أكاديمية الدم الملعون ج2

الفصل 1: ~ نبوءة الظلام ~ Part 1

~ نبوءة الظلام ~

Part 1

لم يبق من القتال سوى آثار على الأرض ، الحجارة متشققة و الأشجار صامتة و الهواء مشبع برائحة طاقة محترقة ، المعالجون اندفعوا فورا بعد انسحاب مجلس الظلال ، أرديتهم البيضاء تلمع تحت ضوء القمر ، أيديهم ترسم دوائر شفاء فوق جسد آلثاك الملقى على الأرض. لكن شيئا لم يكن طبيعيا و الظل داخل جرحه لم يختف ، كان يتحرك و كأنه يبحث عن مكان أعمق ، كانت مارغريت أول من وصل إليه و ركعت مباشرة بجانبه دون تردد ، يداها ترتجفان للمرة الأولى منذ عرفها الجميع _ " أنظر إلي ... ". لم يفتح عينيه و الدم على كتفه كان داكنا ، لكن الخط الأسود الذي يمتد من الجرح كان أسوء من أي نزيف ، همست بصوت مكسور _ " لقد وعدتني قبل عشر سنوات بأنك ستعود ... " حاول المعالج الرئيسي إبعادها برفق ... " مارغريت ... نحتاج مساحة ... " لكنها لم تتحرك بل وضعت يدها على صدره ... " لا تتركني مرة أخرى ... " إقترب لوسيان بخطوات بطيئة و عيناه عادتا لطبيعتهما لكن في داخله كان شيء يرتجف ، حين رأى الدموع على وجهها تجمد و لأول مرة رأوها تبكي . الفتاة التي واجهت مجلس الظلال دون خوف و التي لم تنحنِ يوما الآن كانت تنهار بصمت ، تقدم لوسيان دون وعي و لف يده حول خصرها برفق و أبعدها خطوة عن المعالجين ، لم يكن امتلاكا بل كان حماية حتى من نفسها ، همس لها بصوت لم يكن واثقا _ " دعيهم يحاولون " في تلك اللحظة ، إندفعت نيكيتا عبر الحشد ، شعرها مبعثر و عيناها متسعتان بخوف لم تحاول إخفاءه ، صرخت بصوت مرتجف _ " آلثاااك " ركعت على الجانب الآخر منه ، يدها انزلقت إلى يده تتشبث بها ... " لا .... لا تفعل هذا بي " تبادل المعالجون النظرات ثم قال أحدهم بصوت منخفض ... " الظل ... ينتشر إلى الوجه " رأى الجميع ذلك ، الخط الأسود صعد ببطء من عنقه إلى فكه ، جلده بدأ يفقد لونه و كأن شيئا يمحو ملامحه ، حاولت مارغريت الإقتراب مجددا لكن لوسيان أمسكها أقوى من ذي قبل _ " مارغريت ... " صرخت لاول مرة بصوت مكسور ... " دعنى " الجميع سمع الإنكسار في صوتها ، وصل المدير فيكتور أخيرا و عباءته الداكنة تتحرك خلفه ، وجهه جامد لكنه شاحب أكثر من المعتاد ، نظر إلى آلثاك ثم إلى مارغريت و صمت لحظة أطول مما ينبغي ، رفعت نيكيتا رأسها نحوه ثم قال برجاء _ " أنقذه " لم يُجِب فيكتور فورا بل قال أخيرا بصوت ثقيل ... " إصابة أزراكيث ليست جرحا عاديا " الخط الأسود وصل إلى وجنة آلثاك ، جلده بدأ يتصلب كقناع ، همست مارغريت و هي ترتجف_ " أوقفه ... أنت المدير ، أوقفه " نظر فيكتور إليها و لأول مرة كان في عينيه شيء يشبه الندم ، قال بصوت مسموع للجميع ... " آلثاك ليس مجرد استاذ هنا " تبادل الطلاب النظرات ، تجمدت مارغريت لكن فيكتور أكمل ... " هو شقيقها " الصمت و الصوت إختفى من المكان ، شهق بعض الطلاب و لوسيان شد قبضته دون أن يدرك ، لم تلتفت مارغريت إليهم و لم تهتم ، كانت تنظر فقط إلى وجه آلثاك الذي بدأ يختفي. أغمضت نيكيتا عينيها بقوة ، كانت تعرف الحقيقة منذ سنوات لذلك همست من بين دموعها _ " قلت لك إنهم سيستهدفونك إن عرفوا " الظل غطى نصف وجهه الآن و ملامحه لم تعد واضحة و كأن أزراكيث لا يقتل بل يستولي ، صرخ المعالج بقوة _ " نبضه يضعف " انفلتت مارغريت من قبضة أخيرا و إندفعت إلى جانبه ، أمسكت بوجهه الذي بدأ يتحول إلى سطح أملس بلا تفاصيل ، قالت بصوت مكسور تماما _ " لا تجرؤ على تركي ". توقفت لوهلة تستجمع أنفاسها و تترك دموعها تنهمر من وجنتيها بغزارة ... " وعدتني ... قلت إنك ستعود لأجلي ... قلت إنني سأكون بأمان هنا " إبتلع الظل عينه ثم الأخرى ، وجهه اصبح بلا ملامح تقريبا كقناع أسود يتشكل من داخله ، صاحت نيكيتا بقوة و هي تهز جسده_ " لا " جسد الثاك إرتجف مرة أخيرة ثم سكون ، وضع المعالج يده على صدره ، انتظر لدقائق معدودة بدت كدهور طويلة بالنسبة لمارغريت ، ثم تمتم بالكلمات التي مزقت الليل _ " توقف قلبه " الصمت الذي تلا لم يكن طبيعيا كان ثقيلا كحكم ، لم تصرخ مارغريت هذه المرة و لم تتحرك ، كانت تنظر إلى الوجه الذي لم يعد وجه. ثم ببطء سقطت دمعة على القناع الأسود الذي كان يوما أخاها ، وقف لوسيان خلفها عاجزا عن لمسها الآن ، إنحنت نيكيتا فوق جسده تبكي بصمت يقتل ، أغلق المدير فيكتور عينيه للحظة لكن شيئا لم يكن طبيعيا. الظل على وجه آلثاك لم يتلاش بل إستقر كأنه ختم و كأن أزراكيث لم يأخذ حياته فقط بل ترك شيئا ، و في أعماق الظل وميض خافت مر للحظة و كأن الوعي لم ينطفئ بالكامل لكن قلبه لم ينبض. أصبح الهواء أثقل من أن يُستنشق ، تراجع المعالجون خطوة لا لأنهم انتهوا بل لأن شيئا لا شيء بقي ليفعلوه ، الجسد ساكن و الوجه لم يعد وجه و القناع الأسود الأملس يغطي ملامحه بالكامل ، لم تتحرك مارغريت لعدة ثوان ثم فجأة انهارت. لم يكن سقوطا دراميا بل كان سقوطا مفاجئا كمن فقد عموده الفقري ، إندفعت نحوه مجددا و ركعت فوقه ، قبضتاها انغلقتا بقوة و ضربت صدره مرة _ " انهض " ضربة ثانية أقوى ... " لا تفعل هذا " الثالثة لم تكن ضربة قتال بل ضربة يائسة ... " إستيقظ ". خرج صوتها مكسورا و خشنا كأن الكلمات التي تؤلمها أكثر مما تؤلمه ، تجمد الطلاب و لم ير أحد مارغريت هكذا من قبل ، ضربت صدره مرة أخرى _ " طلبت منك أن تموت ... لكنني لم أقصد " صوتها إرتفع و اختلط بالبكاء ... " كنت غاضبة ، كنت أكرهك لأنك تركتني لكنني لم أقصد ان تموت حقا ". يدها ارتفعت مجددا لكن لوسيان أمسك معصمها بقوة و سحبها نحوه ... " كفى " لم يكن صراخا عليها و كأن صراخا ليمنعها من تدمير نفسها ، إرتطم جسدها بصدره و للحظة واحدة لم تقاوم ، ثم دفعته و ضربته و قبضتها اصطدمت بصدره بكل القوة التي تبقت فيها _ " أنت " توقفت الجملة في حلقها و لوسيان لم يصدها ، لم يمسك يديها هذه المرة بل تركها تضربه ، الضربة الثالثة كانت أضعف و الرابعة تحولت إلى تشبث بقميصه ثم انهارت بين ذراعيه لكنها لم تحتضنه. كانت تضرب صدره بقبضتين مرتجفتين _ " لقد كذبت حين قلت بأنني لا أريد رؤية وجهك يا آلثاك من جديد " صوتها أصبح همسا متقطعا ... " انا أريد رؤيتك ... " إلتفتت نحو الجسد ، القناع الأسود كان يعكس ضوء القمر بلا تعبير ... " أريد رؤيتك و أنت تبتسم بسخرية ... أريدك أن توبخني ... أريد أن تغضب مني ... " صوتها انكسر تماما ... "أرجوك استيقظ " سكون لا حركة و لا نفس ، كانت نيكيتا ما تزال جاثية على الجانب الآخر ، يدها فوق يد آلثاك الباردة و دموعها تسقط بصمت ، همست_ " قلت لي أنك لا تموت بسهولة " حاولت مارغريت الإفلات من ذراعي لوسيان مرة أخرى ، لكنه شدها بقوة هذه المرة ليس ليمنعها بل ليحميها من رؤية القناع عن قرب ، دفنت وجهها في صدره أخيرا ليست لانها تريد الإحتماء به بل لأنها لم تعد قادرة على النظر. كتفاها يهتزان بعنف لكن لوسيان لم يقل شيئا ، ذراعه إلتفت حولها بإحكام و يده الأخرى ارتفعت ببطء ، توقفت في الهواء للحظة ثم استقرت خلف رأسها . ضغطها إليه أكثر و عيناه لم تفارقا الجسد و النار داخله لم تكن تشتعل الآن ، كانت باردة و خطيرة ، تقدم المدير فيكتور خطوة و صوته منخفض _ " انقلوه إلى قاعة الحفظ " تردد المعالجون للحظة لأن القناع الأسود لم يكن جامدا تماما ، كان هناك تموج خفيف كظل يتنفس لكنهم حملوه ، شعرت مارغريت بالحركة و رفعت رأسها فجأة_ " لا تأخذوه بعيد عني " حاولت التقدم لكن ساقيها خانتاها ، أمسكها لوسيان قبل أن تسقط ، إبتعد الجسد و المسافة بينهما زادت و مع كل خطوة كان شيء في صدرها يُنتزع. حين إختفى الثاك خلف الأروقة الحجرية سقطت مارغريت على ركبتيها و هذه المرة لم تضرب أحد ، جلست فقط و يديها على الأرض الباردة . و دموعها تسقط على الأرض و لاول مرة منذ دخلت الأكاديمية بدت صغيرة و ضعيفة و مكسورة . أما لوسيان فوقف خلفها لم يلمسها هذه المرة لكن نظره بقي عليها و كأنه يحفظ شكل الفتاة التي نشطت معها رابطة الدم و هي منهارة. كان يشعر بألمها تماما لذلك ببطء شديد و دون أن يلفت انتباه أحد وضع يده على صدره و ضغط عليه برفق ، حاول إخفاء الامر لكن جاسون انتبه له و رفع حاجبه بخفة ثم أومأ له برأسه. ~~~~~~~~~~~~~~~~

- أطلال كارميدان -

السماء فوق كارميدان لم تكن سماء كاملة ، كانت رمادية دائمة و كأن الشمس نسيت هذا المكان منذ قرون . الأبراج المهدمة تقف كعظام عملاقة خارجة من الأرض و الحجارة السوداء محترقة من حرب قديمة لم يُذكر اسمها في كتب الأكاديمية إلا همسا ، الهواء هنا لا يتحرك بل يُراقِب. و في قلب الأطلال ، حيث كانت ذات يوم قاعة عرش مملكة منسية ، تجمعت الظلال إلا أنها لم تتشكل فجأة بل انزلقت ببطء من بين الشقوق . من تحت الأنقاض و من زوايا لا يصلها الضوء ثم ارتفعت و من داخلها ظهر أزراكيث ، عباءته الداكنة تنساب خلفه ضد اتجاه الريح التي لا تهب أصلا . الظلال عند قدميه لا تستقر بل تدور ببطء و كأنها تحرسه ، لكنه لم يعد كما كان في الباحة فالقناع الأسود الأملس لم يكن موجودا لان وجهه الآن كان وجه الثاك . نفس الملامح و نفس عظام الخد و نفس الخط الحاد للفك لكن بلا حياة ، العينان سوداوان بالكامل لم يكن فيهما بياض و لا حدقة ، سكون بلا رمش فقط. وقف وسط الدائرة الحجرية المحطمة ثم رفع يده ببطء ، الظل تحت قدميه إرتفع مثل دخان كثيف و التف حول جسده ثم إنسحب كأنه يختبر القالب الجديد . لم يتحدث أزراكيث فهو أصلا صامت لكن الأطلال استجابت ، الأرض تحت قدميه اصدرت طنينا خافتا ، شق طويل امتد في الحجر أمامه و من داخله خرجت حرارة قديمة . ليست نار بل ذكرى نار ، تقدم خطوة و الوجه - وجه الثاك - لم يحمل تعبيرا لكن حركة الرأس كانت مختلفة ، أبطأ كأن الجسد لم يعتد بل على الساكن داخله . في اعماق الظلال وميض خافت ظهر للحظة كأن شيئا يقاوم ثم إختفى ، مد أزراكيث يده نحو صدره حيث كان قلب آلثاك ، وضع كفه هناك فارتجف الهواء. داخل الصدر الميت ، خيط ظل دقيق نبض مرة واحدة ثم سكن ، الظلال عند قدميه إلتفت للأعلى و وصلت إلى كتفيه ثم تراجعت كأنها تعترف بالسيطرة . حول أطلال كارميدان دوائر سحرية قديمة محفورة في الأرض بدأت تتوهج بلون اسود مائل للأحمر ، رموز لم تُستخدم منذ قرون و رموز التنين ، رفع أزراكيث راسه ببطء و وجه الثاك نظر نحو الأفق البعيد . نحو اتجاه الأكاديمية ، الهواء بين كارميدان و فالينور توتر للحظة كأن خيط غير مرئي يشد بين مكانين .... في صدره حيث مات القلب وميض أحمر خافت مر ليس ظلالا و لا نارا بل صدى . أمال أزراكيث رأسه قليلا كأنه يشعر به - دم التنين - لم يكن مهتما بآلثاك وحده و لم يكن القتل غايته كان يحتاج وعاء ، جسدا يعرف الذئب و السحر معا ، جسدا قريبا من الدم الذي يريد مجلس الظلال الحكم عليه. و من بين الحجارة خلفه ، ارتفعت ثلاثة أعمدة ظل تشكلت فيها أشكال غير مكتملة ، وجوه بلا ملامح و أصواتهم لم تكن كلمات بل صدى داخلي و حكم لم يصدر بعد . رفع أزراكيث يده فالوجوه سكنت ثم ببطء فتح فم الثاك ، لأول مرة لم يخرج صوت لكن نفسا مظلما خرج ، السماء فوق كارميدان أظلمت درجة أخرى . إستدار أزراكيث و وجه الثاك إلتفت نحو الأعمدة المهدمة ثم بدأ بالمشي داخل الأطلال ، الظلال تفسح له الطريق و كل خطوة تترك أثرا أسود على الحجر ، و كأن كارميدان تعرف سيدها القديم أو سيدها الجديد . و في أعماق الأنقاض باب حجري ضخم بدأ يتحرك ببطء ، وراءه شيء أقدم من مجلس الظلال و أقدم من الأكاديمية ، توقف أزراكيث أمام الباب ، يده ارتفعت و الظلال صمتت ، الحكم لم يصدر بعد لكنه يقترب.