتين كانتا بجانب رأسها، وهي تميل رأسها قليلًا وتنظر إلى ما يحدث في الخلف.
- استيقظت!
قالت له بصوت خافت، وهي تتنحى جانبًا أخيرًا، وهو بدوره التفت بجسده كاملًا، متمعنًا في تلك الفتاة التي استيقظت لتوها. فجأة أمسك بيد إيرونا عندما رأى محاولتها للتقدم نحوها.
- كفى غباءً.
قال بصوت منخفض صارم، وهذه المرة لا يبدو أنه سيسمح بأي عناد أو خطوة غير محسوبة. بحركة هادئة ولكن حازمة، سحب إيرونا إلى الخلف، وهو يتقدم بضع خطوات أمامها، حاجبًا عنها الرؤية. كانت إيلاف لا تزال في حالة عدم اتزان، وهي تكافح لاستعادة استقرار أنفاسها المضطربة، عندما شعرت بتلك الخطوات ذات الصوت الثقيل كالصخر تقترب منها، حتى شعرت بجسد يحجب الضوء عنها. نظرت بطرف عينيها لترى ستون في تلك الهيئة التي كانت غريبة على ناظريها، فهو لا يزال بجسد متحجر، وبالنسبة لها، كانت هذه أول مرة تراه في تلك الهيئة. وقف على بُعد خطوة واحدة فقط من السرير، وعلى وجهه تعبير لا يمكن تفسيره، وعينان حادتان، وكانت ترى بوضوح ذلك التجعد بين حاجبيه المقطبين.
ولكن نظراته؟ كانت معلقة على شيء ما ولم تفارقه.
لا... لم يكن وجهها. أخفضت نظراتها لترى ما الذي ينظر إليه بذلك التعبير.
شعرها...
بعض خصلات شعرها المتساقطة على كتفها أصبحت باللون الأبيض!! اتسعت عيناها، بينما لم يُبعد الآخر نظراته عنها، وهو يشعر بأن الهالة القوية التي كانت تصدر منها لحظة استيقاظها أصبحت أضعف بكثير، وشبه اختفت الآن. استمر الصمت لبضع لحظات، قبل أن يدير وجهه بعيدًا عنها ويلتفت إلى إيرونا التي لا تزال واقفة في مكانها، منتظرة أي إشارة منه للاقتراب. وأخيرًا أومأ لها بهدوء، بعد أن اطمأن إلى أن قوة إيلاف خامدة ولا خوف منها، فتقدمت إيرونا بخطوات سريعة نحوها. بمجرد أن وصلت إليها، كانت الأخرى تمسك بخصلة من شعرها بين أطراف أصابعها، وتتمعن في اللون الأبيض بتعبير مشوش. قاطعتها إيرونا بسؤال تملؤه اللهفة:
- إيلاف، كيف تشعرين الآن؟
رفعت نظراتها ببطء، ولكن بدلًا من النظر إلى إيرونا، وقعت نظراتها على ستون الذي أغلق الباب خلفه، بعد أن ألقى عليها نظرة جانبية، وهو يعود إلى هيئته البشرية. عادت نظراتها إلى إيرونا التي أمسكت يدها فجأة.
بعد أن أُغلقت البوابة من خلفه، وقف لبضع دقائق غارقًا في أفكاره. يتذكر كيف كان شعرها يشع بقوة عندما كانت تنبعث منها تلك الموجات الصوتية.
- كنتِ على علم بأن هذا سيحدث؟
قال وهو ينظر بطرف عينه إلى كيرا التي كانت متكئة على الحائط بجانبه، تنظر إليه وابتسامة ماكرة تعلو شفتيها. تحركت من مكانها وهي تهز كتفيها وتقول ببراءة، بينما تتمشى أمامه:
- إنها الغريزة... لا شأن لي بهذا.
كانت ابتسامتها الخبيثة تضادًا قويًا مع تلك الكلمات البريئة المصطنعة، وهذا ما لم يغب لثانية عن ستون.
- العودة للعهد الثاني ورؤية الحرب التي تبعتها اللعنة لا شأن لكِ بها أيضًا؟ جعلتها كلماته تتوقف فجأة في منتصف خطواتها، وتميل برأسها نحوه، بعد أن تلاشت ابتسامتها، وعم الصمت بينهما. لم تتوقع معرفته انها اعادت إيلاف لذكريات العهد الثاني لتدفع غريزتها للتحرك
- تسك...
هربت سخرية من شفتيه بعد أن رأى الصدمة والإنكار في نظراتها، وعدم ردها كان هو بالتحديد ما توقعه. تحرك من مكانه، وهو يمر من جانبها ويتخطاها بهدوء، بينما هي لم تُنزل نظراتها عنه.
- من ضحى بمجده لأجلك، سيكون أول الهالكين من أفعالك.
رمى جملته وهو يكمل خطواته، دون أن يكلف نفسه عناء الالتفات والنظر إليها. تسارعت أنفاسها الغاضبة، وهي تقبض قبضتيها بقوة حتى ابيضت مفاصلها.
- سيعود العهد... حتى لو اضطررت إلى أن أقتله بنفسي هو وكل من سيقف في طريقي...
قالت بصوت مرتجف، أقرب إلى التردد وعدم اليقين. توقف ستون فجأة بعد سماع جملتها تلك. لم يلتفت. لم يرد.
عمّ صمت مطبق، انتهى باستكماله خطواته مبتعدًا، وعلى وجهه تعبير مظلم لا يوحي بالخير بعد سماع ذلك الوعيد منها.