✦✧ـــــــــــــــــــــــ✧✦ P . 3 ✦✧ــــــــــــــــــــــــــ✧✦
فتحت "إيلاف" عينيها بصعوبة لتجد نفسها مستلقية على سرير داخل غرفة غريبة أقرب ما تكون إلى مختبر ذي إضاءة خافتة. نظرت حولها بارتباك وهي تحاول الجلوس، لكن جسدها كان مثقلًا بخمول غريب، وكأنها كانت غارقة في غيبوبة طويلة.
التفتت حولها محاولة استيعاب ما يحدث، متجاهلة الألم والإرهاق اللذين يسيطران على جسدها. رفعت يدها لتزيح الغطاء عنها، لكنها لم تستطع تحريك ذراعها إلا إلى منتصف المسافة قبل أن تتوقف فجأة. شيء ما كان يقيد حركتها.
نظرت بعينين مرهقتين إلى ما يعيقها، لتتفاجأ بسلسلة حديدية ملطخة بدماء جافة تحيط بمعصمها، وتمتد حتى تتصل بالحائط بجوار السرير.
لكن شيئًا ما بدا غريبًا...
تلك الدماء لم تكن موجودة إلا على الجزء المعدني الملتف حول معصمها فقط ولا لم تكن دمائها.
حاولت تحريك يدها الأخرى لتلمس السلسلة، لكنها هي الأخرى كانت مقيدة. اتسعت عيناها بصدمة. كلتا يديها كانتا مقيدتين بتلك الأشياء اللعينة.
بدأ قلقها يتزايد، خصوصًا أن تلك السلاسل لا تكتفي بتقييد حركتها، بل تمنحها شعورًا بالعجز حتى عن تحريك شيء تافه كالغطاء الموضوع فوق ساقيها او تحريك اي شئ بعيونها.
وبينما كانت غارقة في التفكير حول كيفية الخروج من هنا، أو حتى كيفية الحركة، فُتح الباب.
دخلت فتاة تبدو في مثل عمرها تقريبًا، ذات شعر بني، وعينين رماديتين مسحوبتين، وبشرة بيضاء. بدت من جنسية مختلفة عن ذلك الرجل المريب صاحب البدلة السوداء. بل بدت آسيوية إن لم تكن كذلك بالفعل.
اقتربت الفتاة بهدوء، وارتسمت على وجهها ابتسامة ناعمة عندما رأت "إيلاف" مستيقظة. توقفت على بعد خطوتين من السرير وقالت بهدوء
إيرونا: - أهلًا يا "إيلاف" انا إيرونا، آمل أن تكوني تشعرين بتحسن الآن.
نظرت إليها "إيلاف" بريبة، لكنها لم تجب. اكتفت بالصمت.
ولم تبدُ "إيرونا" منزعجة من ذلك، بل وكأنها كانت تتوقعه منذ البداية، خاصة بعد الطريقة التي جُلبت بها "إيلاف" إلى هنا.
اقتربت أكثر.
فورًا توترت "إيلاف" وحاولت استخدام قوتها. لكن بمجرد أن حاولت استدعاءها، شعرت بالسلاسل الحديدية المحيطة بمعصميها تحرق جلدها.
بدأ الدم الجاف العالق بها يستعيد لونه الأحمر القاني ولزوجته، وكأنه كائن حي كان نائمًا واستيقظ فجأة.
أطلقت "إيلاف" أنينًا متألمًا وتوقفت عن المقاومة، بينما راحت تلتقط أنفاسها بصعوبة. واصلت "إيرونا" الاقتراب حتى وقفت بجوارها مباشرة. ثم وضعت يدها فوق السلاسل المحيطة بمعصميها وبدأت بفكها بحذر.
إيرونا: - اهدئي، أنا هنا لأساعدك لا أكثر.
رغم أن "إيلاف" لم تشعر بالثقة أو الأمان تجاهها، إلا أنها التزمت الصمت حتى انتهت من إزالة تلك السلاسل اللعينة. وفور تحررها، دفعت "إيرونا" بعيدًا وقفزت من السرير لتقف أخيرًا على قدميها.
ترنحت "إيرونا" للخلف بسبب الدفعة، لكنها سرعان ما استعادت توازنها، فالدفع لم يكن بالقوة الكافية لإسقاطها. أما "إيلاف" فأخذت تتراجع عدة خطوات إلى الخلف وهي تقبض يديها بقوة بجانبها، تدور بنظراتها في أنحاء الغرفة بحثًا عن أي وسيلة للهروب. في المقابل، كانت "إيرونا" تراقبها بصمت وهدوء غريبين.
ثم قالت وهي تقترب بحذر:
إيرونا: - أنصحك ألا تحاولي استدعاء قوتك، لأن هذا...
لكن "إيلاف" لم تمنحها فرصة لإكمال حديثها. فقد حاولت بالفعل استخدام قوتها لقذف "إيرونا" بعيدًا والوصول إلى الباب. وفي اللحظة التي فعلت فيها ذلك، بدأت بقايا الدماء على معصميها تتوهج.
أطلقت صرخة متألمة. شعرت وكأن جلدها يحترق. وكأن شيئًا ما يستنزف طاقتها من الداخل.
تنهدت "إيرونا" بخيبة أمل تشبه خيبة أم تحاول إقناع طفلها بالتوقف عن اللعب بالنار.
إيرونا: - لأن هذا سيضعفك أكثر.
ثم أسرعت نحو "إيلاف"، التي كانت قد سقطت بالفعل على ركبتيها من شدة الألم والذعر. جثت أمامها ومدت يدها محاولة الإمساك بها. لكن "إيلاف" صفعت يدها بعيدًا وقالت بحدة:
إيلاف: - لا تلمسيني!! ابتعدي عني!!
بدا أن "إيرونا" وصلت إلى نهاية صبرها. فجأة رفعت يدها ونقرت بإصبعها على جبين "إيلاف". وفي اللحظة التالية... شُلّت حركة "إيلاف" بالكامل. اتسعت عيناها بصدمة.
وقبل أن تستوعب ما حدث، كانت "إيرونا" تمسك بمعصميها وتمسح بقايا الدماء عنهما بهدوء. ثم أحاطت أحد معصميها بكلتا يديها. انبعثت هالة غريبة منهما. وبعد ثوانٍ قليلة أبعدت يديها. اتسعت عينا "إيلاف" أكثر عندما اختفت الكدمة التي خلفتها السلاسل تمامًا. كررت "إيرونا" الأمر مع المعصم الآخر، ثم رفعت نظرها نحو "إيلاف".
إيرونا: - أنا هنا لأتحدث معكِ.
ثم اكملت بنبرة متفهمة
- أعلم أن كل ما يحدث كثير عليكِ لاستيعابه، ولهذا سأمنحك كل الوقت الذي تحتاجينه حتى تهدئي. - وسأشرح لك كل شيء. ثم أضافت: - لكن أولًا...
جلست أمامها ونقرت مرة أخرى على جبينها. فاستعادت "إيلاف" قدرتها على الحركة فورًا. ابتعدت عنها زاحفة للخلف وهي تلتقط أنفاسها بذعر.
إيلاف: - ماذا تكونين؟! - ابقي بعيدة عني!!
تنهدت "إيرونا" وهي تقرص جسر أنفها بنفاد صبر.
إيرونا: - أولًا يجب أن تستمعي لي.
ثم نظرت إليها بسخرية قائلة:
إيرونا: - بجدية؟ تحركين كل شيء بعينيك، وتتحكمين في اتجاهه بيديك عن بعد، وتكسرين الحواجز الزمنية...
واكملت قائله وهي تلوح بيديها بعدم تصديق
- ثم في النهاية يفزعك أنني شللت حركتك لثوانٍ حتى أعالجك؟ رفعت "إيلاف" حاجبيها بصدمة.
جلست باستقامة أكبر وقالت بعدم تصديق:
إيلاف: - أكسر... الحواجز الزمنية؟
ظلت "إيرونا" تنظر إليها. لكن هذه المرة ظهر الارتباك على وجهها هي الأخرى.
إيرونا: - مهلًا... - ألم تكوني على علم بهذا؟
هزت "إيلاف" رأسها نافية. وكأنها تسمع شيئًا جديدًا تمامًا عليها. عمّ الصمت لثوانٍ، ثم وقفت "إيرونا" واقتربت منها ومدّت يدها لتساعدها على الوقوف. ورغم تردد "إيلاف" لثوانٍ، فإنها في النهاية سمحت لها بمساعدتها. بعد أن وقفت أخيرًا، ارتفعت زاوية شفتي "إيرونا" في ابتسامة صغيرة، وقالت وعيناها لا تفارقان عيني "إيلاف"، وكأنها تنظر إلى روحها أو إلى جوف وعيها المملوء بآلاف الأسئلة:
إيرونا: - أظن أن لديكِ الكثير من الأسئلة.
كانت "إيلاف" بدورها تنظر إليها، لكن أول ما خطر على ذهنها ونطقت به دون وعي وبلهفه
إيلاف: -ماذا حدث لأسرتي ؟
رفعت "إيرونا" حاجبها بتعجب، إذ لم تتوقع سؤالًا كهذا، لكنها قررت الإجابة على أي حال.
إيرونا: - أخبرني شادو أنهم نقلوهم إلى مكان آخر، ثم أُعيدوا إلى منزلهم بعد أن أخذوكي
كانت كل كلمة تزيد من ارتباكها وشعورها بالغثيان من شدة ما تمر به وتسمعه. فقالت بغضب وصوت يملؤه التوتر وعدم الاتزان:
إيلاف: - شادو؟! نقلوهم؟! من هم؟! من أنتِ؟ وما هدفكم من كل هذا العبث؟!
بدأت تتوتر، وفي غياب الدماء التي كانت تقيد وتعيق قوتها، بدأت هالة خفيفة متوترة تصدر منها، لكن "إيرونا" تداركت الأمر قائلة:
إيرونا: - فقط استمعي أولًا. أسرتكِ في أمان ولم يصبهم أي مكروه. أما السبب وراء إحضاركِ، فهذه قصة طويلة، واختصارها أنكِ آخر نبضة وأهم نبضة من نبضات مذنب ألفا.
ردت "إيلاف" بانفعال شديد، فقد طفح كيلها من كل ما تسمعه من ألغاز.
إيلاف: - مذنب ماذا؟! بماذا تهذين؟! من أنتم؟! أتعلمين؟ لا يهم!
ثم دفعتها جانبًاواتجهت نحو الباب لتخرج من تلك الغرفة المريبة، بينما لحقتها "إيرونا" محاولةً إيقافها.
إيرونا: - فقط استمعي، وكفى عنادًا! لماذا أنتِ متسرعة وكأن هذا سيغير أي شيء؟!
لم تستمع لها، وبدلًا من ذلك حركت يدها اليمنى وصفعت الهواء، مما جعل "إيرونا" تُلقى بعيدًا بقوة خفية وتسقط على ظهرها وهي تتألم من شدة السقطة. لم تلمس "إيلاف" الباب، وبدلًا من ذلك حركت يدها مرة أخرى ولكمت الهواء، مما جعل الباب الحديدي يُنتزع من مكانه ويُلقى بعيدًا.
كانت تسير بخطوات سريعة خارج تلك الغرفة في ممر طويل، وكل شيء بدا وكأنه مصنوع من الفولاذ ومطلي باللون الأسود. وبينما كانت تسير بسرعة وتنظر لكل ما يحيط بها، لاحظت وجود الكثير من الأبواب الحديدية وبجانب كل باب جهاز صغير ملتصق بالحائط واقرب الي ما يكون بماسح ضوئي، وفي نهاية الممر باب أسود حجمه ثلاثة أضعاف باقي الأبواب، وكأنه يقود إلى مكان أكبر وأوسع.
وبينما هي متجهة نحو ذلك الباب وعلى وشك انتزاعه من مكانه، لحقت بها "إيرونا" وأمسكت بيدها بسرعة، ثم نقرت على جبينها، مما شلّ حركتها مرة أخرى.
إيرونا بغضب: - أنتِ أكثر شخص متسرع وعنيد رأيته في حياتي! لماذا لا تستمعين حتى؟!
بينما كانت "إيلاف" متجمدة في مكانها وغير قادرة على تحريك أطرافها، قالت وهي تنظر إليها بحدة:
إيلاف: - أنتِ ومن أحضروني إلى هنا مجموعة مجانين. اختطفتموني بعد أن اختطفتم أسرتي، واحضرتموني إلى مكان يشبه مواسير الصرف العملاقة، والآن تطلبين مني الاستماع لكِ؟!
وضعت "إيرونا" يديها على رأسها وكأنها تحاول ألّا تفقد عقلها، وقالت بعدم تصديق وانفعال وهي تلوّح بيديها في الهواء:
إيرونا: - قلت ثلاث مرات إنني سأشرح لكِ كل شيء، لكن بمجرد أن أفتح فمي أنتِ تفقدين جزءًا من خلايا مخك وتنفجرين في وجهي، وتلقين بي هنا وهناك وكأنني دمية لعينة بين يديكِ! لماذا لا تصمتين وتستمعين ولو لمرة واحدة؟!
أدارت "إيلاف" عينيها وقالت بضجر وتذمر:
إيلاف: - ضعي نفسكِ مكاني قبل أن تفتحي فمكِ. من يسمعكِ وأنتِ تتحدثين يبدو الأمر وكأنكِ تقولين لي إنكم حضرتم لي حفلة، وليس أن عائلتي تم اختطافها قبل أن أُختطف أنا شخصيًا، وأرى رجلًا ذا بدلة متقمصًا دور شخصية سينمائية، وفتاة آسيوية تهذي بكلمات مريبة!
تنهدت "إيرونا" تنهيدة طويلة متذمرة، وقالت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها كالطفل العنيد:
إيرونا: - لن تتحركي قبل أن تستمعي لكل ما سوف أقوله وتتوقفي عن ال...
لم تُنهي حديثها، لأنها شعرت بجسدها يبدأ في الطفو في الهواء وكأنه لا يزن شيئًا.
إيرونا: - آاه... مهلًا، مهلًا... ماذا تفعلين؟! أنتِ لا تتحركين! كيف؟!
ابتسمت "إيلاف"، وهربت ضحكة ساخرة من شفتيها وهي ترى "إيرونا" تطفو في الهواء مترنحة، تلوح بيديها بعشوائية في محاولة لاستعادة توازنها.
إيلاف بسخرية: - لم تحذري، يا عزيزتي. أنتِ جمّدتِ جسدي، لكن ليس عيناي. أنتِ قلتِ بنفسك إنني أحرك الأشياء بعيني وأتحكم في اتجاهها بيدي.
ثم أكملت معقبة بسخرية وتعالٍ:
إيلاف: - وبما أنكِ جمّدتِني، فللأسف سوف تبقين معلقة في الهواء كالبالون.
كانت "إيرونا" لا تزال تحاول استعادة اتزانها، تلوّح بيديها وساقيها وكأنها تغرق في الهواء، بينما جسدها يتشقلب ببطء حتى استقر رأسًا على عقب.
إيرونا: - إذا لم تُنزليني فلن أحرككِ!
عبست "إيلاف" وقالت وكأنها في رهان يستحيل أن تخرج منه خاسرة:
إيلاف: - حرريني أولًا وسوف أنزلكِ. أنا لا أضمنكِ من هنا لنهاية الشارع حتى.
نظرت إليها "إيرونا" بعدم فهم وهي تحاول قلب جسدها وجعل رأسها للأعلى مجددًا، لكن محاولاتها استمرت بالفشل.
إيرونا: - مهلًا... ماذا؟!
أدارت "إيلاف" عينيها بملل وقالت بلامبالاة وشيء من السخرية
إيلاف: - مثل شعبي، لا تكترثي. والآن حرريني!
استمر النقاش بينهما لبضع دقائق، قبل أن يقطعه صوت انفتاح أحد الأبواب.
خرج شاب ضخم البنية إلى حدٍّ ما، ذو بشرة سمراء وشعر مجعد. بدا عليه النعاس، إذ كان يتثاءب ولم يلحظ ما يحدث في البداية.
ألقى نظرة عابرة نحوهما لثوانٍ ثم أشاح ببصره، لكنه سرعان ما استوعب ما رأته عيناه. اتسعت عيناه بصدمة، وأعاد النظر سريعًا إلى المشهد أمامه؛ جسدان في وضع غريب، أحدهما يطفو في الهواء، والآخر يقف كتمثال متجمد، متقدمًا بإحدى ساقيه عن الأخرى وذراعه اليمنى مسحوبة إلى الخلف، وكأن شخصًا خفيًا يمسك بها.
صرخت "إيرونا" فور أن رأته وقالت بلهفة:
إيرونا: - ستون!! ساعدني قبل ان اتقيأ!! اشعر بالدماء تتسلسل لجمجمتي
ارتسمت على وجه "ستون" ملامح تقزز، وهز رأسه بخفة كردة فعل طبيعية، بينما كان يقترب منهما ونظراته معلقة على جسد "إيرونا" الطافي في الهواء.
ستون: - يبدو انك فعلاً استطعتي التناقش معها
قالها بسخرية وهو يقف واضعًا يديه على خصره، وعلى وجهه ابتسامة عريضة تفيض بالشماتة.
أطلقت "إيرونا" صرخة متذمرة ومستسلمة، لكنها لم ترد عليه. أما هو فأشاح بنظره ليستقر على "إيلاف"، ثم اقترب منها متأملًا ملامحها، وخاصة عينيها، لعلمه بأن معظم قوتها تتركز فيهما.
قال وهو يعقد ذراعيه أمام صدره في وقفة يملؤها الغرور
ستون: - اذن انتي النبضة الاخيرة هاه؟ تبدين هزيلة جدا ومخيبة للامال مقارنة بكل ما سمعتة عنكي
كانت "إيلاف" تنظر إليه بتعبير بارد مشمئز، بينما ارتفعت زاوية شفتها العليا لا إراديًا معبرة عن التقزز. ثم حولت نظرها إلى "إيرونا" متجاهلة تمامًا الدب البشري الواقف أمامها
إيلاف: - بحقك من هذا الدب الاشعث؟
لم تستطع "إيرونا" كتم ضحكتها رغم أنها لا تزال معلقة في الهواء، بينما اتسعت عينا "ستون" بعدم تصديق. لم يكن يتوقع مثل هذا الرد أبدًا، فانتفض في مكانه وغير وقفته بسرعة وهو يشير إليها بإصبعه.
ستون: - كيف تتجرئين ايتها النحيلة!! انا من اقوى النبضات ويمكنني سحقك!!
لم تكلف "إيلاف" نفسها عناء الرد عليه. وبدلًا من ذلك، أنزلت "إيرونا" بهدوء، لكنها لم تضعها على الأرض مباشرة، بل جعلتها تطفو أمامها على مستوى النظر
إيلاف: - حرريني ثم سوف اتركك وهذا هو شرطي
تنهدت "إيرونا" باستسلام، غير مصدقة مدى اصرارها على عدم الاستسلام وتنفيذ كلامها رفعت إصبعها ليستقر على جبين "إيلاف".
إيرونا: - انتي عنيدة جداً اتعلمين هذا
ومع انتهاء كلماتها، تحررت "إيلاف" أخيرًا. حركت ذراعيها بحرية وهي تتمطى قليلًا، وكأنها تستعيد نشاط جسدها بعد فترة طويلة من الجمود.
بعد ذلك، لوحت بيدها لتنزل "إيرونا" إلى الأرض أخيرًا، بينما ظل "ستون" واقفًا في مكانه، لا يزال يستشيط غضبًا. ثم أعاد نظره إلى "إيرونا" وقال بسخرية ممزوجة بالانزعاج:
ستون: - اهذه النحيلة هي حقا اخر نبضة؟ هذه هي كاسرة الحواجز الزمنية؟؟
قلبت "إيلاف" عينيها بملل، بينما كانت "إيرونا" تدفع "ستون" ليتحرك أمامهما، إذ بدا واضحًا أن رأسها لم يعد يحتمل أي جدال إضافي.
إيرونا: - فقط تحرك سنناقش هذا لاحقا
نظر إليها بعيون يملؤها الغيظ، وانتزع ذراعه من قبضتها، ثم انطلق مبتعدًا بخطوات ثقيلة وكأنه ثور هائج يكتم غضبه بصعوبة.
إيلاف: - اهذا ما يسمى باعداء النجاح؟
رمقتها "إيرونا" بنظرة جانبية تحذيرية، ثم أمسكت بذراعها وسحبتها معها بينما اتجهتا نحو ذلك الباب الحديدي الضخم الذي يختلف عن بقية الأبواب حجمًا وتصميمًا، والذي كان "ستون" قد سبقهما إليه بالفعل.
إيرونا: - تعرفتي عليَّ وعلى "ستون" تبقى اخر شخص يجب ان تعرفية
قالتها وهي تسير بمحاذاة "إيلاف". رفعت "إيلاف" حاجبها وقالت بتعجب:
إيلاف: - الا يزال هناك شخص اخر؟
أومأت "إيرونا" برأسها وأكملت:
إيرونا: - نعم "لونغ شين" حامل نبضة اللهب
ما إن وصل الاسم إلى أذني "إيلاف" حتى توقفت خطواتها في منتصف الحركة.
تجمدت في مكانها وكأن جسدها نسي فجأة كيف يتحرك، واتسعت عيناها بصدمة حادة. للحظة شعرت وكأن ذلك الاسم لم يكن مجرد اسم، بل شيء انتُزع من أعماق الماضي وأُلقي أمامها دون سابق إنذار.
توقفت "إيرونا" والتفتت نحوها بعدم فهم وقالت بشيء من الارتباك
إيرونا: - ما الخطب؟
اختل إيقاع أنفاس "إيلاف"، بينما أخذ قلبها يطرق صدرها بعنف متزايد، وكأن جسدها سبق عقلها إلى استيعاب ما سمعه.
إيلاف بصوت مرتعش: - ماذا قلتي؟
اقتربت منها "إيرونا" وهي لا تفهم سبب تلك الردة المفاجئة وقالت بهدوء
إيرونا: - انا فقط قلت انك ستتعرفين على اخر شخص...
قاطعتها "إيلاف" بسرعة ولهفة:
إيلاف: - اقصد الاسم يا ايرونا
انعقد حاجبا "إيرونا" أكثر، وازدادت حيرتها وهي تراقب التغير المفاجئ في ملامح الفتاة أمامها.
إيرونا: - لونغ شين... اتعرفينه؟
هزت "إيلاف" رأسها نافية بسرعة، محاولة استعادة هدوئها.
إيلاف: - لا...
ثم تابعت السير وكأن شيئًا لم يحدث، متجاهلة نظرات الاستفهام التي لم تفارق وجه "إيرونا". هزت "إيرونا" كتفيها في النهاية وقررت تجاهل الأمر، ثم أكملت طريقها حتى لحقت بها. في تلك الأثناء، فتح "ستون" الباب الحديدي بعد أن وضع يده على جهاز التعرف المثبت على الجدار المجاور له. تبعته "إيرونا"، بينما سارت "إيلاف" خلفهما بخطوات أبطأ من السابق، تحاول عبثًا تهدئة ضربات قلبها المضطربة. أما عقلها فكان يغرق في دوامة من الأفكار المتلاحقة.
ليس هو... مستحيل... إنه مجرد تشابه أسماء... صدفة... صحيح؟
قطع صوت "إيرونا" سيل أفكارها بعدما دخلوا إلى قاعة واسعة تعج بالشاشات والأجهزة المنتشرة في كل زاوية، حتى بدا المكان أشبه بمركز مراقبة متطور.
إيرونا: - "ايلاف" هذا هو "لونغ شين" النبضة الاولى
وقفت "إيرونا" إلى جوارها، بينما كان "ستون" يعقد ذراعيه أمام صدره متكئًا على أحد الجدران في زاوية القاعة. أما "إيلاف" فرفعت بصرها ببطء شديد... وكأنها تخشى التأكد مما سمعته. وفي اللحظة نفسها، التفت الشاب بعدما سمع اسمه. توقفت ملامحه فجأة. واستقرت عيناه عليها مباشرة.
صدمة. ذهول. وعدم تصديق.
لم تستطع تفسير التعبير الذي ارتسم على وجهه، لكنها كانت متأكدة من شيء واحد... أنه لم يكن يتوقع رؤيتها أكثر مما كانت تتوقع رؤيته. عمّ الصمت. وانكمش العالم من حولها إلى نقطة واحدة.
تراجعت الأصوات إلى مكان بعيد، وذابت تفاصيل القاعة والشاشات والوجوه من حولها، حتى لم يبقَ في مجال رؤيتها سوى ذلك الشاب.
تلك العينان البنيتان الحادتان... عينان عرفتهما جيدًا رغم أنها لم ترهما يومًا إلا عبر الصور.
شخص اعتادت أن تراه حبيس الذكريات والحكايات والصور القديمة، حتى أقنعت نفسها أن لقاءه ينتمي إلى عالم المستحيلات.
أما هو، فبدا وكأن الصدمة أصابته بالقوة نفسها. تجمد في مكانه للحظة. وتوقفت عيناه عندها وكأن عقله يرفض تصديق ما يراه أمامه. كلاهما بدا منفصلًا عن الواقع. كأن الزمن نفسه تباطأ للحظات، تاركًا إياهما وحدهما وسط ذلك الصمت الغريب. حتى قطع الشاب ذو الشعر الأسود الفوضوي المنسدل والبشرة الحنطية ذلك السكون الخانق. وقال بصوت خافت، وكأنه يحدث نفسه ليتأكد إن كان يحلم أم لا:
لونغ: - ايلاف؟...