أثرُ السَّماءِ الأُولَى

الفصل 6: ما خلف الستار

✦✧ـــــــــــــــــــــــ✧✦ P . 6 ✦✧ــــــــــــــــــــــــــ✧✦

توجهت كل الأنظار نحوها، وبمن فيهم ذلك الغامض ذو البدلة السوداء من وجهة نظرها، مما جعلها تشعر بالارتباك. لكن ذلك الرجل، "رييس"، ابتسم وهو ينظر إليها، إلا أن تلك الابتسامة لم تكن توحي بخير.

رييس: - لم تعرفي اسمي بعد؟ يا له من شيء مخيب للآمال.

ثم التفت بنظراته نحو "إيرونا" وأكمل:

- أليس كذلك يا عزيزتي إيرونا؟

ابتسمت "إيرونا" بارتباك وقالت وهي تحاول تبرير موقفها وكأنها ارتكبت خطيئة ما:

- انا اسفه حقا سيد رييس

ثم امسكت بيد "إيلاف" لتمنعها من فعل او قول اي شئ متهور اما الاخر فكانت تستشيط غضبا وهي تنظر له وكأنه ستقتلة. عدل "رييس" ربطة عنقه، ثم أكمل وهو يشيح بنظره بعيدًا ويستدير مبتعدًا متجهًا نحو إحدى الشاشات العملاقة:

- لا بأس، في النهاية لا أحد يفعل كل شيء بمثالية.

ثم وقف أمام الشاشة وظهره يواجههم جميعًا، وأكمل بنبرته الهادئة التي أصبحت إلى حد ما معتادة بشكل مزعج على أذن "إيلاف"

- لنؤجل أمر التعارف إلى وقت لاحق، أما الآن...

التفت بهدوء نحوهم جميعًا ويداه خلف ظهره وأكمل بعد ان ظهر خلفة على الشاشة العملاقة صورة لكل واحد منهم:

- أغلبكم يستطيع التحكم بقوته إلى حد كبير، وهذا تقدم جيد ولكن ما يزال الكثير لم يُكتشف سواء في التحكم بالصخور او النار او حتى الشفاء

ثم اكمل وهو يعيد نظراته على "ايلاف"

- وايضا ما يزال هناك الكثير تجهلونه، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بالحواجز الزمنية.

والتي بدورها ارتبكت من نظراته المتكررة، وهو ما لاحظه الجميع، وخاصة "لونغ".

كان يقف بصمت يرى المشهد، وهو بالفعل يعرف إلى ما سوف يصل هذا التجمع، وكان يقف متأهبًا لمعرفة من سوف يقع عليه الاختيار، لأمر بات يعرفه الجميع باستثناء تلك الفتاة ذات الشعر الأسود المرتبكة من نظرات ذلك الرجل ذي البدلة السوداء.

رييس: - لذا، ومن الآن، أنا أكلف ستون وشادو بتدريب إيلاف لحين صدور قرار جديد من الألفا.

ما إن سمعت "إيلاف" تلك الكلمات حتى تجمدت، وشعرت بذعر يتسلل إلى قلبها وبرودة تزحف في أطرافها.

تدريب؟ بماذا يهذي ذلك الرجل الخرف؟!

التفتت سريعًا بنظراتها نحو هذين الشابين اللذين بالكاد تعرف اسميهما.

لا اعتراض منهما؟ لا تأفف او تعبير غير راضي؟ فقط صمت وإيماءة خفيفة؟

هي تعرف بالفعل أن ذلك الضخم ذو البشرة السمراء لا يطيق حتى النظر إليها، أما بشأن ذي الشعر المربوط، فنظراته لها سابقًا كانت تروي القصة نفسها.

ما منعها من الدخول في حالة ذعر تام هو تلك اليد التي أحاطت بيدها لتعيد إليها ولو بعض الهدوء والاتزان.

لتهمس لها إيرونا

- لا تقلقي، أنا معكِ.

التفتت لها "إيلاف" وهي تلتقط أنفاسها وقد هدأت إلى حد ما. بينما كل هذا كان يحدث أمام أنظار "لونغ" دون اي رد فعل واضح علناً.

بدا بدوره غير سعيد، أو بمعنى أصح محبطًا... وربما غاضبًا.

كان يأمل سرًا أن يقع الاختيار عليه أيضًا في تدريبها، لسبب هو نفسه لا يعرفه. او ربما ليحميها من هذين الاثنين الذي يعرفهما جيدا ويعرف كم هما خبيثين.

نظر إلى الأرض وهو يضع يديه في جيبيه، ونظراته ثابتة وهادئة على عكس البركان الثائر بداخله الآن.

لذا، وبكل بساطة، استدار وغادر القاعة دون أن ينطق بحرف واحد.

في اليوم التالي، حوالي الساعة التاسعة صباحًا، في ساحة ضخمة تكفي مساحتها لما يصل إلى جيش لا يقل عن عشرة الاف جندي، بأرضية غير متساوية مختلطة بين العشب الأخضر المتفرق الذي تفصل بينه مساحات ترابية، وبعض الأشجار المتناثرة هنا وهناك وبعضها محطم او محترق.

كانت البقع المتفحمة المتفرقة على الأرض، والصخور، وبعض الأشجار المقطوع نصفها، بالإضافة إلى الصخور المتفتتة التي تختلف عن غيرها من الصخور الضخمة، توحي بأن هذا المكان أقرب ما يكون إلى ساحة قتال برية.

كانت "إيلاف" تقف هناك وهي تنظر حولها إلى كل تلك التفاصيل غير المبشرة لها، حتى قاطعها ذلك الصوت الهادئ الذي لطالما بعث الطمأنينة في نفسها منذ أول لحظة لها هنا.

إيرونا: - هنا تدربنا جميعًا.

أشاحت بنظراتها نحوها وهي تسأل بفضول:

إيلاف: - جميعكم؟

أومأت "إيرونا" مؤكدة المعلومة، وأكملت وهي تشير في اتجاه بعض الصخور المتفتتة إلى أجزاء صغيرة:

- بعض هذه الصخور كان يلقي بها ستون على لونغ، والبعض الآخر كان يحمي بها ستون نفسه من الضربات النارية الخاصة بـ لونغ.

ثم أشارت نحو بعض الأماكن المتفحمة وأكملت:

- أما بشأن هذه، فكانت كرات نارية يلقيها لونغ على شادو.

ثم قالت بهمس وهي تكتم ضحكاتها:

- كان اقرب ما يكون بعراكًا حقيقيًا ولم يكن تدريبًا... يومها احترق شعر شادو.

ابتسمت "إيلاف" وهي تحاول تخيل المشهد، مما جعل ضحكة خفيفة تهرب منها.

ثم قالت بعد أن استوعبت أمرًا ما، وهي لا تبعد ناظريها عن الأماكن التي كانت تشير إليها "إيرونا":

- بما أن قوتك مختلفة عنهم وتتلخص في الشفاء، كيف كنتِ تتدربين إذًا؟

اتسعت ابتسامة الأخرى بمجرد أن سمعت ذلك السؤال، فقد أعجبها تركيز "إيلاف" على هذه التفاصيل.

إيرونا: - هم يتدربون ويحطمون عظام بعضهم أو يتسببون بجروح نازفة، وتدريبي أنا هو مداواة تلك الجروح والإصابات.

ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وهي ترتكز على ساق أكثر من الأخرى، وأكملت بمزاح في محاولة لتخفيف توتر "إيلاف"

- منفعة متبادلة فقط... حطم وأنا سوف أصلح.

ضحكت "إيلاف"، لأن كلمات "إيرونا" ذكرتها بمثل شعبي كان الأهالي دائمًا ما يستخدمونه مع المعلمين:

" اكسر وأنا أجبس. "

كانت كلتاهما منمجدين في التحدث وتبادل الضحكات حتى قاطعهم ذلك الصوت المزعج المعتاد:

ستون: - إيرونا، تنحي من موقع التدريب.

تنهدت "إيرونا" بانزعاج وهي تقلب عينيها بضجر وتستدير بجسدها في اتجاهه.

إيرونا: - فقط اخرس لبضع دقائق.

ثم أعادت نظراتها نحو "إيلاف"، التي كانت عيناها معلقتين على ستون وشادو وهما يتحدثان سويًا، بينما كان الخوف ظاهرًا بوضوح على ملامحها.

أمسكت إيرونا بيدها، مما جعل إيلاف تلتفت إليها.

ابتسمت إيرونا محاولة طمأنتها وقالت:

- ستكونين بخير، لا تقلقي. وتذكري أنني سأكون دائمًا قريبة منكِ، حسنًا؟

أجبرت إيلاف نفسها على الابتسام وهي تومئ برأسها بخفة. بينما أفلتت إيرونا يدها أخيرًا وابتعدت وهي تلقي عليها نظرة تشجبعبه حتى اختفت خلف هذين الشابين.

ابتعد شادو ليأخذ موقعه، بينما كان ستون لا يزال في مكانه يمدد ذراعيه، في حين كانت إيلاف تشعر بأن ارتباكها يزداد شيئًا فشيئًا.

ابتسم ستون بعجرفة وقال بصوت مرتفع كي تسمعه إيلاف بسبب المسافة الفاصلة بينهما إلى حد ما.

- جاهزة يا فأرة؟

أزعجتها كلماته، لكنها لم تُبدِ أي رد فعل، بل احتفظت بتعبير هادئ يخفي ارتجاف روحها.

إيلاف: - وكأنني اذا قلت لا سيحدث اي فرق يذكر؟

اتسعت ابتسامته المتعجرفة، فبرودة ردها زادت من رغبته في تحطيم كبريائها.

دون أن ينطق بكلمة، ضرب الأرض بقدمه اليمنى.

تشققت الأرض وتحطمت إلى أجزاء ضخمة، ثم رفع قبضته لتخرج صخرة هائلة من بين تلك التشققات، وتطفو لثوانٍ قليلة قبل أن يلكم بقوة امامة.

في اللحظة التالية انطلقت الصخرة بسرعة جنونية نحو إيلاف، وكأن مدفعًا قد قذفها.

اتسعت عيناها.

فهي لم تتوقع أن يبدأ الأمر دون تحذير أو حتى إشارة واحدة.

وبسرعة تحركت محاولة تفاديها وهي تركض مبتعدة ركزت نظرها على الصخرة لثانية واحدة فقط قبل أن تصفع الهواء بيدها، فتغير الصخرة اتجاهها قبل ثانيتين فقط من اصطدامها بها فجأة وتنطلق نحو إحدى الأشجار، لتقتلعها من مكانها بالكامل.

وقفت إيلاف مذعورة تلتقط أنفاسها.

وكادت تصرخ عليه وتنعتَه بأبشع الألفاظ، قبل أن تراه يقف بإبتسامة خبيثة وصخرة اخرى اضخم من سابقتها تطفو فوقة

شدَّ قبضته أمامه حتى برزت عروق يده، بينما استقرت الأخرى على خاصرته بثبات. ثم، في لحظة خاطفة، فتح أصابعه فجأة ليدوي صوت تحطم الصخرة الي عشرات الصخور الاصغر حجماً

اندفع راكضًا قبل أن تنهال الصخور فوقه، وما إن اقتربت حتى قفز في الهواء، دار بجسده دورةً كاملة، ثم أطلق ركلةً خاطفة مزقت الهواء بقوة، وكأنه يسدد كرةً عملاقة لا تُرى.

تغير اتجاة الصخور لتتجة بسرعة نحو "ايلاف" التي كانت ترى المشهد بصدمة وعيون متسعة

لم تدرِ على أي واحدة تركز. كان عددها يتجاوز العشر.

لم تملك خيرا سوى الركض والمناورة بين كل صخرة والاخرى

وبينما كانت تندفع مبتعدة اتجهت إحدى الصخور مباشرة نحوها. ثبتت عيناها عليها وهي تواصل الركض ثم فكرت لثواني

ثم انطلقت راكضاً نحو الصخرة مما جعل ستون يقف وهو ينظر لما تفعلة بعدم فهم

هل تُريد ان يتم سحقها؟

وفي اللحظة التاليه ألقت بجسدها إلى الأسفل لتنزلق على كلتا ركبتيها فوق الأرض الترابية، بينما رفعت ذراعيها أمام وجهها كدرع.

لتصطدم تلك الصخرة بشئ لا يُوري وكأنه جدار وتناثر منها غبار وشظايا

لكن إيلاف لم تتوقف.

فبينما كانت لا تزال تنزلق على ركبتيها، غيرت وضعية جسدها بسرعة، واستدارت قليلًا أثناء الانزلاق نفسه.

ثم غرست إحدى قدميها في الأرض واستعادت توازنها في حركة واحدة، لتنهض مجددًا دون أن تسمح لنفسها بالتوقف.

ثم حركت يديها مما جعل الصخرة تترنح لاتجاهات عشوائية قبل ان تقوم برميها مباشرتاً عائدة الي ستون

اتسعت عيناه بصدمة، وبالكاد تمكن من القفز جانبًا لتفاديها. مرّت احد حوافها بمحاذاة رأسه، ولو تأخر جزءًا من الثانية فقط لتحطم رأسه بالكامل.

نظر إليها مصدومًا، ثم أعاد بصره إلى الصخرة التي كادت تصيبه وهي الان ترتكز في الارض بعد ان تسببت بحفرة على شكل خط خلفها.

أما ايلاف فكانت تقف منحنية الظهر، واضعة يديها فوق ركبتيها وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة.

وما إن وقفت بشكل مستقيم

حتى شعرت بلكمة سريعة وقوية استقرت في بطنها.

اختفى الهواء من رئتيها دفعة واحدة. وسقطت أرضًا وظهرها متقوس وهي تمسط بطنها.

توقف شادو على مسافة قصيرة بعد أن سدد لها الضربة، وهو يبتسم بتعالٍ.

- أظن أنكِ نسيتِ أن هناك فردًا آخر.

ضربت بقبضتها الارض وهي تضع يدها الاخرى على بطنها وهي تتلوى على الارض حاولت الوقوف وساقاها ترتجفان. وأخذت تلهث محاولة التقاط أنفاسها. وبعد عدة محاولات تمكنت أخيرًا من الوقوف بشكل مستقيم.

في تلك اللحظة عاد الي ستون تركيزة ممزوج بغضب وركض بسرعة، ثم قفز عاليًا قبل أن يهبط بكلتا ساقيه على الأرض بقوة.

تحطمت الأرض تحت قدميه. وتطايرت عشرات الصخور متفاوتة الأحجام في الهواء.

وهذه المرة كان يلكم بقوة اشد لتصبح سرعة انطلاقها اكبر حاولت إيلاف الركض لتفاديها. كانت تلوح بيدها كلما استقر نظرها وتركيزها على إحدى الصخور، فتقذفها بعيدًا عن مسارها. أما الصخور الأخرى فكانت تتفاداها بصعوبة بالقفز أو بالانزلاق على ركبتيها مرة بعد أخرى.

وتتلقى لكمه او صفعة كل بضع ثواني من شادو مما يجعلها تفقد توازنها لثواني. وبدأت تشعر بألم حاد يسري في ساقيها من كثرة السقوط والانزلاق، بينما أخذ الضغط المستمر يرهق عينيها ويستنزف تركيزها شيئًا فشيئًا. بعد أن تفادت بعض الصخور، حاولت تغيير اتجاه إحداها نحو ستون.

لكنها لم تحصل على الفرصة.

تلقت لكمة ثم أخرى بعدها مباشرة ثم ضرب ساقيها مما جعلها ترتجف وتفقد توازنها

كان شادو يتحرك بسرعة تجعل رؤيته صعبة، أشبه بظل يندفع من مكان لآخر.

وكان هدفه واضحًا

تشتيت انتباهها ووضعها تحت ضغط مستمر ... وقد نجح بالفعل.

فبينما فقدت تركيزها على الصخور المتطايرة، اصطدمت بها إحدى الصخور الأصغر حجمًا. ألقت بجسدها أرضًا بعنف ليتحمل كتفها شدة السقوط ايضاً. صرخت متألمة وهي تمسك كتفها وجسدها يتلوى ألما.

وبالكاد تمكنت من فتح عينيها لترى صخرة أكبر بكثير تهوي من السماء فوقها مباشرة.

كانت تسقط في اتجاهها وكأنها تستعد لتحويلها إلى أشلاء. ولحسن حظها تداركت ما يحدث في اللحظة الأخيرة.

فقلبت جسدها مبتعدة عن نقطة السقوط بكل ما تملك من سرعة، لكن إصابتها أعاقتها.

ولم تستطع الابتعاد إلا بالكاد لتفادي الاصطدام المباشر بفارق ضئيل جدًا.

وفي اللحظة التالية سقطت الصخرة الضخمة خلفها مباشرة. اهتزت الأرض بعنف. ومن شدة الضغط الناتج عن الاصطدام المباشر بالأرض، وقربها الشديد من نقطة السقوط، تشكلت موجة هوائية هائلة قذفتها بعيدًا. ارتطم جسدها بالأرض لتسقط مباشرة فوق كتفها المصاب مرة اخرى صرخت من شدة الألم.

وتقوس ظهرها بينما التوت على نفسها وهي تمسك كتفها بيدها. كانت تحاول جاهدة التقاط أنفاسها المرتعشة. شعرت بألم حاد وكأن رئتيها ستنفجران في أي لحظة. وكأن قلبها سيتوقف من شدة سرعته. فتحت عينيها بصعوبة.

كانت رؤيتها مشوشة بسبب الدموع المتجمعة في عينيها، والغبار المنتشر في كل مكان حولها.

وبالكاد استطاعت رؤية صخرة أخرى تتجه نحوها. لكن هذه المرة... لم يعد لديها حتى طاقة للزحف. أغمضت عينيها ببطء. وأرخت رأسها نحو الأرض. وأخذت نفسًا مرتجفًا بدا وكأنه آخر أنفاسها.

أما ما حدث بعد ذلك... فكان أشبه بذكرى مشوشة.

حرارة تلفح وجهها... ونور خافت يتسلل خلف جفونها المغمضة.

فتحت عينيها بصعوبة، لتجد جسدًا مشتعلًا يقف أمامها على بعد بضع خطوات.

رفعت نظراتها بجهد أكبر، لتجد الصخرة التي كانت تتجه نحوها قد تحطمت إلى عشرات القطع المتناثرة، وبعضها متفحم وكأنه تعرض لحرارة هائلة في لحظة واحدة.

أما ذلك الجسد المشتعل، فكانت ألسنة اللهب التي تغطيه تتلاشى شيئًا فشيئًا، حتى اختفى اللهب تمامًا ليظهر ظهرة فقط في مقابلتها.

استدار الشاب أخيرًا.

نظرت إليه بعينيها شبه المغمضتين، فرأت تلك العينين البنيتين المسحوبتين، الباردتين كعادته.

كانت بالكاد قادرة على إبقاء عينيها مفتوحتين.

وهمست بصوت لم يكن ليسمعه أحد سواها:

...لونغ

خرجت إيرونا مسرعة من خلفه، مندفعة نحوها، ثم جثت على ركبتيها بجوارها في حالة ذعر واضحة بسبب حالتها وهي تحاول مساعدتها. لكن نظرات إيلاف لم تغادر لونغ. ظلت معلقة عليه. أما هو فكان ينظر إلى عينيها شبه المغمضتين بصمت غريب وهدوء غير مفهوم.

وكأنه متردد...

متردد في التقدم خطوة أخرى نحوها للاطمئنان عليها. لذلك اكتفى بالوقوف في مكانه. يحدق بها. ويفحص إصاباتها بعينيه بصمت.

ثم اخيراً استدار وغادر المكان، متجاهلًا صيحات ستون المعترضة.

- من سمح لك بالتدخول في تدريبنا يا كرة اللهب؟!

أخرجت إيلاف نفسًا لم تدرك أنها كانت تكتمه طوال ذلك الوقت. ثم أغلقت عينيها مستسلمة للألم الذي كان يسحبها تدريجيًا نحو اللاوعي.

كانت فاقدة للوعي أمام إيرونا، التي أخذت تنادي بلهفة على الفريق الطبي الخاص بها، مطالبة بإحضار ناقلة لنقل إيلاف إلى غرفتها.

كانت تريد علاجها في مكان أكثر خصوصية، لتتمكن من فحص جسدها بالكامل ومعالجة جميع إصاباتها قبل نقلها للغرفة الرئيسية للعلاج.

أما شادو فاقترب بهدوء، واضعًا كلتا يديه في جيبيه، وهو ينظر إلى الجسد الممدد على الأرض ببرود مستفز قائلاً

- واو لا تزال على قيد الحياة؟

تجاهلته إيرونا تمامًا. واستمرت في إعطاء التعليمات بسرعة، بينما كان اثنان من الفريق يحملان إيلاف فوق الناقلة ويغادران بها المكان.

11:25Am

انطلقت ضربة نارية بسرعة جنونية، لتستقر مباشرة في كتف ستون..

صرخ الأخير متألمًا وهو يسقط على إحدى ركبتيه، ممسكًا بكتفه

لم تكن الضربة بالقوة الكافية لسلخ الجلد أو تمزيقه، لكنها خلفت حروقًا مؤلمة امتدت على كامل كتفه تقريبًا.

اقترب لونغ بخطوات هادئة. هادئة بشكل لا يتناسب أبدًا مع ما فعله قبل لحظات. حتى توقف أمامه مباشرة. ثم قال بصوت هادئ

- هذا لا شيء مما تستحقه.

رفع ستون رأسه إليه بغضب شديد وصاح

- هل فقدت عقلك أيها المعتوه؟! كان ذلك تدريبًا!

جثا لونغ على ركبة واحدة أمامه. ثم نظر مباشرة إلى عينيه. كانت نظراته تحمل تهديدًا صريحًا لا يحتاج إلى كلمات.

لونغ: - أتسمي محاولة قتلٍ صريحة تدريبًا؟

صاح ستون بغضب أكبر، دون أن يبعد عينيه عن عيني الآخر، وكأن كلًا منهما يرفض التراجع أمام الآخر:

- وما دور إيرونا إذًا أيها الغبي؟ هاه؟!

ثم أكمل بعصبية وهو نفسة غير مقتنع بكلماته

- الصخرة لم تكن لتصيبها أصلًا! كنت سأوقف الـ...

قاطعه لونغ بحدة واضحة، رغم أن طبقة صوته بقيت هادئة بشكل مخيف وهو يمسك فكة بقوة بقبضتة

- إيرونا لا تحيي الموتى.

ثم مال نحوه قليلًا وأكمل بنبرة خطيرة

- ولا... أنت لم تكن لتوقف الضربة.

توقف لثانية قصيرة قبل ان يصفع رأس ستون بالجدار خلفة وهو يترك فكة ثم أكمل بنبرة أكثر برودة

- بل كنت تتوق بشدة لرؤيتها تصيبها.

وفي اللحظة التالية أمسكه بعنف من ياقة قميصه.

- أقسم أنني على استعداد لأن أجعلك رمادًا إذا حاولت، أو حتى فكرت مجرد تفكير، أن تؤذيها أثناء تدريبكم اللعين... أنت وذلك القذر

وأكمل بصوت خافت وهو يشد قبضته على ياقة قميصه أكثر، وكأنه يقاوم رغبة حقيقية في خنقه:

- أقسم أنني سأحرق هذا المكان الملعون عن بكرة أبيه إذا مس أحدكم شعرة منها.

اتسعت عينا ستون. لكن بدلًا من التراجع...

ابتسم!

ابتسامة تحدٍ صريحة.

ثم حدق مباشرة في عيني لونغ بنفس القدر من التهديد والعناد.

- سنرى ما يمكنك فعله وأنا...

لم يُكمل جملته قبل أن يصدمه لونغ بقوة بالجدار خلفه مجددا، لدرجة أن الآخر شعر وكأن جمجمته قد كُسرت.

ثم أفلته أخيرًا، ووقف مرة أخرى بشكل مستقيم على ساقيه، متراجعًا بضع خطوات إلى الخلف.

لونغ: - لنرى أولًا اذا انت ستكون حيًا وقتها من الأساس.

ثم استدار وتركه يتألم، وغادر المكان وكأن شيئًا لم يكن.

ظلت نظرات ستون معلقة على ظهره حتى اختفى وهمس متوعداً وهو يضغط على فكة بقوة لدرجة ان عروق جبهته اصبحت بارزة.

- لنرى اذا كنت ستتمكن حتى من جمع اشلائها...

كان رييس يقف أمام شاشة يشاهد المشهد بأكمله، وهو يبتسم برضا عما يراه، قبل أن يقاطع تلك اللحظة سؤال.

شادو: - إذًا، هذا تهديد صريح لنا؟

ضحك رييس ضحكة عميقة هادئة وهو يصحح له

- بل فرصة أتت إلينا.

نظر له شادو بعدم فهم، منتظرًا أن يفسر ما يقصده.

- اثنان من أقوى نبضات مذنب ألفا. أحدهما مستعد أن يمحو كل ما قد يؤذي الأخرى، مما يزيد من قوة اضطرابه الداخلي، وهي بدورها غارقة في حبه... أي أننا نملك مصدرًا آخر للتحكم بقوتها من خلاله.

ابتسم شادو لأنه فهم أخيرًا تفكيره الشيطاني، وقال بسخرية ممزوجة بإعجاب

- إيقاظ لهب الإيمبرا ودماء شخص عزيز... يبدو أننا استنزفنا حظنا في هذين الاثنين.

التفت إليه رييس وهو لا يزال يبتسم، ويداه خلف ظهره.

- يجب ألا نضيع فرصتنا هذه المرة.

ثم سار بهدوء في اتجاه أحد الأركان في تلك القاعة ذات الأرضية السوداء اللامعة، والجدران الممتلئة بالشاشات وخراطيم اشبه بأسلاك رفيعه يمر بداخلها مادة حمراء تخرج من اسطوانات عملاقة معلقه سوداء تمامًا لا يظهر ما بداخلها أو ماهيتها.

وقف أمام إحدى تلك الأسطوانات المبهمة ووضع يده عليها، بينما كان شادو يقف على بعد مسافة قليلة منه يراقب بصمت.

بدأت الحاوية الضخمة تشع بضوء خافت، وتلاشى السواد الذي يغطيها لثوانٍ معدودة ليظهر جسد هزيل لفتاة يطفو بداخلها في مادة غريبة... أو بمعنى أصح...

جسد شخص قريب من ايلاف.

اتسعت ابتسامة شادو.

شادو: - كم سيصمد هذا الجسد قبل أن يجف تماماً؟

قال رييس وهو يبعد يده، ليعود السواد ويغطي كل شيء مرة أخرى، ثم استدار بجسده كاملًا ليتلاقى بنظرات شادو.

- ليس كثيرًا، لذا من الأفضل أن نحضر ما هو أقوى تأثيرًا من تلك الفتاة... دماءً أقوى تأثيرًا من دمائها.

عقد شادو ذراعيه وهو يتكئ بظهره على أحد الأعمدة التي تتوسط القاعة.

شادو: - أهي حقًا بتلك الخطورة؟

لم يبعد رييس نظراته عن نظرات شادو وهو يرد بكل ثبات ويقين:

- بل هي الخطر بعينه.

ثم أكمل وهو يقترب منه بضع خطوات، رافعًا يده لتظهر بينهما صورة هولوجرامية تفصل بينه وبين شادو.

مشهد لإيلاف وهي تقف وشعرها يتطاير حولها بعنف، وعيناها بيضاوان تمامًا، بينما تحيط بها النيران والدماء من كل جانب.

كل شيء من حولها كان محطمًا، وأجسادٌ ملقاة في كل مكان.

- هي لا تتحكم فقط بالحواجز الزمنية، بل تتحكم بأزمنة مختلفة لاشياء بعينها. فهي قادرة على تقديم الزمن، فتتقدم الروح في العمر حتى تفارق الجسد ويموت الشخص وهو لايزال شاباً، وقادرة على تقيدم عمر اي جزء من اجزاء الجسد او الاشياء الملموسة وغير الملموسة او ارجاع عمرة. وقادرة أيضًا على محو أشياء كاملة، وتغيير المسارات الزمنية للأحداث.

ثم ضيق عينيه وهو يكمل بصوت حمل شيئًا من الرهبة:

- وقادرة على أن تعود إلى بداية عهد الألفا.

أبعد شادو عينيه عن الهولوجرام، الذي كان يتغير مع كل وصف وشرح من رييس، ثم نظر إليه وقد اتسعت عيناه بصدمة خالصة.

- بداية عهد الألفا؟؟

قالها بهمس، وكأنه لا يصدق أنه ينطق بهذه الكلمات أصلًا.

أومأ رييس برأسه وهو يكمل:

- أتفهم الآن السلاح الذي بين أيدينا؟ فهي ليست مثل قوى قبائل البيتا المثيرة للشفقة، التي تجعلك تحافظ على شبابك أو تعود بالزمن بضع سنوات فقط...

واكمل وهو ينظر مباشرتاً الي عينيه

- ولا تنسى ان هذه اول ألفا تظهر بعد غياب اكثر من 7000 عام بعد الخطيئه

نظر له الاخر بجدية ورهبة واضحة

- وكيف لنا أن نتحكم بها وليس لدينا سوى جسد واحد مقرف لقريبتها نسحب منه بعض الدماء لنضعف قوتها إذا خرجت عن السيطرة؟

ثم تقدم خطوة إلى الأمام، مخترقًا الهولوجرام الذي تشوهت صورته للحظة قبل أن يعاود التشكل.

- نحتاج إلى شخص يربطه بها رابط أقوى، خاصة أن ذلك الجسد أوشك على الجفاف.

ابتسم رييس وقال ببرود لا يتناسب مع حجم المعلومات الخطيرة التي يتحدث عنها

- لدينا واحد بالفعل.

ضيق شادو عينيه وهو يهز رأسه بعدم فهم. ليتابع رييس موضحًا، بعد أن أشار بيده ليظهر مجسم هولوجرامي آخر. شاب ذو شعر أسود وعينين بنيتين، وملامحه تشبه ملامح إيلاف إلى حد كبير.

رييس: ننتظر فقط أمر الألفا