✦✧ـــــــــــــــــــــــ✧✦ P . 4 ✦✧ــــــــــــــــــــــــــ✧✦
كانت اللحظة لا تزال متوترة، والأنفاس مكتومة، والصمت مطبقًا وخانقًا إلى حدّ يكاد يُثقل الهواء نفسه.
كان "لونغ" لا يزال ينظر إلى "إيلاف" بنظرات صامتة، وكأنه عالق في حالة صدمة لم يخرج منها بعد، وهي بالمثل... إن لم تكن صدمتها أعمق وأشد.
بعد امتداد الصمت لثوانٍ ثقيلة، قررت "إيرونا" أخيرًا كسر هذا الحاجز.
إيرونا: - اتعرفان بعضكما؟ ااه.. اظن وفر هذا علينا بعض الوقت
قالتها في محاولة واضحة لتخفيف التوتر الذي أصبح يسيطر على الموقف بالكامل.
تغيرت ملامح "لونغ" تدريجيًا من الصدمة إلى برود حاد، أو ربما... حقد. كان هذا ما يبدو على السطح، لكن تلك العيون البنية الحادة كانت تحكي شيئًا مختلفًا تمامًا، كأنها تخفي خلف جمودها صرخة عتاب مكبوتة، تنتظر لحظة الانفجار.
أما "إيلاف" فكانت لا تزال واقفة بجانب "إيرونا" كتمثال بلا روح، حاجباها معقودان، وعيناها معلقتان عليه بصدمة ممتزجة بهلع خافت.
كان تنفسها مضطربًا؛ يتقطع أحيانًا وكأن الهواء يخذلها، ثم يزداد تسارعًا كأنها تغرق في دوامة نظراته. وكأنها كلما حاولت الصعود إلى السطح لتلتقط أنفاسًا قصيرة، سحبتها تلك الامواج إلى القاع من جديد.
كانت "إيرونا" تتبادل النظرات بينهما بقلق واضح وارتباك، ثم التفتت إلى "ستون" الذي كان لا يزال يقف في إحدى الزوايا خلفهم. ارتسم على وجهه تعبير مماثل من الحيرة تجاه هذا الصمت الغريب والنظرات المربكة، حتى إنه تبادل نظرة قلق سريعة مع "إيرونا"، قبل أن يقرر أخيرًا كسر هذا الجمود
ستون: - هل سيتحدث احد بدلاً من تبادل تلك النظرات، تبدوان مثيريان للشفقة
ضربت "إيرونا" جبهتها بكفها وهي تهز رأسها بيأس، ثم عادت بنظرها إلى "لونغ" وقالت بصرامة ممزوجة بمحاولة للتحقيق:
إيرونا: - لونغ اذا كنتما بالفعل تعرفان بعضكما...
لونغ: - لا اعرفها
قاطعها ببرود قاسٍ، يحمل قشعريرة غير مرئية، قبل أن يشيح بنظره بعيدًا عن الجميع، ويستدير مغادرًا المكان بخطوات سريعة وحادة.
كانت "إيلاف" لا تزال متجمدة في مكانها، عيناها معلقتان على ظهره وهو يبتعد. لم يكن يسير فقط... بل كان يبتعد كعاصفة مكبوتة. قبضتاه مشدودتان إلى درجة أن مفاصلهما ابيضّت، وكأن كل خطوة يخطوها كان يقاوم شيئًا ينفجر داخله.
وعند الباب، لم يستخدم جهاز المسح مستشعر البصمات. بدلًا من ذلك، اشتعلت إحدى قبضتيه بلهب أحمر داكن، ثم لكم الباب بقوة هائلة.
انفجر الباب في لحظة، وتحوّل إلى شظايا متناثرة مع كرة اللهب، بينما خرج "لونغ" وكأنه بركان هائج اندفع إلى الخارج دون أن يلتفت.
ساد الذهول المكان.
ظل الجميع في حالة صدمة لما رأته أعينهم دون أن يستوعبوه بعد.
وقطع هذا الصمت صوت صافرة خافتة أطلقها "ستون"، قبل أن يقول بنبرة تجمع بين السخرية والإعجاب
ستون: - لم اتوقع ان اعيش لليوم الذي اراة يظهر هذا التعبير
نظرت "إيرونا" إلى "إيلاف" التي لا تزال واقفة في حالة سكون تام، فأمسكت بيدها بهدوء، لكنها صُدمت من شدة برودتها وارتعاشها.
أرخَت "إيلاف" كتفيها المشدودين، وظلت نظراتها معلقة بالأرض وكأنها شاردة في شيء لا يراه أحد غيرها.
سحبت "إيرونا" يدها برفق محاولة إعادتها إلى الواقع، ثم قالت بهدوء وهي تبدأ بالسير خارج الغرفة، بينما كانت قبضتها تستقر بخفة حول يدها
إيرونا بهمس: - تعالي معي
كانت "إيلاف" تمشي وكأنها دمية تتحرك حيثما تضعها صاحبتها. خرجتا من الغرفة معًا متجهتين إلى مكان لا تعلمه إلا "إيرونا".
كالعادة... ممر طويل، والكثير من الأبواب الفولاذية، وإضاءات خافتة لا تبعث على الراحة النفسية.
بعد دقيقتين، كانت "إيلاف" في مكان مختلف تمامًا. حديقة واسعة محاطة بأسوار ضخمة، سواء في ارتفاعها أو سماكتها. جلست على مقعد خشبي وهي لا تزال شاردة الذهن، تحدق بصمت في العشب الممتد أمامها.
قطع ذلك الصمت صوت "إيرونا" الهادئ.
إيرونا: - إذاً هل سوف تشرحين ما الامر؟
تنهدت "إيلاف"، ثم وضعت كلتا يديها على وجهها للحظات قبل أن تبعدهما وهي تبدو مشوشة.
وقالت بصوت خافت:
إيلاف: - لماذا العالم بهذا الضيق.. من بين ملايين الناس... كان هو!
وضعت "إيرونا" يدها على كتفها بهدوء في محاولة لطمأنتها
إيرونا: - فقط خذي نفس عميق... انا لا افهم ماذا يدور بينكما او حتى كيف تعرفان بعضكما والفاصل بين بلديكما ليس ارض شاسعة بل محيطات ايضا ولكن... كل ما اريدة الان ان تهدئي ولن اضغط عليكي
ساد الصمت مجددًا.
اكتفت "إيلاف" بسماع تلك الكلمات دون أن ترد، وبقيت نظراتها معلقة بالأرض أمامها بشرود. واستمر الأمر لبضع دقائق...
صمت تام بينهما.
كانت "إيرونا" متفهمة لصمتها وصراعها الداخلي، فجلست هي الأخرى بصمت، مكتفية بدعمها من خلال حضورها الهادئ.
وبعد دقائق من الصمت، تحدثت "إيلاف" أخيرًا بصوت هادئ وهي لا تزال شاردة في الفراغ أمامها.
إيلاف: - سمعتكي تشيرين لـ"لونغ" بالنبضة الاولى... وقلتي لي سابقا انني النبضة الاخيرة... ما معنى هذا
أنهت كلامها والتفتت بنظراتها نحو "إيرونا"، التي بادلتها النظر قبل أن تبتسم ابتسامة هادئة. ثم أشاحت ببصرها نحو سماء الليل المرصعة بالنجوم اللامعة.
إيرونا: - منذ قرون كان يظهر في السماء مذنبٌ مهيب لا يُشبه سواه، لا يمرّ كغيره من الظواهر، بل كأنه يحمل رسالةً خفية لا يفهمها أحد.
كانت "إيلاف" تنظر إليها بتركيز شديد، تستمع إلى كل كلمة تقولها، بينما كان الشغف يتسلل من بين حروف كلماتها.
وأكملت "إيرونا" بالنبرة ذاتها
إيرونا: - رسالته كانت عبارة عن نبضات توقظ ما هو مدفون في اعماق كياننا المنكسر. هو لم يكن يفعل هذا بعشوائية، بل يختار تحت قوانين لا يعلمها اي احد من بني جنسنا
ثم خفضت نظرها إلى كفيها بعدما رفعتهما قليلًا، وأخذت تتأملهما.
إيرونا: - كل نبضة تحمل معنى يعبر عن جوهرنا او رغبة دفينة نخشى البوح بها سراً لا لأقرب الاشخاص لنا... بل حتى لأنفسنا
كانت "إيلاف" تستمع لكل كلمة، وتشعر أن "إيرونا" تلامس شيئًا دفينًا في أعماقها بتلك العبارات.
شيئًا خامدًا لم يشتعل بالكامل بعد...
شيئًا لم تكتشفه حتى هي بنفسها.
ابتسمت "إيرونا" وهي تعيد نظرها إلى السماء، حيث انعكس في عينيها بريق النجوم المتلألئة، وكأن السماء وضعت تاجًا من الضوء فوق رأس الليل.
إيرونا: - كل الفي عام يظهر مذنب ألفا في السماء ويختفي، ولكن بعد اختفائه يترك خلفه نبضات لكيانات ساكنة بداخلنا... وكأنه يسلب حقنا في الحياة كبشر طبيعيين، وفي المقابل يمنحنا قوة
ثم أبعدت ناظريها عن السماء لتستقر على "إيلاف"، التي كانت غارقة تمامًا في تلك الكلمات. كلمات قد تغير مجرى تفكيرها بالكامل... أو ربما تعيد بعض الاتزان إلى نفسها الضائعة في رحلة البحث عما تكونه حقًا.
وأكملت "إيرونا"، دون أن تبعد عيناها عن عيني "إيلاف":
إيرونا: - ولكن مالا نعلمة، اهي حقا نعمة ام لعنة تحيا بداخلنا
سقطت كلماتها الأخيرة على مسامع "إيلاف" وكأنها مست شيئًا بُني في أعماقها منذ أعوام طويلة. نظرت "إيلاف" بعيدًا بشرود، ثم قالت وكأن الكلمات خرجت دون إرادة منها
إيلاف: - لكن.. لماذا نحن دون غيرنا
ردت "إيرونا" بعد صمت دام لعدة ثوانٍ، وكأنها ترتب كلماتها بعناية.
إيرونا: - قوانين المذنب الحقيقية لا نعلم عنها شيئاً ولكن...
عدلت جلستها لتتكئ بظهرها إلى الخلف، وتنظر إلى الأسوار الضخمة التي كانت تبعد عنهما مسافة ليست بعيدة جدًا.
إيرونا: - ما لاحظته أن لكل شخص منا صدمة، وبسببها حصل على نبضة أيقظت جوهره ورغبته المدفونة وانعكست على هيئة قوة.
نظرت إليها "إيلاف" وعلى وجهها الكثير من علامات الاستفهام... ولكن الان فهمت سبب لعنتها
إيلاف: - صدمة؟
أومأت "إيرونا" مؤكدة كلماتها. فأكملت "إيلاف" بسؤال متردد، وكأنها تحاول استيعاب شيء ما.
إيلاف: - عندما عالجتي كدماتي بمجرد أن حاوطتيها بكلتا يديكي... قوتك هي الشفاء أليس كذلك؟
إيرونا: - أخبرتك في لقائنا الأول منذ بضع ساعات أنني سأشرح لكِ كل شيء، فقط اسألي ما يشغل تفكيرك.
خف توتر "إيلاف" وترددها قليلًا، لكنه لم يختفِ تمامًا، حتى تغلب فضولها في النهاية.
إيلاف: - قلتي إن... المذنب يمنح نبضة للكيان الخامد بداخلنا مما يعطينا قوة تعبر عن جوهرنا أو رغبتنا... وسبب منحنا تلك النبضة هو صدمة...
توقفت "إيلاف"، إذ لم تكن تدري كيف تطرح سؤالها بطريقة لا تجرحها. وسرعان ما فهمت "إيرونا" مقصدها من تلك الكلمات غير المكتملة والصمت الذي أعقبها.
تنهدت وهي تعيد نظرها إلى السماء، وقالت بهدوء يخفي اضطراب نبضات قلبها بعد أن عادت إليها ذكريات لا تزال تحاول جاهدة دفنها في أعماق وعيها.
إيرونا: - ما هي صدمتي التي بسببها حصلت على النبضة التي منحتني قوة الشفاء...
التفتت إليها "إيلاف" بسرعة، وعلى وجهها صدمة واضحة، غير مصدقة أنها فهمت ما كانت تحاول قوله، وشعرت بشيء من الخجل من نفسها لأنها كانت فضولية إلى هذا الحد.
كانت "إيرونا" تريح رأسها إلى الخلف على ظهر المقعد الخشبي الطويل الذي جلستا عليه، ثم أمالت رأسها قليلًا نحو "إيلاف" وأكملت:
إيرونا: - أليس هذا هو سؤالك؟
أومأت "إيلاف" بصمت، وهي تشيح بنظرها بعيدًا بخجل.
أطلقت "إيرونا" تنهيدة أخرى، ثم أعادت نظرها إلى السماء وقالت بنبرة امتزج فيها المزاح بشيء من الدفء، محاولة تبديد التوتر الذي خيم بينهما دون داعٍ.
إيرونا: - سأخبركِ قصتي، ولكن بشرط أن تحكي لي أنتِ أيضًا. أرفض أن أكون الوحيدة المثيرة للشفقة هنا.
أومأت "إيلاف" موافقة، بينما انطلقت منها ضحكة خافتة، وارتفعت زاوية شفتيها في ابتسامة بالكاد تُرى.
اعتدلت "إيلاف" في جلستها لتصبح مواجهة تمامًا لـ"إيرونا"، بينما بدأت الأخرى حديثها.
قبل عام في اندونيسيا
في أحد الأحياء الفقيرة، كان يقبع منزل صغير يعج بالحياة والضحكات رغم قسوة الظروف.
كانت "إيرونا" فتاة في الثامنة عشرة من عمرها، لا تزال في ريعان شبابها، تواجه الحياة بابتسامة دائمة وتحاول مساعدة والدتها في بيع الخضروات. قد يبدو الأمر بسيطًا، لكنه كان مصدر رزقهم الوحيد للحصول على قوت يومهم.
في يوم هادئ... أو ربما هذا ما كانت تظنه تلك الفتاة.
كانت تقود دراجتها الهوائية لتوصيل بعض الطلبات كعمل جانبي يساعد والدتها، وبينما كانت تسلم آخر طلب لها في ذلك اليوم قالت بابتسامة لطيفة
إيرونا: - تفضلي يا جدة
ابتسمت المرأة المسنة وهي تتسلم طلبها منها، ثم قالت بينما تعطيها المال:
العجوز: -يا له من نموذج مشرف لشباب هذا الجيل.
بادلتها "إيرونا" الابتسامة بأدب، ثم استأذنت وغادرت. عادت إلى السوق حيث كانت والدتها تعمل، وأوقفت دراجتها جانبًا قبل أن تقف بجوارها لتساعدها في بيع الخضروات. نظرت إليها والدتها على عجل وقالت
الأم: - وصلتي في الوقت المناسب، انتبهي للمكان حتى أعود.
أومأت "إيرونا"، ثم قالت بفضول وهي تعبئ بعض الخضروات لإحدى الزبونات
إيرونا: - إلى أين يا أمي؟
اقتربت والدتها وقبلت خدها قبل أن تبتعد قائلة
الأم: - سأخبرك بعد عودتي، لا تسببي أي فوضى.
ابتسمت "إيرونا" وهي تراقب والدتها تبتعد، تاركةً إياها تتولى المهمة حتى تعود. بعد ساعة ونصف تقريبًا، كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، وكانت "إيرونا" تجمع الأغراض استعدادًا للعودة إلى المنزل عندما عادت والدتها أخيرًا.
لكنها لم تكن تحمل السعادة نفسها التي غادرت بها. بدت وكأنها فقدت شيئًا ما في الطريق. رفعت "إيرونا" نظرها إليها بقلق فور أن رأت تلك الملامح الخائبة.
إيرونا: - أمي، هل أنتِ بخير؟
نظرت إليها والدتها، وحاولت إجبار نفسها على الابتسام بينما تساعدها في حمل الصناديق.
الأم: - نعم يا حبيبتي، أنا بخير. هل بعتِ جيدًا في غيابي؟
أومأت "إيرونا" وهي تسير إلى جوارها، لكن ذلك الشعور المزعج لم يغادر قلبها. كان هناك شيء خاطئ... شيء لم تخبرها به والدتها. أكملت الأم حديثها وكأن كل شيء على ما يرام
الأم: - لم يخدعكِ أحد، صحيح؟
أومأت مجددًا. كانت تحاول جاهدة تصديقها، لكن تمثيل والدتها كان بالنسبة لها أسوأ أداء يمكن أن تراه.
وصلتا أخيرًا إلى المنزل. كان بيتًا بسيطًا ذا طابق واحد، يشبه معظم المنازل المحيطة به في ذلك الحي المتواضع.
في منتصف الليل
كانت "إيرونا" مستلقية في غرفتها، تعاني من الأرق. جلست فوق سريرها بصمت، تمسك هاتفها بين يديها وتنظر للمرة العاشرة، أو ربما أكثر، إلى تلك الرسالة التي كانت تملأ قلبها بالعجز.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عزيزتنا الطالبة، يسرنا إبلاغك بقبول طلب التحاقك مبدئيًا بجامعة نوسانتارا الدولية. ولإتمام إجراءات القبول وحجز مقعدك الدراسي، يرجى سداد الرسوم المطلوبة خلال المدة المحددة. مع تمنياتنا لكِ بالتوفيق. إدارة القبول والتسجيل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنهدت بيأس، ثم أغلقت هاتفها وألقته جانبًا. ارتمت بجسدها فوق السرير، وأخذت تحدق في سقف غرفتها بينما كان الظلام يخيّم على كل ركن فيها، باستثناء نافذة صغيرة تسمح لخيط باهت من ضوء القمر بالتسلل إلى الداخل.
غرقت في أفكارها...
بين حلم الجامعة الذي طالما سعت إليه، والواقع الذي كانت تعرف جيدًا أنه أقسى من أن يسمح لها بتحقيقه بسهولة.
وبينما كانت مستسلمة لذلك الصراع الصامت، وصل إلى سمعها صوت خافت لنقاش يدور في الجانب الآخر من المنزل.
ترددت للحظة. كانت تعلم أن التنصت خطأ. لكن فضولها كان أقوى من مقاومتها. نهضت بهدوء من فوق سريرها، واتجهت نحو الباب.
فتحته بحذر شديد، ثم خرجت إلى الممر وهي تمشي على أطراف أصابعها حتى لا تُصدر أي صوت. واصلت التقدم بخطوات بطيئة وحذرة، حتى وصلت إلى غرفة المعيشة. اختبأت خلف الجدار، وأخذت تستمع بصمت إلى النقاش الدائر بين والديها.
الأم: - ذهبت اليوم لأعرف ما إذا تم قبول طلب القرض أم لا، وللأسف أخبرني الموظف أن طلبي مرفوض.
لتسمع والدها يرد بصوته المرهق المعتاد. كان مريضا والمرض قد تمكن منه في بالفعل في مراحله الأخيرة، حتى جعله عاجزًا تمامًا عن العمل أو بذل أي مجهود.
الاب: - كيف سنتصرف الآن؟ حاولت التواصل مع مدير عملي القديم، لكنه رفض حتى مساعدتي.
ردت زوجته وهي تحاول التماسك، لكن ارتجاف صوتها كان يفضح كل ما تحاول إخفاءه خلف كلماتها.
الأم: - سوف أحاول أن أتصرف. لا تشغل بالك، فقط خذ أدويتك الآن، ولاحقًا سنجد حلًا.
رد عليها بصوت مرتفع إلى حد ما، يملؤه اليأس والحزن:
الأب: - كيف سنجد حلًا وأنا أصبحت عالة عليكِ وعلى ابنتنا؟ أنا حتى عاجز عن تحقيق حلمها، فما فائدة وجودي الآن؟ الأم: - عزيزي ارجوك اهدأ، الطبيب قال المجهود حتى لو نفسي سوف يزيد وضعك الي الاسوأ
متجاهلاً كلماتها اكمل بنفس النبرة مما زاد صوته ارتعاشاً
الأب - لو ادخرنا كل فلس أنفقناه على أدويتي وجلساتي لكان معنا ولو جزء من المبلغ...
وفجأة انهار أرضًا.
صرخت والدتها بفزع وهي تهرع إليه وتجثو بجانبه محاولة مساعدته.
الأم: - دانانغ!
فزعت "إيرونا" أيضًا. كانت لا تزال مختبئة خلف الجدار، لكن الدموع كانت تنهمر على خديها بالفعل دون توقف مما كانت تسمعه. تحركت بسرعة خترجة من مخبئها لتجد والدها ملقى على الأرض، ووالدتها جاثية بجانبه تبكي وتحاول مساعدته في حالة من الذعر. أخذت تنظر حولها بفزع بحثًا عن أي شيء يمكن أن يساعده. كانت تركض هنا وهناك ودموعها تنهمر كالمطر.
لمحت جهاز التنفس المحمول، فأمسكت به وركضت عائدة، ثم سقطت على ركبتيها بجوار والدتها وهي تضع له الجهاز بيدين مرتجفتين، بينما كانت تتنفس وكأنها تغرق وتحاول التشبث بآخر طوق نجاة. كانت والدتها تضع رأسه على ساقيها وهي تبكي، وكلتاهما تشعران بعجز قاسٍ ينهش صدريهما.
الأم: - دانانغ... أرجوك قف على قدميك، لا تفعل هذا بنا...
خرجت كلماتها متقطعة بين شهقاتها، ثم همست بيأس:
- أرجوك...
لكنه لم يستجب. كانت أنفاسه تخرج بصعوبة، ويلتقطها بصعوبة أكبر، بينما كانت عيناه معلقتين بابنته التي تبكي أمامه وتحاول تثبيت جهاز التنفس بيدين لا تكفان عن الارتعاش. رفع يده بصعوبة بالغة. ببطء... حتى استقرت فوق إحدى يديها. وفي اللحظة التي لامستها فيها يده
هدأ ارتجافها قليلًا.
وكأن تلك اللمسة كانت طوق نجاتها الأخير من الظلام الذي بدأ يبتلع عالمها. آخر مصدر دفء وأمان لها.
كانت تنظر إليه من خلف ستار كثيف من الدموع، وتشعر بغصة تكاد تمزق حلقها. كل ما استطاعت سماعه كان همسات مكتومة خرجت من خلف جهاز التنفس.
والأب: - آسف يا حبيبتي...
وبعدها بثوانٍ... شعرت بثقل يده فوق يدها. ثم ببرودة زحفت إلى جلدها ببطء... برودة انتزعت قلبها من مكانه.
تلتها صرخات والدتها وهي تضمه إلى صدرها وتبكي بحرقة.
لكن "إيرونا"...
لم تبكي. لم تصرخ. كانت تنظر فقط.
تنظر إلى والدها الذي أصبح جسدًا بلا روح بين ذراعي والدتها. أما صرخات أمها فبدت بعيدة جدًا... مكتومة... وكأنها فقدت القدرة على السمع منذ اللحظة التي سمعت فيها آخر كلماته.
وقفت بلا وعي. وتراجعت عدة خطوات إلى الخلف بأنفاس مختنقة ورؤية ضبابية.
لم تعرف كم من الوقت مر منذ يوم العزاء. ولا كيف مر. ولا متى. لكنها وجدت نفسها هنا مجددًا. في غرفتها. جالسة على الأرض أمام نافذتها. مر يومان... ثلاثة... أو ربما أكثر. لم تعد تعرف.
نظرت بعينين فارغتين إلى بركة الدم التي بدأت تتجمع أسفل يدها المرتخية على الأرض. ثم أنزلت بصرها إلى يدها الأخرى. أو بالأحرى... إلى السكين المستقر بين أصابعها. كانت تحدق فيه بلا اكتراث بحجم الكارثة التي ارتكبتها في حق نفسها
أما عقلها فكان في مكان آخر تمامًا. يحاول استيعاب كل ما حدث. أحقًا تستحق الحياة فرصة أخرى؟ أحلام ضائعة. ذكريات مؤلمة. حتى أبسط أمنياتها... وأغلى شخص لديها... انتُزع منها وكأنها لم تكن تستحقه منذ البداية.
وأثناء استسلامها للضعف الذي بدأ يسيطر على جسدها بسبب النزيف، شعرت بوهج قوي يسطع من أمامها.
فتحت عينيها ببطء. ومن خلال نافذتها الصغيرة رأت مذنبًا مشتعلًا يعبر السماء. اتسعت عيناها بذهول. كان هائل الحجم. وكان وهجه كافيًا لإغراق الغرفة كلها بالنور. شعرت أنه ليس مجرد ظاهرة فلكية. لم تستطع أن تبعد ناظريها عنه. وكأن شيئًا ما كان يشدها إليه. يقيدها به.
وفجأة...
شعرت بانتفاضة قوية داخل قلبها. وكأن روحها نفسها ارتجفت بعنف. وفي تلك اللحظة، ظهرت فكرة واحدة داخل عقلها.
"أحقًا تستحق أمي أن أزيد تعاستها؟"
وكأن أحدًا صفعها بقوة. استفاقت فجأة. وهمست دون وعي
أمي...
ومع تسارع ضربات قلبها بدأ الدم يتدفق بغزارة أكبر من جرحها. وضعت يدها فوقه بسرعة محاولة إيقاف النزيف.
إيرونا: - ما الغباء الذي ارتكبته؟!
قالتها لنفسها بذعر بعدما استعادت وعيها الكامل. بدأت كل ذكرياتها مع والدتها تمر أمام عينيها كالشريط. كم ضحت من أجلها. كم تعبت. كم تحملت.
ثم تذكرت صورتها وهي تبكي بحرقة، محتضنة جسد زوجها الراحل. وفي تلك اللحظة لم يكن في عقلها سوى فكرة واحدة.
" لن أكون سبب جرح آخر في قلبها لن يلتئم. " " أقسم أنني سأداوي جرحها."
أخذت تضغط على الجرح بقوة، وتحاول البحث عن أي شيء يمكنها استخدامه لربطه، فقط لتكسب بعض الوقت حتى تصل إلى المستشفى أو تتصل بالإسعاف. لكن ما أوقفها فجأة كان شعور بحرارة خفيفة في الكف التي تضغط بها على معصمها النازف.
لم تكن حرارة الدم. أعادت نظرها بسرعة. لتجد وهجًا أصفر خافتًا ينبعث من يدها. اتسعت عيناها بفزع، ورفعت يدها فورًا بعيداً عن الجرح وهي تشعر بأنفاسها تتسارع بجنون.
كانت يدها الملطخة بدمائها تتوهج بهدوء. ثم نظرت إلى الجرح في معصمها... لتراه يلتئم أمام عينيها. ببطء. حتى اختفى تمامًا. وكأنه لم يكن موجودًا من الأساس.
تجمدت في مكانها. تنظر إلى معصمها. ثم إلى يدها المتوهجة. ثم إلى معصمها مرة أخرى. غير قادرة على استيعاب ما حدث. خائفة. مصدومة. وغير مصدقة لما تراه عيناها.
نظرت لها "إيلاف" بنظرات امتزج فيها الانبهار بقوتها، مع أسى لما مرت به، وفي الوقت نفسه شعرت بشيء من الفخر بها لأنها لم تستسلم. ثم قالت بصوت يملؤه الفضول
إيلاف: - وكيف تم احضارك الي هنا؟
هزت "إيرونا" كتفيها وكأنها غير مهتمة، ثم قالت مازحة بلمحة من السخرية
إيرونا: - اتذكر انه لم يتم اختطافي ولم اكن عنيدة ارفض الاستماع للجميع والقي بمن حولي هنا وهناك
أدارت "إيلاف" عينيها وهي تهز رأسها بخفة، غير مصدقة أنها تسخر منها في وقت كهذا، لكنها في الوقت نفسه فهمت أن هذه طريقة "إيرونا" المعتادة في تقليل التوتر.
إيلاف: - نعم نعم نقطة جيدة
ضحكت "إيرونا" بخفة ثم أكملت
إيرونا: - ظهر رييس بعد عدة أشهر من اكتشافي لقوتي، وعقد معي صفقة وهي أن يوفروا حياة جديدة لامي مقابل أن أسخر قوتي لهم
رفعت "إيلاف" حاجبها بتعجب عند سماع ذلك الاسم
إيلاف: - رييس؟
أومأت "إيرونا" واكملت وهي تغمز لها مداعبة:
إيرونا: - الرجل ذو البدلة السوداء الذي كان متقمص دور شخصية سنمائية
اتسعت عينا "إيلاف" بصدمة، وقالت بلا وعي وبنبرة غضب
إيلاف: - ذلك الرجل الـ... اقسم انني اريد صفعة
ضحكت "إيرونا" بسبب رد فعلها، وحاولت تهدئتها قائلة
إيرونا: - حسنا اخبرتك قصتي والان دورك
نظرت لها "إيلاف" وهي تعلم أنه لا مفر من هذا. أشاحت بنظرها بعيدًا، ثم عضت شفتها السفلى بخفة وكأنها تحاول جمع شتات أفكارها. أخذت نفسًا عميقًا.
وبعد لحظات أعادت نظرها إلى "إيرونا" لكن نظراتها هذه المرة لم تكن كما كانت قبل قليل. اختفى الفضول وحل محله اضطراب واضح وتردد لم تستطع إخفاءه، وقالت بصوت شبه هامس
إيلاف: - حسنا ساخبركي قصتي