أَغْرِيس | حِينَ يَبْتَسِمُ الْمَوْتُ

الفصل 4: ༺ حِينَ يَبْدَأُ العَدّ ༻: نهايه الفصل

ظل مونيتور صامتًا، لكن أفكاره لم تجد وقتًا طويلًا لتستقر؛ فقد دوّى صوت رهف من الجهة الأخرى للباحة:

— آدم!

التفت إليها. كانت تقف وسط آثار التعويذات، تلهث قليلًا من كثرة الركض، وقد تناثر شعرها الأشقر النحاسي حول وجهها، ومع ذلك كانت تبتسم كأن شيئًا لم يحدث. أما آدم، فكان واقفًا أمامها، يحاول استعادة أنفاسه.

— انتهيتِ؟

رفعت رهف ذقنها.

— هذه المرة.

نظر إليها بشك.

— ولن تكون هناك تعويذة أخرى؟

وضعت يدها على صدرها متظاهرة بالبراءة.

— لن تكون.

جاء صوت مارتا من الخلف:

— لا تصدقها.

التفتت رهف إليها.

— مارتا!

ضحك آدم.

— كنت أعلم أنك ستفعلينها مجددًا. — لكنني توقفت الآن. — لأنك تعبتِ. — وهذا لا يغيّر شيئًا.

ابتسم آدم، ثم رفع عينيه نحو القصر.

— مارتا.

التفتت إليه.

— نعم؟ — متى كانت آخر مرة رأيتِ فيها عمي؟

تغيرت ملامحها.

— أرثان؟

أومأ.

— نعم.

فكرت لحظة.

— قبل خمسة أيام.

ثبت آدم عينيه عليها.

— نعم.

سألت رهف:

— هل هذا غريب؟

نظر إليها آدم.

— بالنسبة إلى أي شخص آخر، ربما لا.

ثم سكت لحظة.

— أما أرثان... فنعم.

قالت مارتا:

— ربما اضطر إلى الغياب. — ربما.

قالها آدم، لكن نبرته لم تحمل اقتناعًا. تابع:

— أرثان قد يخرج لساعات، وقد يغيب يومًا كاملًا إن استدعى الأمر ذلك. لكنه لا يختفي خمسة أيام دون أن يترك خبرًا.

قالت رهف:

— هل كان يفعل ذلك دائمًا؟ — دائمًا.

ثم أضاف:

— حتى عندما كنت صغيرًا، إذا اضطر إلى الغياب، كان يترك لي رسالة.

ساد الصمت لحظة. كانت رهف تعرف أن آدم لا يتحدث عن طفولته كثيرًا. سألت مارتا:

— وأين كان آخر مرة رأيته فيها؟ — في الجناح القديم.

ثم أضافت:

— وبعدها دخل مكتبته.

رفع آدم رأسه.

— هل خرج منها؟ — لم أره. — وهل دخلها أحد بعده؟ — لا.

ظل آدم صامتًا. ثم سأل:

والمكتبة... هل كانت مغلقة طوال هذه الأيام؟

أومأت مارتا.

— نعم.

ثبت آدم عينيه أمامه لحظة، وكأن الإجابة أكدت شيئًا لم يكن يريد تصديقه. أرثان لا يغلقها. ليس بهذه الطريقة. كان يقول إن المعرفة التي تُحفظ خلف باب مغلق تتحول إلى سر، والسر إذا طال بقاؤه صار خطرًا. لذلك كان يترك مكتبته مفتوحة دائمًا. خمسة أيام. مكتبة مغلقة. لا رسالة. ولا أحد يعرف أين ذهب.

رفعت رهف حاجبها.

— إذن ما الذي تغيّر هذه المرة؟

لم يجب آدم. كان يفكر. رفع عينيه أخيرًا.

— لهذا سنبدأ من هناك.

تحرك نحو القصر. لحقت به رهف.

— سأذهب معك.

نظر إليها.

— كنت سأطلب منك ذلك.

ابتسمت.

— حقًا؟ — نعم.

ثم رفع إصبعه محذرًا:

— لكن من دون تعاويذ.

ضحكت.

— أعدك.

قالت مارتا:

— وإذا وجدتماه؟

توقف آدم. لم يجب مباشرة. ثم قال:

— سنعرف لماذا اختفى.

وصعد الدرج. تبعتْه رهف.

أما مونيتور، فظل للحظة في مكانه. كان قد رأى آدم قبل دقائق يضحك ويهرب من تعاويذ رهف، وكأن هذا العالم كله لم يكن يحمل ما يستحق القلق. والآن لم يبقَ في وجهه شيء من ذلك المرح.

قال مونيتور:

— يبدو أن هذا الرجل مهم له.

أجابته مارتا:

— أكثر مما تتخيل.

ثم لحقت بهما.

وصل آدم إلى الطابق العلوي. كان الممر هادئًا على نحو غير مألوف. توقف أمام باب المكتبة. مد يده إلى المقبض. ثم سحبها. حدق في الباب.

— ما الأمر؟ سألت رهف. أشار آدم إلى الخشب. — هذا لم يكن هنا.

اقتربت. كان هناك رمز محفور في منتصف الباب. دائرة تتوسطها ثلاثة خطوط متشابكة، وحولها آثار سوداء دقيقة، بدت كأنها أُحرقت داخل الخشب لا فوقه. قالت رهف:

— هل تعرفه؟

هز آدم رأسه.

— لا.

مدت يدها نحوه. أمسك آدم بمعصمها قبل أن تلمسه.

— قلت لكِ: لا تلمسي شيئًا.

نظرت إليه.

— حسنًا.

أفلت يدها.

أعاد آدم نظره إلى الرمز. لم يكن يعرف معناه، لكنه كان متأكدًا من شيء واحد: هذا الرمز لم يكن هنا من قبل. ولم يكن وجوده على باب مكتبة أرثان صدفة.

خفض آدم صوته:

— تراجعي.

تراجعت رهف خطوة. وضع يده على المقبض. ثم فتح الباب ببطء. لم يصدر عن القفل صوت. كان الباب مفتوحًا أصلًا. نظر آدم إلى رهف. ثم إلى الظلام خلف الباب. وبقي لحظة دون أن يدخل.

قال:

— هذا أسوأ مما توقعت.

ظل آدم واقفًا عند الباب لحظة، وعيناه مثبتتان على الظلام خلفه. ثم دخل. تبعتْه مارتا مباشرة، بينما بقيت رهف في الخارج. قال آدم دون أن يلتفت:

— ابقي هنا.

اعترضت رهف:

— لماذا؟ — لأنني لا أعرف ما الذي وضع هذا الرمز على الباب.

نظرت إلى الرمز المحفور في الخشب، ثم عقدت ذراعيها.

— حسنًا.

دخل آدم ومارتا، وأغلق آدم الباب خلفهما. ساد الصمت. لم يكن المكان مظلمًا تمامًا. فما إن خطا آدم إلى الداخل حتى اشتعلت المصابيح السحرية واحدة تلو الأخرى، وامتد ضوؤها على القاعة الواسعة. توقّف آدم. كانت مكتبة الحكماء الستة والعشرين أمامه. لا تزال كما عرفها. قاعات شاسعة تتصل ببعضها، ورفوف شاهقة تضيع أطرافها في الظلام، وسلالم خشبية تتحرك ببطء من تلقاء نفسها، وجسور ضيقة تمتد بين الطوابق. لكنها لم تكن مكتبة عادية. كانت الكتب تطير بين الرفوف، يفتح بعضها صفحاته أثناء تحليقه، ثم يغلقها قبل أن يستقر في مكانه. وكانت المصابيح السحرية تتحرك بين الممرات دون أن يحملها أحد. وبين الرفوف، عاشت مخلوقات صغيرة لم يعد لها وجود خارج هذا المكان؛ كائنات ذات فراء ناعم تختبئ بين الكتب، وسحالي صغيرة لامعة العينين تتسلل بين الأرفف، ومخلوقات مجنحة بحجم الكف تقفز من رف إلى آخر. توقفت مارتا لحظة.

— ما زالت كما هي.

ابتسم آدم.

— لم تتغير كثيرًا.

تحركت بومة بيضاء كالثلج من فوق أحد الرفوف، وحلقت فوقهما قبل أن تستقر على حامل خشبي قريب. نظر إليها آدم.

— بومة عمي.

اقتربت مارتا منه.

— كانت تتبعه دائمًا؟ — منذ سنوات.

ثم تابع السير.

كان يعرف الطريق جيدًا. كل ممر تقريبًا يحمل ذكرى قديمة؛ مكانًا تعلم فيه تعويذة، أو كتابًا قرأه للمرة الأولى، أو طاولة كان أرثان يجلس خلفها ويصحح له أخطاءه. لكن آدم لم يتوقف.

وصل إلى الجناح الخاص بأرثان. توقف أمام الباب. ثم فتحه. كان المكتب هادئًا. هادئًا أكثر مما ينبغي. كل شيء في مكانه. الكتب. الأوراق. القوارير. الأدوات السحرية. حتى الريشة فوق المكتب كانت تتحرك وحدها، تكتب بضعة كلمات على ورقة، ثم تتوقف. وضعت مارتا يدها على كتف آدم.

— يبدو وكأنه سيعود.

نظر آدم إلى الكرسي الفارغ.

— وهذا ما يقلقني.

اقترب من المكتب. كانت هناك كتب مفتوحة، وأوراق تحمل ملاحظات بخط أرثان، وقارورة ما زال السائل داخلها يتحرك ببطء. رفع آدم إحدى الأوراق. قرأها. ثم قلبها.

— كان يعمل حتى آخر لحظة.

قالت مارتا:

— هل تعتقد أنه خرج بإرادته؟ — لو خرج بإرادته، لترك خبرًا.

ثم نظر إلى المكتب.

— أرثان لا يختفي.

جاء طرق خفيف على الباب. التفت آدم. دخل أحد خدم المكتبة، ثم ظهر خلفه خادم آخر. انحنيا.

— سيدي آدم.

قال آدم:

— متى كانت آخر مرة رأيتما فيها أرثان؟

أجاب أحدهما:

— قبل خمسة أيام، سيدي. — وأين؟ — هنا.

واضاف الاخر:

— دخل مكتبه، ثم لم نره يخرج.

سأل آدم:

— هل دخل أحد بعده؟

هز الخادم رأسه.

— لا.

— هل سمعتم شيئًا ؟

تبادل الخادمان نظرة سريعة.

قال أحدهما:

— لا شيء.

ثم تردد قليلا.

— لكن... في الليلة نفسها، سمعنا صوتًا يشبه ارتطاما قويًا من جهة المكتبة.

رفع آدم عينيه إليه.

— أي ليلة؟

— ليلة اختفائه.

صمت آدم لحظة.

— لماذا لم تخبرني بهذا من قبل ؟

انخفض رأس الخادم.

— ظننا أنه صوت من الكتب السحرية سيدي.

نظر آدم إلى مارتا.

ثم قال:

— اذهبا. وإذا تذكرتما أي شيء آخر، أخبراني فورا.

انصرف الخادمان. عاد الصمت.

قالت مارتا:

— خمسة أيام... وصوت ارتطام في الليلة نفسها.

— نعم.

نظر آدم إلى المكتب. لم يعد غياب أرثان يبدو كغياب رجل خرج من القصر بإرادته. كان هناك شيء حدث. شيء لم يره أحد. قال آدم:

— علينا أن نعرف ماذا كان يفعل قبل أن يختفي.

بدأ يفتش المكتب. فتح درجا. ثم آخر. مفاتيح. أوراق. أحبار. مخطوطات. أدوات سحرية صغيرة. حتى وصل إلى درج سفلي مقفل. جرب أكثر من مفتاح. لم يفتح. توقف. رفع عينيه. ثم بدأ يبحث من جديد. بعد لحظات، وجد مفتاحًا صغيرًا مخبأ تحت مجموعة من الأوراق. أخذه. أدخله في القفل. صدر صوت نقرة. انفتح الدرج. توقف آدم. كان في الداخل ثلاثة أشياء. كتاب سحر قديم. خريطة مطوية. وظرف بني اللون. التقط الظرف أولا. قرأ ما كتب عليه:

إلى أغريس، لقد وجدوني. كنت أظن أن ما عثرت عليه في موقع الحرب القديمة قد انتهى مع من ماتوا هناك، لكنني كنت مخطئًا. لقد عادت البوابة. لا أعرف كيف، ولا من أعادها، لكنني متأكد أنها لم تعد بمحض الصدفة. لا تبحث عني، ولا تحاول الوصول إلى المكان الذي ذهبت إليه. احمِ آدم ورهف، ولا تخبرهما بشيء. كنت سأشرح لآدم كل شيء بنفسي، لكن الوقت لم يعد في صالحي. إن وصلت إليك هذه الرسالة، فاعلم أن الأمر أخطر مما توقعت. لكن إن حدث لي شيء، فعليك أن تعرف أن— لقد وجدوا— ..........

ثم توقفت الرسالة. ظل آدم يحدق في السطر الأخير لثوانٍ. قالت مارتا:

— لم يكملها. — واضح. — لكن لماذا؟

لم يجب آدم.

أعاد قراءة السطور الأخيرة مرة أخرى، ثم توقف عند كلمة واحدة.

— «لقد وجدوني»...

نظرت مارتا إلى الرسالة.

— من الذين يقصدهم؟

رفع آدم عينيه إليها.

— لا أعرف.

ساد الصمت بينهما. كان هناك شيء حدث لأرثان قبل أن يتمكن من إكمال الرسالة. لكن ما الذي حدث؟ ومن كانوا أولئك الذين قال إنهم وجدوه؟ ولماذا كان يحذر أغريس من البحث عنه، ويطلب منه في الوقت نفسه حماية آدم ورهف؟ أسئلة كثيرة تركها أرثان خلفه... دون إجابة واحدة.

كان أرثان يجلس خلف مكتبه، والشمعة الوحيدة أمامه تلقي ضوءًا خافتًا على الورقة. كان الصمت يحيط بالمكان حتى بدا صوت القلم فوق الورق أعلى مما ينبغي. تحرك القلم بين أصابعه. وكتب: «إن وصلت إليك هذه الرسالة، فاعلم أن الأمر أخطر مما توقعت، لكن عليك أن تعرف أن—» توقفت يده. ارتعشت شعلة الشمعة. مرة. ثم مرة أخرى. رفع أرثان عينيه ببطء. وانطفأت الشمعة.

جاءه صوت من داخل رأسه. هادئًا... قريبًا... كأنه لم يأتِ من مكان، بل خرج من بين أفكاره نفسها ثم قال:

— غريب...

صمت لحظة. ثم تابع:

— لا يمكنني كشف مكانك.

تجمد أرثان. لم يتحرك.

— من أنت؟

جاءته ضحكة خافتة. ثم قال الصوت:

— أيمكن أن تكون هذه الأرض التي أخفاها أوبسايدن عن العالم؟

اتسعت عينا أرثان. لم يجب.

في الظلام،

ظهر أمامه ضوء أسود خافت. لم يضيء الغرفة. بل بدا وكأنه يبتلع ما حوله. بدأ الضوء يتشكل ببطء، حتى اتخذ هيئة رجل يرتدي ملابس سوداء فاخرة. لم تكن ملامحه واضحة. لكن ابتسامته كانت واضحة تمامًا. نظر إليه أرثان، وقد بدأ القلق يتسلل إلى وجهه.

— كيف وصلت إليّ؟

لم تجبه الهيئة. فقط ظلّت تبتسم. ثم شعر أرثان بشيء يعبر داخل رأسه. صورة خاطفة. ممر حجري. اختفت. صورة أخرى. بوابة. اختفت. ثم صورة ثالثة... صخور سوداء تمتد تحت سماء غريبة. اختفت. تراجع أرثان خطوة.

— لا...

— ماذا تفعل؟

جاءه الصوت ببرود:

— لا شيء.

ثم ضحكة قصيرة.

— أنت من يفعل كل شيء.

وضع أرثان يده على رأسه.

— اخرج من رأسي.

اقتربت الهيئة خطوة. أو هكذا خُيّل لأرثان.

— لماذا؟

ساد الصمت. ثم جاء الهمس:

— أتخشى أن أتذكر ما تحاول أنت نسيانه؟

تغير وجه أرثان. ظهرت صورة أخرى في ذهنه. طريق قديم. ثم بوابة حجرية. ثم الأرض التي أخفاها أوبسايدن عن العالم. اتسعت عيناه.

فهم أرثان أخيرًا. لم يكن نائل يحاول إجباره على الكلام. ولم يكن يبحث عن إجابة. كان يبحث عن صورة. ينبش ذاكرته شيئًا فشيئًا، ينتظر اللحظة التي تكتمل فيها الصورة أمامه. الممر. البوابة. الأرض. كان نائل يجمعها قطعةً قطعة.

مد أرثان يده بسرعة إلى درج مكتبه. أخرج حجر النقل. قبض عليه بقوة، وبدأ يردد تعويذة السفر. تسارعت الكلمات من فمه. لكن الصور في رأسه كانت أسرع. الممر. البوابة. الأرض. اقتربت الصورة أكثر. شعر أرثان بضغط حاد داخل جمجمته. تعثرت أنفاسه. لكنّه لم يتوقف.

— لا تتوقف...

جاءه صوت نائل، هذه المرة أقرب من أي وقت مضى.

— ربما أحتاج إلى لحظة أخرى فقط.

ارتجفت أصابع أرثان حول الحجر. بدأ الضوء يتجمع داخله. أدرك نائل ما يحدث. للمرة الأولى... اختفت ابتسامته.

— أرثان...

اشتعل الحجر بين أصابع أرثان.

انفجر الضوء حوله. وفي اللحظة الأخيرة، رفع أرثان عينيه نحو الهيئة. كانت واقفة في الظلام. تنظر إليه. لكنها لم تعد تبتسم. ثم اختفى أرثان. وانطفأ الضوء. عاد المكتب إلى صمته. عادت العتمة لتبتلع كل شيء. وبقيت الشمعة مطفأة. وفوق المكتب... كانت الورقة لا تزال في مكانها. والحبر لم يجف بعد. وتحت آخر سطر كتبه أرثان: «لكن عليك أن تعرف أن—» ظلت الرسالة ناقصة.

ظل آدم يحدق في السطر الأخير. لا نقطة. لا كلمة بعدها. فقط أثر الحبر، كأن يد أرثان توقفت فجأة. قالت مارتا:

— لم يكملها. — لا. — وكان سيبعثها إلى أغريس؟

نظر آدم إلى الظرف.

— نعم.

أعاد الرسالة إلى المكتب، لكنه لم يتركها. كان واضحًا الآن أن أرثان لم يخرج لمجرد مهمة. كان يعرف أنه قد لا يعود. ولهذا ترك الرسالة. ولهذا ترك الخريطة. ولهذا أخفى الكتاب. أخذ آدم الخريطة. فتحها فوق المكتب. كانت هناك خريطة، وعليها علامة واضحة فوق مملكة فولكان. توقف آدم. مرر إصبعه فوقها.

— أعرف هذه المملكة قرأت عنها في كتاب قديم في مكتبه واظن انها اختفت.

قالت مارتا:

— فولكان؟ — نعم.

ثم نظر إلى الكتاب.

— لكن ما علاقة عمي بها؟

اقتربت مارتا.

— افتحه.

فتح آدم الكتاب. كانت الصفحة الأولى مليئة بخط أرثان. توقف.

— هذا خط عمي.

قلب الصفحة. لم يكن الكتاب كتاب تعاويذ. كان سجلًا لبحث أرثان. ملاحظات. تواريخ. أسماء أماكن. وإشارات إلى البوابة. قرأ آدم:

— «البوابة لا تزال في موضعها منذ الحرب القديمة.»

قلب الصفحة.

— «الوصول إلى موقعها ليس بالأمر السهل.»

ثم صفحة أخرى. توقف.

— «القارة أكبر مما يظن أغلب الناس، وما خُفي فيها قد يبقى مجهولًا لأجيال.»

نظرت مارتا إليه.

— هل كان أرثان يعرف مكانها؟

هز آدم رأسه.

— لا أعرف.

قلب الصفحة التالية. كانت معظمها فارغة، إلا من سطر واحد:

«إن كانت البوابة لا تزال موجودة، فلا بد أن شيئًا أعاد البحث عنها.»

ظل آدم صامتًا. لم تكن إجابة. كانت آخر قطعة من سؤال لم يجد أرثان له جوابًا. تابع القراءة. ظهرت إشارات إلى مواقع قديمة، ومسارات منسية، وملاحظات عن الأرض التي تقع فيها البوابة. ثم توقف عند كلمة تكررت في أكثر من موضع: العالم السفلي. مرر إصبعه عليها. قالت مارتا:

— هل لهذا علاقة بما وجده؟ — لا أعرف.

قلب صفحة أخرى. كان فيها رسم بسيط لرمز قديم، وتحته عبارة: «المفتاح ليس سلاحًا.» قطب آدم حاجبيه.

— المفتاح...

قالت مارتا:

— أي مفتاح؟

هز رأسه.

— لا أعرف.

قلب الصفحة. لا شيء. ثم قلب أخرى.

توقفت يده. كان في الصفحة رسم باهت لطريق قديم، يمتد بين نقطتين، وينتهي عند علامة صغيرة. رفع آدم الخريطة. وضعها بجوار الكتاب. تأمل الرسم. ثم نظر إلى الخريطة. مرر إصبعه على الطريق. توقف. رفع عينيه.

— مارتا.

اقتربت.

— ماذا؟

أشار إلى الخريطة.

— انظري.

تتبعت إصبع آدم. كان الطريق نفسه. ليس مطابقًا تمامًا، لكنه يتبع المسار ذاته. وينتهي عند المنطقة نفسها. ثم رفع آدم إصبعه إلى العلامة فوق مملكة فولكان. صمت. قالت مارتا:

— إذن هذه ليست علامة على مكان عادي. — لا. — إنها تقود إلى شيء.

أومأ آدم. وللمرة الأولى، بدا أن شيئًا في ذهنه قد استقر في مكانه.

— أرثان لم يكن يبحث عن مكان عادي.

قالت مارتا:

— بل عن البوابة.

قلب آدم الصفحة الأخيرة التي تحمل ملاحظات. وفي هامشها، بخط صغير كاد يضيع بين الكلمات، وجد جملة لم ينتبه إليها من قبل: «ابدأ من حيث انتهت الحرب.» تجمدت عيناه. قرأها مرة أخرى. ثم نظر إلى الخريطة. إلى الطريق القديم. إلى العلامة. ثم إلى الرسالة. قالت مارتا:

— لهذا وضع العلامة.

أومأ آدم.

— نعم. — تعتقد أن هذا هو المكان الذي بدأ منه بحثه؟ — لا.

رفع عينيه إليها.

— أعتقد أنه الطريق الذي قاده إلى موقع البوابة.

ساد الصمت. كانت الخيوط تتجمع أخيرًا. أرثان بحث في آثار الحرب القديمة. وجد طريقًا اندثر. قادته آثاره إلى الأرض التي تخفي البوابة. ثم وجد من يتعقبه. ثم اختفى. لكن شيئًا واحدًا لم يكن مفهومًا.

لماذا كان عليه أن يترك رسالة يحذر فيها أغريس من البحث عنه؟ ولماذا كان أهم ما فيها... أن يحمي آدم ورهف؟ قالت مارتا:

— وماذا ستفعل الآن؟

أغلق آدم الكتاب ببطء.

— لن أذهب إلى فولكان بعد.

رفعت حاجبها.

— لماذا؟

أخذ الرسالة.

— لأن أرثان لم يكتب لأغريس: «اذهب إلى فولكان».

ثم نظر إلى الخريطة.

— كتب له أن يحمي آدم ورهف.

سكت لحظة.

— لو كان الطريق آمنًا، لما خاف أن يتبع أحد أثره.

فهمت مارتا.

— إذن أنت تريد أن تعرف ما الذي وجده قبل أن تذهب إلى المكان نفسه. — بالضبط.

وضعت يدها على كتفه.

— وسنعرف.

نظر آدم إليها، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.

— كنت أعرف أنك ستقولين ذلك. — ولهذا أبقيتني إلى جوارك. — لم أطلب منك البقاء. — ولم أطلب إذنًا.

ضحك آدم لأول مرة منذ دخوله المكتب. ثم حمل الخريطة والكتاب والرسالة. ألقى نظرة أخيرة على مكتب أرثان.

لم يعد يراه كغرفة تركها رجل غائب. كان يراها الآن كأثر لجريمة لم يفهمها بعد؛ كل ورقة فيها تقود إلى شيء، وكل شيء يقود إلى طريق، والطريق يقود إلى البوابة. قال آدم:

— نبحث أولًا في الكتب التي كان يقرأها. — ثم؟ — نعرف منها أين قادته الحرب.

ثم نظر إلى مارتا.

— وعندما نعرف ذلك... نعرف أين نبدأ البحث عنه.

أومأت. خرج الاثنان من المكتب. وبقيت المكتبة من خلفهما تضج بحركتها القديمة؛ الكتب تسبح بين الرفوف، والمصابيح السحرية تتنقل في الممرات، والمخلوقات الصغيرة تواصل أعمالها كأن شيئًا لم يتغير. أما آدم... فقد أصبح لديه أخيرًا أول خيط حقيقي يقوده إلى عمه.

ولم يكن الخيط هو البوابة. بل الطريق الذي قاد أرثان إليها.

ظل آدم واقفًا لحظة، والخريطة بين يديه. كان قد اتخذ قراره. لن ينتظر عودة أرثان. طوى الخريطة بعناية، وأعاد الكتاب إلى مكانه، ثم قال:

— وجهتنا فولكان.

جاءه صوت رهف من خلفه:

— كنت أعرف أنك ستقولها.

التفت إليها. كانت تقف عند باب المكتب، تنظر إليه بنظرة جعلته يدرك أنها سمعت ما كان يفكر فيه قبل أن ينطق.

— ولماذا أنتِ هنا؟

ابتسمت.

— لأنني ذاهبة معك. — رهف... — لا.

قالتها بهدوء، ثم اقتربت منه.

— لا تحاول.

نظر إليها لحظة.

— الرحلة قد تطول. — سأتحمل. — وقد تكون خطرة. — أعرف. — وقد لا نعرف أين سنجد أرثان. — لهذا سأذهب.

سكت آدم. كان يعرف أن الجدال معها لن يغير شيئًا. قال أخيرًا:

— كنت أريد أن أبقيك هنا.

ابتسمت رهف.

— وأنا كنت أعرف.

تدخلت مارتا:

— ويبدو أنها عرفت أيضًا أنك ستقول ذلك.

نظر إليها آدم.

— لا تساعديها.

ابتسمت مارتا.

— لم أقل شيئًا.

تنهد آدم، ثم اتجه نحو الباحة. كانت الذئاب الخمسة هناك. توقف أمامها. نظر إليها طويلًا. كانت قد رافقته لسنوات، وعرف لكل واحد منها عاداته وحركاته، حتى صار وجودها جزءًا من حياته. قال آدم:

— ستبقون هنا.

رفعت الذئاب رؤوسها.

— تحرسون رهف حتى أعود.

لم يحتج إلى تفسير أكثر.

لكن قبل أن يبتعد، حدث شيء لم يتوقعه أحد. توقفت الذئاب الخمسة في وقت واحد. رفعت رؤوسها نحو السماء. تغير الهواء في الباحة. شعر آدم بالسحر قبل أن يراه. استدار.

— ما هذا؟

تجمعت خيوط من الضوء حول أجساد الذئاب، ثم امتدت الأرض تحت أقدامها بوميض خافت. تراجعت مارتا خطوة. أما رهف، فبقيت مكانها تحدق. اشتد الضوء. ثم انفجر دفعة واحدة. غمر الباحة كلها. رفع آدم ذراعه أمام عينيه. وبعد لحظات... انحسر الضوء. ساد صمت كامل.

لم تعد الذئاب هناك. وقف خمسة أشخاص في المكان نفسه. ثلاثة شبان، وفتاتان. كانوا ينظرون إلى أيديهم وأجسادهم بذهول، كأنهم يرونها للمرة الأولى. لم يتحرك آدم. ولا مارتا. ولا حتى مونيتور. قالت مارتا بصوت خافت:

— ما الذي حدث؟

رفع أحد الشبان رأسه. كان أول من استعاد صوته.

— لا أعرف.

نظر إلى آدم. ثم إلى يديه.

— لكنني أشعر أنني... مختلف.

حدق آدم فيه طويلًا. ثم نظر إلى الآخرين. كانت الملامح جديدة، لكن العيون لم تكن كذلك. عرفها. عرفهم جميعًا. قال:

— رعد؟

رفع الشاب عينيه إليه. توقف لحظة، ثم أومأ.

— نعم.

انتقل بصر آدم إلى الثاني.

— غيث؟ — نعم.

ثم الثالث.

— عمر؟

أومأ. أما الفتاتان، فاقتربت إحداهما من رهف. قالت:

— هل نسيتِنا؟

حدقت رهف فيها. ثم تغير وجهها.

— لين...؟

أومأت. ثم أشارت إلى الفتاة الأخرى.

— ونور.

بقيت رهف صامتة. ثم ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الذهول.

— أنتم...

نظرت إلى آدم.

— كنتم معنا طوال هذه السنوات.

قال عمر:

— ونحن لا نعرف كيف حدث هذا الآن.

اقترب آدم منهم.

لم يكن التحول نفسه هو ما أربكه. فهو يعرف أن أبناء سلالة فالورد يستطيعون اتخاذ هيئة الذئاب كما يستطيعون العودة إلى هيئة البشر. لكن ما لم يفهمه هو لماذا الآن. نظر إلى ملامحهم واحدًا تلو الآخر.

— هل تستطيعون العودة؟

تبادلوا النظرات. حاول رعد التركيز. توهج السحر حوله للحظة، لكنه تلاشى دون أن يحدث شيء. هز رأسه.

— لا.

قالت نور:

— وأنا أيضًا.

نظر آدم إلى مارتا. كانت لا تزال تحدق فيهم. أما مونيتور، فكان أكثرهم صمتًا.

قال:

— إذن التوقيت هو المشكلة.

التفت آدم إليه.

— ماذا تقصد؟

نظر مونيتور إلى المكان الذي حدث فيه التحول.

— لا أعرف. ثم أضاف:

— لكنني متأكد أن ظهور صورتهم البشرية الآن ليس أمرًا عابرًا.

يجب آدم. عاد ببصره إلى الخريطة. فولكان. أرثان. البوابة. والآن هؤلاء الخمسة. كانت الأشياء تتجمع حوله بطريقة لم يفهمها بعد. قال أخيرًا:

— مهما كان السبب، لن نعرفه هنا.

نظر إلى رهف. ثم إلى الخمسة.

— سنغادر عند الفجر.

ابتسمت رهف.

— إذن اتفقنا.

قال آدم:

— أنا لم أقل إنك—

قاطعته:

— أعرف.

سكت. ثم ابتسم رغمًا عنه. أما مونيتور، فنظر إلى رهف.

— وأنا؟

أجابه آدم:

— معها؟

قال آدم:

— حتى نعود.

نظرت رهف إليه.

— لا أحتاج إلى حارس.

أجاب آدم:

— وأنا لا أحتاج إلى سماع هذه الجملة عندما أكون بعيدًا عنك.

تنهدت رهف. لكنها لم تجادل. كان القرار قد اتُخذ.

كانت هناك قاعة قديمة، لم يدخلها ضوء الشمس منذ زمن لا يعرفه أحد.

جدرانها مغطاة بنقوش بالية، وأعمدة ضخمة تصعد إلى سقف غارق في الظلام. وفي وسط القاعة، فوق منصة حجرية، كانت تستقر رقعة قديمة. لم تكن رقعة شطرنج. كانت خريطة للعالم. لكنها لم تكن خريطة كما يعرفها البشر. كانت أقدم من الممالك، وأقدم من الحدود، وأقدم من الأسماء التي تحملها الأراضي الآن. وفوقها عشرات القطع الحجرية. بعضها ثابت منذ زمن بعيد. وبعضها لم يتحرك منذ أن وُضع. جلس رجل أمامها. كان نائل. لم يتحرك طويلًا. كانت عيناه تتبعان الخطوط القديمة المرسومة على الخريطة، كأنه لا يبحث عن مكان، بل ينتظر شيئًا. ثم تحركت إحدى القطع. ببطء شديد. خطوة واحدة فقط. صدر عن الحجر صوت خافت وهو يستقر في موضعه الجديد. رفع نائل عينيه. ظل ينظر إلى القطعة. لم يلمسها. ولم يحاول إعادتها. فقط بقي يراقبها بصمت. مرّت لحظات. ثم قال:

— إذن تحركت.

لم يكن في صوته دهشة. كان أشبه بتأكيد لشيء انتظره طويلًا. اقترب من الرقعة. مرر إصبعه فوق المسار الذي أصبحت القطعة تقف عند بدايته. ثم توقف. لم يقل اسمًا. لم يذكر مملكة. ولم يحاول تفسير ما حدث. رفع عينيه إلى الظلام المحيط بالقاعة. وقال بهدوء:

— لن يبقى الطريق مغلقًا طويلًا.

سحب يده. وعاد إلى مكانه. وبقيت القطعة الجديدة وحدها فوق رقعة العالم. أما نائل... فلم ينظر إليها مرة أخرى.

كأنه كان يعرف أن الحركة الأولى لم تكن سوى بداية شيء أكبر.