أثرُ السَّماءِ الأُولَى

الفصل 5: كابوس اليقظه

✦✧ـــــــــــــــــــــــ✧✦ P . 5 ✦✧ــــــــــــــــــــــــــ✧✦

شقَّ هدوءَ الليل اقتحامُ "أنس" غرفةَ أخته الكبرى، مما جعلها تنتفض فجأة وهي جالسة على سريرها، ليسقط الهاتف من بين يديها. ظلَّ هو واقفًا عند الباب الذي فتحه للتو، وكأنه شرطي يقتحم مقرَّ عصابة خطيرة. كان وجهه خاليًا من أي تعبير، ممسكًا بمقبض الباب في صمتٍ تام، حتى بدا أشبه بروبوت تعطلت أوامره في منتصف الحركة.

نظرت إليه "إيلاف" بوجهٍ مصدوم لعدة ثوانٍ، قبل أن تقول أخيرًا بصوت هادئ خالٍ من الانزعاج، بل يخفي خلفه سعادةً دافئة تتسلل إلى أعماقها كلما رأت ذلك المشاغب الذي لا يعرف شيئًا عن احترام الخصوصية:

إيلاف: - إنت ملبوس ولا إيه؟ واقف كده ليه؟

التقطت هاتفها من فوق السرير، بينما تحرك أخوها أخيرًا وخرج من تلك الوضعية الغريبة التي يتخذها كلما اقتحم غرفتها. اقترب من السرير وألقى بنفسه بجوارها، بينما كانت هي قد عادت لتركيزها الكامل على شاشة هاتفها، وكأنها تخوض محادثة مصيرية مع شخص ما.

أحاط وجهه بكلتا ذراعيه وقال بتذمرٍ مبالغ فيه:

أنس: - زهقااان... وجعااان...

ردت "إيلاف" بهدوء، وهي لا تزال تمرر أصابعها فوق الشاشة

إيلاف: - عايز تاكل إيه؟

أبعد يدية من على وجهه، ثم أخذ يتأمل وجهها بتمعن، ملاحظًا مدى اندماجها مع ما تشاهده. وفي لحظةٍ خاطفة خطف الهاتف من بين يديها ونظر إلى شاشته. لم يكن الأمر بدافع الشك، بل بدافع الفضول والتطفل المعتاد.

تجمدت "إيلاف" لثانية، ثم أطلقت تنهيدة مستسلمة وهي تراقبه. كان يحدق في الشاشة وفمه مفتوح قليلًا، بينما يضيق عينيه وكأنه يحاول فكَّ شفرة سرية معقدة.

وبعد عدة ثوانٍ أعاد الهاتف إليها قائلًا باستنكار:

أنس: - نفسي أعرف إنتِ بتحبي إيه في البتاع الصيني اللي منزلاه على موبايلك ده! وبعدين إنتِ أصلًا بتفهمي كلامهم إزاي؟

أخذت الهاتف منه ووضعته جانبًا. كانت تعلم جيدًا أنه لم يفهم شيئًا مما رآه، بل على الأغلب لم يستطع حتى تحديد إن كان الذي يظهر على الشاشة محادثة مع فتى أم فتاة.

ثم نظرت إليه وهي تعبث بخصلات شعره قائلة:

إيلاف: - يعني عايز تاكل إيه برضه؟

ابتسم "أنس" بحماسٍ فوري وكأنه كان ينتظر السؤال

أنس: - ما تعملي بيتزا!

اتسعت ابتسامتها وهي تنظر إليه بحنان، واستمرت في مداعبة شعره قبل أن تقول بمكر

إيلاف: - نجرب باللحمة المرة دي؟

تبدلت ملامحه في لحظة إلى تعبير تقززٍ درامي مبالغ فيه، كطفلٍ أُخبر بأنه سيتناول الدواء بدل الحلوى. أبعد يدها عن شعره وجلس باستقامة وهو يعترض

أنس: - يععع! قُلتلك مباكلش لحمة!

رغم أنها كانت تتوقع كلماته، إلا أنها أمسكت بشعره وسحبته إلى الأسفل، مما جعل جسده يميل قليلًا وهو يطلق صرخة متألمة، ثم أمسك بيدها محاولًا إبعادها.

إيلاف: - قلتلك نعمة ربنا مش بنقول عليها "يع".

أنس: - خلاص خلاص!

قال متألمًا وهو يضحك ويحاول تحرير نفسه، حتى تركته أخيرًا، فجلس معتدلًا من جديد وهو يفرك رأسه بيد ويمسك كلتا يديها بيد

عمَّ الصمت لثوانٍ، بينما كان ينظر إليها بنظرة ماكرة وهو يمسك بكلتا يديها. وفي لحظة غدرٍ خالصة، أفلت إحدى يديها وصفعها صفعة خفيفة على خدها، ثم فرَّ هاربًا بأقصى سرعة. اتسعت عينا "إيلاف" بذهول لثوانٍ، قبل أن تقفز من فوق السرير وتندفع خلفه لتأخذ بثأرها.

كان يركض في أرجاء المنزل وهو يضحك بصوت مرتفع، بينما تطارده هي مهددة ومتوعدة، حتى وصلا إلى صالة البيت. أمسكت به أخيرًا، لكن رغم أنها الأكبر سنًا، كان أطول منها وأكثر قوة. تشابكا في عراكهما المعتاد؛ هي تشد شعره وتحاول إسقاطه أرضًا، وهو يقاومها ويضحك، حتى سقطا معًا على الأرض.

كانت "إيلاف" ملقاة على ظهرها ممسكة بشعره بكلتا يديها، بينما كان هو يحاول النهوض مستندًا على ركبة واحدة، وذراعه الأخرى تطوق رقبتها. وكلاهما يرفض أن يترك الآخر أولًا. لكن ذلك القتال انتهى فور اقتحام زوجة أبيهما للمشهد.

أمل: - إنتوا بتعملوا إيه؟! يا جزمة منك ليها! الساعة اتنين بالليل!

أفلت كلاهما الآخر فورًا وهما يضحكان. وقالت "إيلاف"، بينما كان "أنس" يمسك بيدها ليساعدها على الوقوف:

إيلاف: - هو اللي جر شكلي الأول.

نظر "أنس" إلى "أمل" بعيني جروٍ صغير يحاول استدرار الشفقة.

أنس: - يرضيكي يا خالتو أمل أنام وأنا جعان؟

نظرت إليه "أمل" بصدمة مصطنعة قبل أن تقول مازحة وهي تحاول كتم ضحكتها:

أمل: - بسم الله الرحمن الرحيم... مش إنت كلت مع أبوك من ساعتين قبل ما تروح تنام؟ دا ناقص تاكلني

قاطعهم صوت تثاؤبٍ مرتفع للغاية. ولم يحتاج أحد وقتًا طويلًا ليعرف صاحبه. خرج والدهما من غرفته وهو يتمطى ويمد ذراعيه قائلًا:

خالد: - طب سخنوا باقي الأكل عشان ناكل.

التفتت إليه زوجته بصدمة.

أمل: - مش إنت كنت نايم يا راجل إنت؟!

ردَّ عليها خالد متقمصًا البراءة

خالد: - ما أنا صحيت من الجوع.

ضربت يدها فوق قلبها وكأنها تلقت صدمة جديدة. وفي تلك الأثناء ركض "أنس" وقفز على الأريكة بجوار والده الذي بدأ بالفعل في تشغيل التلفاز.

أنس: - يلا، هاكل أنا وبابا. أمل: - إنت هتشلني إنت وأبوك!

قالتها بنبرة مستسلمة يختلط فيها الغضب بالمزاح. اقتربت "إيلاف" منها وربتت على كتفها مداعبة:

إيلاف: - بقولك إيه، تعالي بس معايا بدل ما يجرالك حاجة. واستهدي بالله... إنتِ حلوة، إنتِ حلوة، متعيطيش.

قالتها وهي تكتم ضحكاتها بصعوبة. رمقتها "أمل" بنظرة تهديد خالية من أي هيبة حقيقية، قبل أن تستسلم وتسحبها معها نحو المطبخ.

دخلتا معًا وبدأتا في تحضير البيتزا، بينما كانت الأحاديث الخفيفة تتخلل العمل بين الحين والآخر. كانت "إيلاف" تحضر الصلصة، لكن عقلها لم يكن حاضرًا بالكامل. كانت شاردة الذهن، تدور في رأسها فكرة تثقل قلبها، شيء تخشى البوح به... أو ربما لا تعرف كيف تبدأ الحديث عنه أصلًا. وبعد لحظات من التردد، استجمعت شجاعتها أخيرًا. رفعت عينيها نحو زوجة أبيها التي كانت منشغلة بتجهيز العجين، ثم قالت بترددٍ خافت

إيلاف: - ماما، بقولك... كان في حاجة كده دايمًا بفكر فيها.

قالت زوجة أبيها وهي لا تزال تمنح كامل تركيزها للعجينة التي بين يديها

أمل: - سمعاكي.

اقتربت "إيلاف" بهدوء ووقفت بجانبها، ثم استندت بظهرها إلى الطاولة خلفها وهي تراقب العجينة التي تعدها "أمل".

إيلاف: - هو لو في يوم حد من جنسية تانية اتقدملي... بابا هيكون عنده مشكلة مع ده؟

رمقتها "أمل" بنظرة جانبية، وزحفت ابتسامة خفيفة إلى زاوية شفتيها قبل أن تعيد انتباهها إلى ما تفعله.

أمل: - وليه يبقى عنده مشكلة؟ بس مش لما نعرف الأول جنسيته إيه؟ وقبل كل ده... مسلم ولا لأ؟

ابتسمت "إيلاف"، ثم ارتكزت على ذراعيها ورفعت نفسها لتجلس فوق الطاولة خلفها قبل أن تأخذ نفسًا عميقًا.

إيلاف: - من ناحية مسلم، فامفيش قلق. هو مسلم ومن عيلة مسلمة. بس بالنسبة للجنسية... فدي اللي بعيدة شوية.

ردت "أمل" وهي تفرد العجينة وتبدأ في إضافة المكونات:

أمل: - أيوة يعني منين برضه؟

نظرت "إيلاف" بعيدًا وقالت بعد تردد قصير

إيلاف: - الصين.

ضحكت "أمل" بخفة وهي تضع البيتزا داخل الفرن، وكأن ما سمعته لم يكن أمرًا صادمًا كما توقعت "إيلاف".

أمل: - الصين مرة واحدة؟! طب وده هيعرف يتكلم مع أبوكي إزاي بقى؟

هزت "إيلاف" كتفيها بمعنى أنها لا تملك إجابة واضحة، ثم التقطت بعض جبن الموتزاريلا من طبق قريب وأخذت تأكلها.

إيلاف: - العربي بتاعه ضعيف شوية... بس وعدني إنه هيتعلم.

سحبت "أمل" أحد الكراسي وجلست عليه بهدوء، ثم رفعت نظرها نحو "إيلاف" وركزت عليها بالكامل.

أمل: - طيب نتكلم جد شوية.

سكتت لثوانٍ قبل أن تكمل:

أمل: - مبدئيًا أنا معنديش مانع، طالما إنتِ مرتاحة وعايزة ده. وهتكلم مع بابا وأمهدله الموضوع. لكن الأول عايزة أفهم... إنتوا تعرفوا بعض من إمتى؟ وإزاي أصلًا؟

ارتبكت "إيلاف" قليلًا، لكنها كانت تعلم أن من حق "أمل" أن تعرف الحقيقة كاملة، حتى لو انتهى الأمر بمحاضرة طويلة لأنها لم تخبرها في وقت أبكر.

أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت بعد ان رتبت افكارها

إيلاف: - أول مرة اتكلمنا كانت تقريبًا من سنتين وكام شهر. وقتها كنت عايزة أتعلم لغة جديدة، وهو كان بيتعلم عربي. فبقينا نعلم بعض اللغة وبس.

ابتسمت بخفة وهي تسترجع الذكريات قبل أن تكمل:

إيلاف: - وبعد فترة الموضوع بقى صداقة وبعدين حسينا إن في إعجاب متبادل، بس محدش فينا اتكلم. كنا حاطين حدود واضحة إن الموضوع كله لغة وتعليم وبس.

انخفض صوتها قليلًا وهي تتابع:

إيلاف: - بس بعد كام شهر اعترفلي إنه بيحبني وعايز يتقدملي. لكن قال إنه لسه متخرج جديد وعايز يكوّن نفسه الأول، وإنه محتاج حوالي سنة.

سكتت للحظة قبل أن تضيف بصراحة:

إيلاف: - وأنا معترفة إن اللي حصل كان غلط... وحرام قبل أي حاجة. بس الحقيقة إني كنت اتعلقت بيه جدًا. حبيته حتى وإحنا عمرنا ما شوفنا بعض وش لوش.

كانت "أمل" تستمع بصمت كامل بينما اكملت الأخرى

إيلاف: - فضلنا فترة بنتكلم، وبعدها اتناقشنا مع بعض واعترفنا إن اللي بنعمله حرام وغلط حتى لو في حدود واحترام في كلامنا. فاتفقنا نقطع أي تواصل بينا لحد ما يبقى فيه خطوة رسمية.

ابتسمت ابتسامة صغيرة امتزج فيها الأمل بالخوف وهي تنظر للأرض.

إيلاف: - ومن يومها وأنا مستنياه، وهو بيجهز نفسه. والمفروض إن المدة دي كانت في حدود سنة.

ثم نظرت إلى "أمل" واكملت

إيلاف: - وأمبارح... بعتلي إنه جاهز، وإنه عايز ييجي مصر.

ظلت "أمل" صامتة لعدة ثوانٍ وهي تستوعب كل ما سمعته. ثم هزت رأسها ببطء بتفهم وقالت اخيراً

أمل: - مش هعاتبك لوحدك، لأني شايفة إنك عارفة غلطك ومش فخورة بيه أصلًا.

ارتسمت ابتسامة مطمئنه على وجهها وهي تكمل

أمل: - لكن هستنى لما الاستاذ ده يشرفنا هنا... وساعتها اهزقكوا إنتوا الاتنين سوا.

قالت مداعبةً محاولةً تخفيف التوتر الذي خيّم على الأجواء، ومنحها مساحة أكبر للكلام براحة. ابتسمت "إيلاف" وهي تشعر بثقلٍ كبير ينزاح عن صدرها. لم تكن تخشى العقاب بقدر ما كانت تخشى خيبة الأمل، ورغم أنها تعلم أنها أخطأت، إلا أن تفهُّم "أمل" جعل الأمر أسهل بكثير.

إيلاف: - من حقك، ومش هقول غير كده. يستي، هزقينا براحتك.

ضحكت "أمل" بخفة وهي تنهض متجهة نحو الفرن، تلقي نظرة سريعة على البيتزا قبل أن تعدّل درجة الحرارة.

أمل: - هحاول أفتح الموضوع مع أبوكي، عشان على الأقل يبقى عنده فكرة.

ثم استدارت نحوها، واقتربت منها وهي تعبث بشعرها وتضع خلصة خلف اذنها.

أمل: - يعني خلاص... كبرتي وهتسيبينا وتمشي.

ارتسمت ابتسامة دافئة على وجه "إيلاف"، وشعرت بقلبها يمتلئ حبًا لتلك المرأة التي لم تكن أمها بالدم، لكنها كانت أمًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

إيلاف: - إنتِ بالذات ليكي أوضة مخصوص، سواء فضلت في مصر أو سافرت برّه. هو أنا أقدر أستغنى عنك أصلًا؟

قالتها وهي تعانقها بقوة، بينما أحاطتها "أمل" بذراعيها وقبّلت أعلى رأسها بحنان.

4:45AM

كانت "إيلاف" جالسة على سريرها تتصفح هاتفها، بينما يدور عقلها في دوامة لا تهدأ. الأيام القادمة بدت وكأنها تقف على أعتاب تغييرٍ هائل في حياتها. مزيج غريب من السعادة والرهبة كان يعبث بقلبها. أغلقت الهاتف أخيرًا ووضعته بجانبها، ثم أغمضت عينيها استعدادًا للنوم...

لكنها فتحتها فورًا على صوت شيءٍ ارتطم بالأرض بعنف.

اعتدلت في جلستها بسرعة. اتجهت نظراتها نحو باب غرفتها، حيث كان خيطٌ باهت من الضوء يتسلل من أسفله، بينما ظهرت ظلال كبيرة تتحرك ذهابًا وإيابًا خلفه. في البداية ظنت أن "أنس" يحاول العبث معها كعادته.

لكن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا. شيئًا ما جعل القلق يتسلل إلى قلبها ببطء.

أبعدت الغطاء عنها ونهضت بهدوء، ثم اقتربت من الباب وألصقت أذنها به. وصلها صوت مكتوم...

كأن أحدهم يحاول الصراخ.

ثم...

صمت...

صمتٌ ثقيل ومخيف. شعرت ببرودة تسري في أطرافها، بينما تسارعت نبضات قلبها. ابتعدت خطوة للخلف، ثم أمسكت مقبض الباب بتردد وفتحته ببطء.

كان المنزل غارقًا في الظلام فجأة الأضواء مطفأة كلها!!

رغم أنها كانت متأكدة تمامًا أنها كانت مضاءة قبل دقايقه فقط. تحركت بخطوات سريعة نحو غرفة "أنس"، لتتجمد في مكانها عندما وجدت الباب مواربًا. وهذا وحده كان كافيًا لإثارة الرعب بداخلها. انس لا يترك الباب مفتوح ولا يطفئ النور أبداً دفعت الباب ببطء ودخلت.

الفوضى.

كانت أول ما وقع عليه بصرها. لم تكن فوضى طبيعية التي يحدثها أنس كانت الأشياء متناثرة في أنحاء الغرفة وكأن شجارًا قد حدث هناك.

استدارت فورًا وخرجت مسرعة دون أن تفكر حتى في أن الساعة تقترب من الخامسة فجراً وهي تصرخ.

إيلاف: - أنس؟! ... أنس!

لكن قبل أن تكمل... التفت ذراعٌ ضخم حول جسدها من الخلف. وفي اللحظة نفسها انطبقت يد خشنة على فمها. اتسعت عيناها بفزع.

بدأت تقاوم بكل ما تملك. تصرخ. تضرب. تحاول الإفلات. لكن صرخاتها كانت مكتومة تحت تلك اليد، وحركتها شبه مشلولة بين ذراعي ذلك الرجل.

ثم رأت المشهد الذي جعل الدم يتجمد في عروقها.

رجلٌ يحمل "أنس" فوق كتفه. فاقدًا للوعي. كأنه لا يزن شيئًا. بمجرد أن وقع بصرها عليه، تضاعفت مقاومتها بعنف. بدأت تتلوى وتحاول الإفلات بجنون، بينما ارتفعت صرخاتها المكتومة أكثر. تحرك الرجل حاملًا "أنس" نحو الباب الرئيسي بخطوات ثابتة. وفي خضم الفوضى...

فُتح باب غرفة والديها. خرج "خالد" بعدما أيقظته الضوضاء. وخلال ثوانٍ... انقلب المشهد بالكامل.

اندفع "خالد" نحو الرجال دون تردد، غير مبالٍ بعددهم أو قوتهم. كل ما رآه كان أبناءه.

وبسبب ارتفاع الصياح خرجت امل بذعر وهي تركض من الغرفة لتصدم هي الاخرى بالمشهد

زوجها في قتال حاد مع رجلين ضعف حجمة

ايلاف يقيدها احدهم

وانس فاقد للوعي فوق كتف اخر

فأخرجت هاتفها بيدين مرتجفتين محاولة الاتصال بالشرطة. لكن أحد الرجال كان أسرع.

صفع الهاتف من يدها فسقط أرضًا، ثم أمسك بذراعيها بعنف وشدّهما خلف ظهرها قبل أن يكمم فمها بيده. حاولت الصراخ. لكن دون جدوى. في الجهة الأخرى، أحاط رجلان بـ"خالد". قاوم بشراسة. لكم. دفع. حاول الوصول إلى ابنه الذي يُحمل خارجاً بأي ثمن. لكن العدد والقوة كانا أكبر منه.

وبعد لحظات، كان واقفًا بصعوبة، يلهث بعنف، بينما غطّت الكدمات وجهه حتى كادت تمحو بعض ملامحه. شعرت "إيلاف" أن قلبها على وشك التوقف. والدها بالكاد يستطيع الوقوف وملامح وجهه شبة اختفت اسفل كل تلك الكدمات والجروح. "أمل" أسيرة بين يدي أحدهم. و"أنس" فاقد للوعي فوق كتف رجلٍ غريب. أما هي... فلم تستطع فعل أي شيء سوى مشاهدة أسرتها تنهار أمام عينيها على يد أولئك الأوغاد.

دار جدال بين هؤلاء الرجال

1: - هنعمل إيه دلوقتي؟ كلهم شافوا اللي حصل... وشافوا وشوشنا كلنا! 2: - قلتلكوا يا أغبيا نجيب ماسكات. 1: - ما كانتش هتفرق كتير. الست اللي بعتتنا قالت نخلص عليهم لو ده حصل. 3: - طب والبنت؟ هي طلبت الولد بس. 2: - خلصوا عليها هي كمان.

انتهى الرجل من كلماته، فأخرج الرجال الخمسة خناجر قصيرة من بين ملابسهم.

في تلك اللحظة أدركت "إيلاف" ما ينوون فعله. اتسعت عيناها بفزع وهي تحاول الإفلات من قبضة الرجل الذي يقيدها.

إيلاف: - لا... لا!

لكن صوتها كان مكتومًا تحت يد الرجل. حاول "خالد" الاندفاع نحو أسرته مجددًا رغم الرجلين اللذين يقيدان حركته.

خالد: - سيبو عيالي ومراتي! اقتلوني انا بس محدش يقرب منهم!!

صاح بغضب وهو يقاوم بكل ما يملك. لكن أحد الرجال أمسكه بقوة، بينما تقدم الآخر نحوه دون تردد وفي لحظة

شق رقبته بالخنجر

توقف "خالد" عن المقاومة. اتسعت عيناه بصدمة، ثم ترنح جسده قليلًا قبل أن ينهار على ركبتيه. حاول أن يرفع رأسه نحو ابنته وهو يضع كلتا يدية على رقبته المنحورة. وكأنه يريد الاطمئنان عليها للمرة الأخيرة.

ثم سقط أرضًا بلا حراك.

شعرت "إيلاف" أن قلبها توقف.

لا... لا يمكن... ليس والدها... ليس هو....

لكن الكابوس لم ينتهِ. استدارت بعينيها المرتجفتين نحو "أمل".

كانت تحاول الإفلات من الرجل الذي يقيدها، تصرخ وتبكي وهي تنظر إلى زوجها الساقط أرضًا.

أمل: - خالد!

لكن صرختها انقطعت فجأة بسبب عدة طعنات متتالية والاخيرة استقرت في قلبها ترنح جسدها بين ذراعي الرجل الذي كان يمسكها. وسقطت بعد لحظات على بعد خطوات من زوجها.

تجمدت "إيلاف" في مكانها. لم تعد تسمع شيئًا. لم تعد ترى الرجال. ولا المنزل. ولا حتى نفسها.

فقط الجسدين الممددين أمامها. والدها. وأمها.

انفجرت دموعها وهي تحاول الصراخ، لكن الصدمة كانت أكبر من أن تسمح لها حتى بإخراج صوت.

أما الرجل الذي كان يقيدها، فتردد وهو ينظر إليها. بدا وكأنه لا يريد تنفيذ الأمر. وبدلًا من ذلك، بجرحها بالخنجر في كتفها ثم ضربها بقوة على رأسها

اهتزت رؤيتها بعنف قبل أن تسقط أرضًا. بعدها تركها الرجل ولحق ببقية زملائه.

لم تفقد "إيلاف" وعيها فورًا. كانت أنفاسها متقطعة. ورؤيتها ضبابية.

رفعت رأسها بصعوبة لتشاهد الرجال وهم يغادرون حاملين "أنس" فوق كتف أحدهم. كان فاقدًا للوعي تمامًا. ومع اختفائهم خلف الباب، حاولت النهوض ولكن الألم الحاد الذي اجتاح كتفها والدماء التي تفقدها اعاقاها عن التحرك

حاولت الزحف على الأرض نحو والديها بيأس. كانت دموعها تسقط بلا توقف. وصلت إلى "خالد" أولًا لترى الدماء لاتزال تنهمر بغزارة من رقبته. وضعت يدها على كتفه وهزته وكأنها ترفض تصديق ما تراه

إيلاف: - بابا...

لم يرد.

هزته مرة أخرى بكل ما تملكه من قوة.

- بابا... قوم.

ارتجف صوتها وشعرت بغصة تمزق حلقها

- بالله عليك قوم.

لكن الصمت كان جوابه الوحيد. التفتت لـ"أمل" أمسكت بيديها الباردتين وتتعالى اصوات شهقاتها

- ماما أمل...

وضعت رأسها على كتفها غير مبالية بالدم الذي لطخ خدها

- افتحي عينيكي... عشان خاطري... متسيبونيش لوحدي...

وضعت يدها على صدرها في محاولة يائسة وكأنها تستطيع ايقاف النزيف لكن الحقيقة كانت أقسى من أن تُنكر. رفعت كفيها المرتجفتين وهي تبعد رأسها عنها كانت الدماء تغطيهما.

دماء أقرب الناس إليها.

دماء من كانوا قبل اقل من ساعة فقط يضحكون ويأكلون معها.

خرجت من أعماقها صرخة ممزقة.

وفجأة...

توقف كل شيء. اختفت الأصوات. اختفت الحركة. حتى الزمن نفسه بدا وكأنه تجمد. شعرت بحرارة حارقة تنتشر في كفيها. نظرت إليهما بذهول وذعر.

كانت الدماء تتوهج بلون قرمزي غريب.

ثم بدأ المشهد من حولها يتلاشى.

الجثث... الدماء.. واحدًا تلو الآخر. حتى اختفى كل شيء.

وبعدها...

عاد كل شيء من جديد. أصوات الرجال. حديثهم. وقوفهم أمام أسرتها. لحظة بلحظة. وكأن الزمن عاد للخلف.

وكأنها أُجبرت على مشاهدة الكابوس مرة أخرى.

هذه المرة لم تتحرك عندما شعرت بالسكين يخترق كتفها ثم تلقطيها الضربة على رأسها وسقطت وهي تنزف

لم تعد تملك القوة لذلك. كانت تراقب فقط. تشاهد المأساة تتكرر أمام عينيها. إلى أن أثقل الظلام جفونها. وكان آخر ما رأته قبل أن تفقد وعيها... الجثث وبركة الدماء ثم... الدماء ظهرت فوق كفيها رغم انها لم تقترب وبم تلمسهم

نظرت "إيرونا" إليها بصدمة خالصة مما سمعته، فلم تكن تتوقع أن تسمع كل هذا، أو أن تكون القصة بهذه الفظاعة.

انتهت "إيلاف" أخيرًا من حديثها، بينما بقيت نظراتها معلقة على العشب الذي بالكاد يمكن تمييزه تحت ضوء القمر الخافت.

إيرونا: كان هذا... بشع...انا اسفه لانك مررتي بكل هذا

التزمت "إيلاف" الصمت واكتفت باخذ نفس عميق واخراجة بهدوء وهي تحاول تمالك اعصابها بعد تذكر كل هذا

ولكن بالمسبة ل"إيرونا" فكانت تعيد ترتيب كل كلمة سمعتها داخل رأسها، حتى اتسعت عيناها فجأة وكأنها ربطت الخيوط ببعضها أخيرًا، وقالت بلهفة دون تفكير

إيرونا: - لونغ... هو الشاب الصيني الذي تعرفتي عليه وكان يريد الزواج منكِ؟!

ارتسمت على شفتي "إيلاف" ابتسامة باهتة تحمل ألمًا قديمًا لم يلتئم بعد، و أومأت مؤكدة.

ظلت "إيرونا" للحظات غير قادرة على استيعاب ما اكتشفته للتو.

كانت تعلم أن التوتر الذي ظهر بينهما سابقًا لحظة لقائهما يخفي سرًا ما، لكنها لم تتخيل أبدًا أن يكون بهذا الحجم.

أعادت تركيزها نحو "إيلاف" التي كانت ما تزال تحدق في الأرض بصمت.

إيرونا: - وماذا حدث بعد ذلك؟... ما الذي أوصلكما إلى هذه النقطة؟

ساد الصمت للحظات.

بدت "إيلاف" وكأنها ضائعة داخل ذكرى لطالما حاولت دفنها، ثم تحدثت أخيرًا بصوت مرتجف وكأن الكلمات تخدش حلقها وهي تخرج

إيلاف: - بعد الحادث... لم أكن متزنة نفسيًا. انعزلت عن الجميع تمامًا، وفقدت إحساسي بالعالم من حولي. لم أرد على اتصالاته أو رسائله، لأنني فقدت هاتفي لفترة...

توقفت فجأة.

اختنقت الكلمات في حلقها.

شعرت أن كل حرف تحاول نطقه يتحول إلى سكين يغرس نفسه في حلقها.

سقطت دمعة، ثم تبعتها أخرى، فأدارت وجهها بعيدًا عاجزة عن منع دموعها.

شعرت "إيرونا" بأسى عميق تجاهها.

فلم تكن تتوقع أن تلك الفتاة صاحبة اللسان الحاد، سريعة الغضب وسريعة الضحك أيضًا، قد مرت بكل هذا الألم... ثم استطاعت الوقوف من جديد بعده.

وضعت "إيرونا" يدها على كتف "إيلاف"، ثم سحبتها برفق إلى حضنها وهي تربت على ظهرها.

وللمرة الأولى منذ أن بدأت الحديث، لم تقاوم "إيلاف".

تركت نفسها تنهار.

تركت الدموع والشهقات تحمل عنها جزءًا من ذلك الثقل الذي ظل حبيسًا داخل قلبها لأكثر من عام

وبين شهقاتها المتقطعة أكملت:

إيلاف: - بعد أن استعدت هاتفي ورأيت رسائله... كان يظن أنني تخليت عنه.

ارتجف صوتها أكثر.

- قال إنني شخص خائن وأناني لا يستحق الحب... وإنني أكبر خطأ ارتكبه في حياته... ثم... حظرني من كل مكان.

ارتفع صوت بكائها أكثر، بينما شدّت "إيرونا" ذراعيها حولها اكثر.

- أقسم أنني لم أتخلَّ عنه... لكنه هو من أفلت يدي دون أن يلتفت للخلف ولو لثانية واحدة، أو يحاول معرفة سبب اختفائي.

شهقت بقوة وهي تكمل

- أقسم أنني أحببته ومازلت كذالك... ولم أنساه يومًا. رغم انقطاع كل الطرق بيننا، ورغم استحالة لقائنا أو حتى حديثنا مرة أخرى... حتى هو ايضا خسرته بعد ان ظننت انهُ...انهُ سيكون من يعيد لي نفسي

اشتدت يدا "إيرونا" حولها وهي تشعر بثقل الكلمات التي تخرج من قلب مجروح يحمل كل هذا الألم.

إيرونا: - لا بأس... لا بأس... لستِ وحدك

ثم أضافت بصوت أكثر هدوءًا:

- لم يكن ذلك ذنبكِ.

مرّت قرابة ساعة حتى هدأت "إيلاف" أخيرًا.

كانت "إيرونا" تحكي لها مواقف عشوائية من حياتها السابقة، محاولة تخفيف الأجواء وإخراجها من دوامة الذكريات المؤلمة.

حتى قاطعهما صوت ذكوري هادئ.

التفتتا معًا نحو مصدره. رفعت "إيلاف" رأسها لتنظر إلى الشاب الواقف أمامهما.

كان يرتدي ملابس بسيطة أقرب إلى شخص يجلس في منزله؛ بنطالًا أسود فضفاضًا وقميصًا أسود قصير الأكمام، بينما كان شعره الفوضوي مربوطًا للخلف قليلًا، وإحدى يديه مستقرة داخل جيبه.

شادو: - أنتما، لدينا اجتماع مهم. يجب أن تحضراه.

أومأت "إيرونا" وهي تنهض من مكانها، ثم مدت يدها نحو "إيلاف" لتساعدها على الوقوف.

لكن "إيلاف" لم تتحرك فورًا.

كانت تنظر إلى الشاب بريبة واضحة، فبالنسبة لها كانت تلك أول مرة تراه فيها.

دون أن تعلم...

أن هذا هو الشخص نفسه الذي خدرها في ذلك اليوم.

وهو الآخر كان ينظر إليها ببرود تام. رفع حاجبه باستغراب طفيف عندما لاحظ نظراتها المعلقة عليه، لكنه لم يبدِ أي اهتمام حقيقي بالأمر، واكتفى بالاستدارة ومغادرة المكان، تاركًا الفتاتين خلفه.

أمسكت "إيلاف" بيد "إيرونا" الممدودة لها وهمست وهي تسير بجانبها

- من ذلك الشخص؟

أجابتها "إيرونا" بنفس نبرة الهمس:

- هذا شادو... اليد اليمنى للرئيس.

قالت "إيلاف" دون تفكير:

- لا أشعر بالارتياح تجاه ذلك الفتى.

ابتسمت "إيرونا" بخفة بسبب صراحتها المعتادة، ثم همست قبل أن تدخلا عبر البوابة:

- سأحكي لكِ قصته لاحقًا.

دخل "شادو" أولًا، بينما تبعته الفتاتان في صمت.

وبمجرد أن عبرت "إيلاف" البوابة، أغلقتها خلفها، ثم رفعت رأسها تتأمل المكان حولها.

كانت القاعة واسعة بصورة مهيبة، تتدلى فيها ثلاث شاشات عملاقة، بينما كشفت الإضاءة القوية كل تفصيلة فيها بوضوح.

أما الجدران والأرضية، فبدت وكأنها نُحتت مباشرة داخل جبل هائل، إذ كانت معظم أجزاء القاعة مكونة من صخور داكنة منحوتة بعناية.

وبينما كانت عيناها تتجولان في المكان، لمحته.

كان "ستون" يقف بعيدًا، عاقدًا ذراعيه أمام صدره ومتكيئًا على أحد الجدران بصمته المعتاد.

انتقلت نظراتها عنه سريعًا.

ثم تجمدت للحظة.

سقطت عيناها على "لونغ".

كان واقفًا في الجهة المقابلة، واضعًا يديه داخل جيبيه، ونظراته مثبتة أمامه وكأنه ينتظر بداية الاجتماع.

لكن يبدو أنه شعر بنظراتها.

التفت نحوها مباشرة.

ارتبكت "إيلاف" فورًا وأبعدت عينيها بسرعة، وكأنها ارتكبت خطأ ما.

أما "لونغ"، فقد ظل ينظر إليها لثوانٍ قليلة.

شردت عيناه في ملامحها التي طالما تأملها عبر الصور.

الملامح نفسها... لكنها بدت مختلفة الآن. أرهقها الحزن.

لاحظ الانتفاخ الخفيف حول جفنيها، والاحمرار الواضح في عينيها وأدرك فورًا أنها كانت تبكي.

للحظة شعر بقلبه يخونه وتتسارع دقاته رغم كل شيء... لايزال متيم بها

لكن سرعان ما أبعد نظره عنها، وعاد يحدق أمامه بوجه خالٍ من أي تعبير، على عكس ضربات قلبة التي كانت كالطبول

على الجانب الآخر، كانت "إيلاف" تحاول استعادة هدوئها بصعوبة.

كانت تحدق أمامها وتحاول السيطرة على مشاعرها حتى لا تنهار مجددًا.

لكن أفكارها تشتتت تمامًا عندما ظهر أمامها ذلك الرجل مرة أخرى المدعو "رييس".

اتسعت عيناها فجأة وهي تشير نحوه دون وعي.

انت ايها القذر!!!

ساد الصمت في القاعة للحظة. وكانت جميع الأنظار قد اتجهت نحوها.