شبكة8العقول - ما بين الأصوات

الفصل 11: القسم الثاني_ ما تبقّى من الصرخة

القسم الثاني_ ما تبقّى من الصرخة

في اللحظة التي انطفأت فيها عينا وتين تحت المطر، لم يمت كل شيء معها. ظل شيء منها عالقًا في الهواء، في الماء الذي سال حول جسدها، في الضوء الباهت الذي ارتجف فوق الإسفلت، وفي الخيوط الثمانية التي ابتعدت عنها قبل أن يبرد جسدها تمامًا. لم يكن موتها نهاية، بل دفعة أخيرة انطلقت عبر العالم، عبر المسافات والمدن والحدود، واستقرت في ثمانية عقول لم تعرف بعد أن امرأة مجهولة ماتت كي تمنحها فرصة واحدة للبقاء. وفي برلين، كان سليم يمشي في ممر لا يتذكر أنه دخله من قبل. كان طويلًا وضيّقًا، تغطي جدرانه طبقات متشققة من طلاء أبيض مائل إلى الاصفرار، وتنبعث منه رائحة رطوبة قديمة تشبه رائحة البيوت التي أُغلقت لسنوات ثم فُتحت فجأة. المصابيح المعلقة في السقف لم تكن ثابتة؛ يضيء أحدها لثوانٍ، ثم ينطفئ، فيشتعل الذي يليه بعيدًا، وكأن النور نفسه يقوده إلى شيء ينتظره في النهاية. لم يكن يعرف أين هو. ولم يكن يعرف لماذا يمشي. كانت خطواته تتردد في الممر، ثقيلة مرة، وخفيفة مرة أخرى. وحين نظر إلى يديه، رآهما كبيرتين كما يعرفهما، أصابع رجل، جلد خشن وندبة قديمة قرب المعصم. لكنه عندما رمش، تغيرتا أمام عينيه؛ صارتا صغيرتين، نحيلتين، يدي طفل لم يتجاوز التاسعة أو العاشرة. توقف مذعورًا، فسمع صوتًا بعيدًا يأتي من نهاية الممر. _"ساعدني." كان صوت فتاة صغيرة. رفع رأسه بسرعة. في آخر الممر، تحت الضوء الأخير، وقفت طفلة ترتدي فستانًا أبيض باهتًا. كان شعرها طويلًا يغطي جزءًا من وجهها، وقدماها حافيتين فوق الأرض الباردة. لم تكن تبكي، لكن صوتها حمل خوفًا أكبر من البكاء. _"من أنتِ؟" لم تجبه. استدارت وركضت. تحرك سليم خلفها دون تفكير. كلما اقترب منها، ازداد الممر طولًا، وكلما أسرع، ابتعدت أكثر. كان يسمع أنفاسه تتغير؛ مرة أنفاس رجل بالغ، ومرة شهقات طفل مرعوب. رأى ظله على الجدار يتبدل كذلك، يطول وينكمش، كتفان عريضان ثم جسد صغير، وجهه الحالي ثم ملامح قديمة لم يعد يذكرها كاملة. _"انتظري!" التفتت الفتاة إليه وهي تركض. لم يستطع رؤية وجهها بوضوح، لكنه شعر أنها تعرفه. بل شعر، في تلك اللحظة، أنها كانت تنتظره منذ زمن. وصلت إلى باب حديدي في نهاية الممر، ودفعته بكلتا يديها. اندفع من خلفه هواء بارد محمّل برائحة المطر. خرجت إلى الخارج، فلحق بها سليم، وما إن عبر الباب حتى اختفى الممر كله من ورائه. وجد نفسه واقفًا في الشارع نفسه. المطر يهطل بعنف. أعمدة الإنارة مكسورة، والماء يغمر الإسفلت الأسود. كانت الفتاة تقف على بعد خطوات، وتشير إلى منتصف الطريق. هناك، كانت وتين راكعة. لم يعرف اسمها، لكنه عرفها فورًا. المرأة الحافية القدمين، صاحبة الشعر المبلل والعينين اللتين تحملان حزنًا لا يستطيع تفسيره. كانت تمسك صدرها وتتألم، ثم رفعت وجهها نحوه. حولها وقف الثمانية في دائرة غير مكتملة، أشباحًا شفافة أكثر منهم أجسادًا حقيقية.حاول سليم الاقتراب، لكن قدميه لم تتحركا. _"ساعدها!" صرخت الفتاة. _"كيف؟" نظر إلى يديه، فعاد طفلًا من جديد: "أنا لا أعرف كيف!" بدأت وتين تصرخ، وانفجرت الخيوط الثمانية من صدرها. اخترقت إحداها جسد سليم، فشعر بألمها كاملًا؛ خوفها، تعبها، حبها لرجل لم يره، واليقين القاسي بأنها لن تنجو. رأى عينيها تبحثان بين الوجوه، ثم توقفتا عليه للحظة. لم تقل شيئًا، لكنه سمعها داخل رأسه. لا تدعهم يجدونكم منفردين.ثم سقطت. ركضت الفتاة الصغيرة نحوها، لكن جسدها تلاشى قبل أن تصل. التفتت إلى سليم، ومدت يدها إليه: "ساعدني." انطفأت الأضواء كلها دفعة واحدة. استيقظ سليم وهو يلهث. جلس في سريره بعنف حتى اصطدم ظهره بالجدار. كان العرق يغطي وجهه وعنقه رغم برد الغرفة، وقلبه يضرب صدره كأنه يحاول الخروج منه. لم يعرف لثوانٍ أين هو. بقي يحدق في الظلام، يتتبع حدود الخزانة والنافذة والباب، إلى أن تعرف على غرفته في الشقة التي يتقاسمها مع جوليان. رفع يده إلى رأسه. الصداع كان أشد من كل مرة سابقة، ألم نابض يمتد من خلف عينه اليمنى إلى مؤخرة جمجمته، كأن قلبًا ثانيًا ينمو داخل رأسه ويضرب بعنف. أغمض عينيه وضغط أصابعه فوق صدغه، محاولًا استعادة أنفاسه. وعندها سمع الموسيقى. إيقاع إلكتروني صاخب، منخفض في البداية، ثم أخذ يرتفع تدريجيًا. كانت ضرباته تهز الجدار، أو هكذا بدت له، وتدخل في صداعه كمسامير متتابعة. نظر إلى الساعة. كانت بعد الثالثة فجرًا. "تبًا..." نهض مترنحًا، ارتدى قميصًا فوق جسده، وخرج من غرفته. باب غرفة جوليان كان نصف مفتوح، لكن صديقه لم يكن في الداخل. تذكر أنه خرج قبل ساعات لمقابلة والده، ولم يعد بعد. اشتدت الموسيقى. بدت قادمة من الشقة المجاورة. وقف سليم أمام بابها وطرق بقوة. لم يجبه أحد. طرق مرة أخرى، ثم ضغط الجرس عدة مرات، لكن الصوت بقي مستمرًا؛ موسيقى حادة، وصيحات بعيدة، وضحك شباب وفتيات، كما لو أن حفلة كاملة تجري خلف الباب. _"افتحوا!" ضرب الباب بقبضته. لم يأتِ رد. كان على وشك أن يركله حين انفتح باب شقة أخرى في نهاية الممر. خرج رجل مسن مرتديًا ثوب النوم، ونظر إليه باستغراب: "ماذا تفعل؟" أشار سليم بعصبية إلى الباب: "أطلب منهم خفض الموسيقى." قطب الرجل حاجبيه: "أي موسيقى؟" نظر سليم إليه، ثم إلى الباب. كان الإيقاع لا يزال يصم أذنيه: "هذه الموسيقى." اقترب الرجل قليلًا وقال ببطء: "هذه الشقة فارغة منذ أشهر." سكت سليم. وضع أذنه قرب الباب. كان يسمع بوضوح أصوات الناس، ارتطام الكؤوس، وصرخة شاب وسط الإيقاع. مد يده إلى المقبض، فوجده غير مقفل. دفع الباب بحذر. انفتح على ظلام بارد. لم يكن في الداخل أحد. لا أثاث، لا أضواء، لا حفلة. أرضية مغبرة، جدران عارية، ونافذة مغلقة لم يدخل منها حتى هواء. ومع ذلك، ظل سليم يسمع الموسيقى، ليست من الغرفة هذه المرة، بل من مكان أبعد، مكان يراه مع كل نبضة ألم خلف عينه. أضواء بنفسجية وزرقاء. أجساد ترقص. وآيلين تقف خلف منصة الموسيقى. كانت آيلين قد أنهت الحفل لتوّها. هبط آخر إيقاع ببطء، ثم انطفأت الموسيقى تحت تصفيق وصيحات الحاضرين. رفعت يدها للجمهور بابتسامة متعبة، وأزاحت السماعات عن أذنيها. كانت القاعة لا تزال تهتز في داخلها، حتى بعد توقف الأجهزة. شعرت أن الصوت استقر في عظامها، وأن الضوء السريع طبع أشكاله الملونة خلف جفنيها. غادرت المنصة من الباب الجانبي. استقبلها هواء الليل البارد فتنفست بعمق، كأنها خرجت من تحت الماء. رائحة الدخان والتبغ والحشيش كانت عالقة قرب المدخل الخلفي للنادي، حيث تجمع أصدقاؤها حول سيارة سوداء، يضحكون بصوت مرتفع ويتبادلون زجاجة ملفوفة بكيس ورقي. كانت ديريا بينهم، ترتدي معطفًا جلديًا قصيرًا وتلوح لها. _"أخيرًا! ظننا أنك ستبقين هناك حتى الصباح." اقتربت آيلين وهي تمرر يدها في شعرها: "كدت أفعل." كان بجانب ديريا شاب لم تره من قبل. طويل، نحيل، يرتدي معطفًا داكنًا وسلسلة فضية حول عنقه. لم يكن يضحك مثل الآخرين، بل كان يراقبها بثقة باردة، كأن معرفته بالناس تبدأ من نقاط ضعفهم. قالت ديريا: "آيلين، هذا إمري." مد الشاب يده: "سمعت الكثير عنك." نظرت آيلين إلى يده قبل أن تصافحه: "آمل أن يكون بعضه جيدًا." ابتسم: "الجزء الجيد وحده لا يجعل الناس مثيرين للاهتمام." ضحك الآخرون، لكن آيلين لم تفعل. كانت تعرف هذا النوع من الرجال، أولئك الذين يتحدثون كما لو أن كل كلمة عرض لشيء لن يقولوه صراحة. أخرج إمري علبة معدنية صغيرة من جيبه، فتحها لحظة، ثم أغلقها قبل أن ترى ما فيها بوضوح: "ديريا قالت إنك تعملين كثيرًا، وتدرسين أكثر، ولا تنامين." نظرت آيلين إلى صديقتها بحدة. رفعت ديريا كتفيها: "كنت أشرح له كم أنتِ مجنونة فقط." اقترب إمري قليلًا: "لدي أشياء أفضل من الحبوب الرخيصة التي تأخذينها." تصلبت ملامح آيلين: "لا أعرف عمّا تتحدث." ابتسم دون أن يضغط عليها: "بالطبع." وفي اللحظة نفسها، شعرت بشخص يقف خلفها. التفتت. لم يكن هناك أحد، لكن للحظة قصيرة رأت ممرًا مظلمًا في مبنى قديم، ورجلًا يقف أمام شقة فارغة. كان سليم يضع يده على الباب ويحدق في الفراغ، بينما الموسيقى التي أطلقتها قبل دقائق تتردد داخل رأسه. رأته. ورآها. لم تكن أكثر من ثانية واحدة، لكنها كانت طويلة بما يكفي كي تتلاقى عيناهما. تراجعت آيلين خطوة. _"ما بك؟" سألت ديريا. رمشت، فعادت إلى الزقاق خلف النادي. حدقت في إمري، ثم في وجوه أصدقائها: "لا شيء." لكنها عرفت أنها تكذب. وفي مكان بعيد، كان سليم لا يزال واقفًا وسط الشقة الفارغة، يسمع آخر نبضة من موسيقاها تنطفئ داخل رأسه.توقف التصوير في الخرطوم للمرة الثالثة خلال ساعة. بقيت وهج واقفة في منتصف موقع التصوير، ترتدي ملابس ممزقة ومغطاة بغبار صناعي، وفي يدها مسدس فارغ أعدّ للمشهد. خلفها سيارة مقلوبة ودخان يتصاعد من براميل مشتعلة، بينما عشرات العاملين ينتظرون أن تتذكر الجملة التي نسيتها للمرة الثانية. أخفضت السلاح ببطء. كان معتصم يقف أمامها، يؤدي دور الرجل الذي جاءت لإنقاذه. نظر إليها بقلق، لكنه لم يقل شيئًا. صاح المخرج: "قطع!" خلع سماعته واتجه إليها بخطوات غاضبة: "ما الذي يحدث معك يا وهج؟" مررت يدها فوق جبهتها: "آسفة." _"لا أريد اعتذارًا. أريدك معنا. هذا مشهد مطاردة، وليس جلسة تأمل." ضحك بعض العاملين بخفوت، ثم صمتوا عندما نظر إليهم. قالت وهج: "أنا مرهقة هذه الفترة." _"كلنا مرهقون. لكنك لا تنسين جملة من أربع كلمات." أرادت أن تجيبه، لكن صوتًا آخر اخترق رأسها. *ساعدني*. صوت طفلة. نظرت حولها. الموقع مزدحم، لكن لم تكن هناك طفلة. ثم رأت للحظة الشارع المبتل بالمطر، والمرأة الميتة على الأرض. لم تر المشهد كذكرى، بل شعرت أنها جاثية بجوار وتين، تشعر ببرودة الماء حول ركبتيها. _"وهج؟" صوت معتصم أعادها. رفعت رأسها، ولم تستطع تمييز موقع التصوير من الشارع للحظة. الدخان الصناعي امتزج في أنفها برائحة المطر والدم والحديد. اقترب المخرج منها وقال بنبرة أخف: "خذي عشر دقائق. اغسلي وجهك، واشربي شيئًا." ابتعد وهو يتمتم للطاقم بإعادة تجهيز المشهد. اقترب معتصم: "ربما عليك العودة إلى البيت." _"أنا بخير." _"لا تبدين بخير." نظرت إليه بعصبية: "قلت إنني بخير." تراجع قليلًا. لم يكن غضبها موجهًا إليه، لكنهما عرفا ذلك متأخرين. أغلقت عينيها، فشعرت بقبضة تصطدم بكيس تدريب في مكان بعيد. كانت الضربة قوية إلى حد أن ألمها انتقل إلى مفاصلها. في جيجو، وجهت نون ضربة أخرى إلى الكيس الجلدي. اهتز الكيس بعنف، ثم عاد نحوها، فتفادته بخطوة جانبية وضربته بمرفقها. لم تكن تتدرب لتتعلم شيئًا جديدًا، بل لتحاول إسكات ما يدور في رأسها. كانت قد عادت إلى القاعة رغم أن معلمها أمرها بألا تعود قبل أن تواجه ما تهرب منه. لم يدخل المعلم إلى القاعة. تركها وحدها. كانت الضربات أسرع من تنفسها. كل واحدة تحمل اسمًا لا تنطقه؛ والدها، يوشين، الملف، المستثمر، وعد أمها. كلما ضربت الكيس، تذكرت يد أمها الهزيلة وهي تمسك يدها الصغيرة وتطلب منها الاعتناء بأخيها. توقفت فجأة عندما شعرت بيد أخرى تضرب معها. لم يكن أحد بجوارها. لكن ذراعها تحركت بطريقة لم تقصدها، ثم أدارت جسدها وأطلقت ركلة جانبية أكثر سرعة ودقة من حركتها المعتادة. اصطدمت الركلة بالكيس فتمزق جزء من سلسلته المعدنية وسقط على الأرض. حدقت نون فيه. شعرت للحظة بحرارة خانقة، ثم بأضواء تصوير ساطعة فوق وجهها. سمعت صوت مخرج غاضب، ورأت امرأة سودانية ترتدي ملابس مشهد أكشن وتقف أمام رجل مقيد. وهج. وفي المقابل، شعرت وهج في الخرطوم بقوة نون تسري في ساقها وذراعها. رفعت رأسها نحو موقع التصوير، وعندما طلب المخرج العودة إلى المشهد، لم تعد الحركة التي تؤديها مجرد حركة مدربة مسبقًا. صرخ: "أكشن!" اندفع رجل بدور أحد المهاجمين نحوها. كان يفترض أن تتراجع وتطلق طلقة فارغة، لكنها تحركت قبل أن تفكر. أمسكت معصمه، أدارت جسدها، وأسقطته فوق الأرض بحركة نظيفة وسريعة لم تكن ضمن السيناريو. ساد صمت مذهول. حتى الممثل الذي سقط بقي ينظر إليها من الأرض. قال المخرج: "من أين أتيتِ بهذه الحركة؟" لم تجبه وهج. لأنها كانت تحدق إلى جانب الكاميرا، حيث وقفت نون للحظة، بملابس التدريب ووجه مبلل بالعرق، ثم اختفت.كانت ريناد جالسة على سرير داخل غرفة الفحص بعد إغمائها، والسوار الطبي يحيط بمعصمها. أصرت على أنها بخير، وأنها لا تحتاج أكثر من الراحة، لكن صديقتها الطبيبة بقيت أمامها، تمسك نتائج الضغط والسكر وتتفحصها بقلق. _"كل شيء طبيعي تقريبًا." قالتها وهي تعيد الأوراق إلى الملف. _"إذن يمكنني العودة إلى عملي." _"لا." _"لدي مرضى." _"وأنتِ أصبحتِ مريضة منذ ساعة." تنهدت ريناد ونظرت عبر النافذة. كانت الشمس لا تزال ساطعة، ولم تظهر غيمة واحدة. المظلة التي حملتها من البيت استندت إلى الحائط قرب الباب، شاهدة على رعد لم يسمعه أحد سواها. دخل فادي الغرفة مسرعًا. كان يرتدي معطفه الطبي، وملامحه مشدودة بالقلق: "سمعت أنك فقدت الوعي." قالت صديقتها: "وسمعت بسرعة أيضًا." تجاهل السخرية واقترب من ريناد: "كيف تشعرين؟" _"أفضل." جلس قربها دون أن يلمسها: "كان يجب أن تخبريني أنك متعبة." نظرت إليه. كان صادقًا في خوفه عليها، وهذا ما جعل الأمر أصعب. لو كان قاسيًا أو متكبرًا كوالده، لكان رفضه سهلًا. لكنه كان رجلًا جيدًا، يحبها، وينتظر منها مشاعر لم تستطع العثور عليها في داخلها. قال بهدوء: "أبي يريد تحديد موعد رسمي للخطوبة." انخفضت عيناها إلى يديها: "الآن؟" _"ليس الآن. لكن قريبًا." شعرت بالصداع يبدأ مجددًا، كأنه استجاب للكلمة. قريبًا. أغمضت عينيها، فسمعت أمواجًا، ثم موسيقى إلكترونية، ثم ضربات متتالية فوق كيس تدريب. فتحت عينيها، ولم تعد ترى فادي للحظة، بل رأت نون تقف داخل قاعة التدريب، تحدق في الكيس الممزق. ثم انتقلت الرؤية. رأت وهج في موقع التصوير. آيلين في زقاق خلف نادٍ ليلي. سليم داخل شقة فارغة. تقوى بين طلابها. مها أمام شاشات مضاءة. ميرين تغسل وجهها تحت ماء بارد. كلهم كانوا يمرون داخلها بسرعة، كأن عقلها أصبح ممرًا مفتوحًا لا يملك أبوابًا. _"ريناد؟" مد فادي يده نحوها، فتراجعت دون قصد. توقف. ظهر الألم في عينيه، لكنها لم تملك الوقت لشرحه. همست: "أنا لا أعرف ما الذي يحدث لي." ظن أنها تتحدث عن الخطوبة. قال برفق: "لن أجبرك على شيء." لكنها كانت تنظر إلى شخص آخر يقف خلفه. المرأة الحافية القدمين. وتين. كانت شاحبة، ساكنة، وثوبها يقطر ماءً فوق أرضية المستشفى الجافة. رفعت إصبعها إلى شفتيها، ثم أشارت نحو الباب. التفتت ريناد بسرعة. لم يكن هناك أحد. وعندما عادت بنظرها، اختفت وتين. في الموصل، كانت ميرين واقفة أمام مغسلة الحمام، تترك الماء البارد ينساب فوق وجهها. لم تستطع العودة إلى النوم بعد الحلم. لم تتذكر تفاصيله كاملة، لكنها رأت فتاة صغيرة تركض في ممر مظلم، ورأت المرأة المبللة تموت للمرة الثانية. والأسوأ من ذلك أنها شعرت بالحزن كما لو أنها فقدت شخصًا تعرفه. رفعت رأسها نحو المرآة. قطرات الماء انحدرت عن ذقنها، والصداع يضغط على جانبي رأسها. ثم سمعت الموسيقى من جديد. لم تكن قادمة من الشارع، ولا من هاتفها، بل من داخل الجدران. أغلقت الصنبور. استمر الصوت. خرجت من الحمام، عبرت الممر، ثم غادرت المنزل. كانت الموسيقى تزداد كلما اقتربت من البيت المجاور. طرقت الباب، فلم يجب أحد. دفعته فوجدته غير مقفل. دخلت. كان البيت مظلمًا وخاليًا. الأثاث مغطى بأقمشة بيضاء، والغبار يكسو الأرض. عرفت أن أصحابه سافروا منذ أشهر. ومع ذلك، كانت الموسيقى تهز رأسها بقوة. تقدمت إلى غرفة الجلوس. وفجأة، اختفى البيت. وقفت وسط النادي إلى جوار آيلين. الأضواء تدور فوقها، والأجساد ترقص حولها، والهواء ممتلئ بالدخان. وضعت ميرين يديها على أذنيها، لكن الصوت كان في داخلها. التفتت آيلين من خلف المنصة، ورأتها وسط الجمهور. توقفتا تنظران إلى بعضهما. قالت ميرين، رغم أن فمها بالكاد تحرك: "أنتِ." سمعتها آيلين. لكن قبل أن تجيب، عادت ميرين إلى البيت الخالي. كانت واقفة وحدها في الظلام، ويداها لا تزالان فوق أذنيها. جاء صوت سامر الشمري من خلفها: "ميرين؟" استدارت بعنف وسحبت سلاحها. رفع سامر يديه مصدومًا: "اهدئي! أنا فقط." خفضت السلاح ببطء. نظر حوله: "ماذا تفعلين هنا؟" أجابت وهي لا تزال تسمع آخر أثر للموسيقى: "سمعت ضجيجًا." أنصت سامر. لم يسمع شيئًا. ثم نظر إليها بالطريقة نفسها التي بدأ الجميع ينظرون بها إليها مؤخرًا؛ خوف خفيف، وقلق أكبر من أن يقال بصراحة: "البيت فارغ يا ميرين." كانت تعرف. وهذا ما أخافها أكثر. في أونتاريو، توقفت تقوى في منتصف شرحها. كانت تكتب على السبورة عن حضارات قديمة آمنت بأن الأحلام ليست ملكًا فرديًا، بل أبوابًا تتنقل عبرها الأرواح والذكريات. التفتت إلى طلابها، فوجدت وجوههم جميعًا قد اختفت للحظة، وحلت محلها الوجوه السبعة الأخرى. سليم. ميرين. آيلين. وهج. نون. ريناد. مها. كلهم جالسون في مقاعد الطلاب، ينظرون إليها بصمت. رمشت. عاد طلابها الحقيقيون. سأل أحدهم: "هل أنتِ بخير يا آنسة تقوى؟" ابتسمت كعادتها، رغم أن قلبها تسارع: "نعم. فقط نسيت أين توقفت." لكنها لم تنس. كانت تعرف أنها سمعت جملة داخل رأسها، بصوت امرأة ميتة: "ذكّريهم أنهم ليسوا وحدهم". أما مها، فكانت الوحيدة التي لم تحاول الهرب من الأمر. جلست أمام حاسوبها، وفتحت ملفًا جديدًا محميًا بكلمة مرور. كتبت في أعلى الصفحة: ثمانية وجوه متكررة. امرأة تحت المطر. اتصال حسي مشترك. ثم بدأت تسجل كل ما شعرت به بدقة؛ حرارة مفاجئة، برد، رائحة معقم، موسيقى، صفارات شرطة، ومشاهد لا تخص حياتها. رسمت جدولًا، ووضعت توقيت كل رؤية، ثم قارنتها بالساعات العالمية. توقفت عندما لاحظت شيئًا. كل الرؤى حدثت في اللحظة نفسها تقريبًا. رفعت رأسها إلى الشاشات. بحثت عن أخبار غريبة، حالات إغماء، حوادث في مدن مختلفة، أي شيء يربط برلين بالموصل والأناضول والخرطوم وأونتاريو وجيجو واللاذقية. لم تجد شيئًا واضحًا، لكن حدسها أخبرها أن الحقيقة موجودة، مدفونة خلف طبقة لا تراها محركات البحث العادية. فتحت أدوات قديمة لم تستخدمها منذ سنوات. الأدوات التي كانت تستعملها عندما كانت تصنع هويات لا وجود لها. قالت لنفسها: "إن كنتم حقيقيين... فسأجدكم." وفي اللحظة نفسها، ظهر انعكاس وتين على الشاشة السوداء المجاورة. لم تلتفت مها. راقبتها فقط عبر الانعكاس. قالت: "أنتِ ميتة، أليس كذلك؟" ابتسمت وتين بحزن. ثم وضعت يدها فوق الشاشة. ظهر خلفها ظل رجل بمعطف أسود. قبل أن تتمكن مها من رؤية وجهه، تشوشت الشاشات كلها، وامتلأت برمز واحد: A.P.I ثم انطفأت. بقيت مها ساكنة في الظلام، تستمع إلى صوت المراوح داخل الحاسوب وهي تتوقف تدريجيًا. وفي مكان بعيد، داخل غرفة مراقبة بلا نوافذ، أضاءت نقطة جديدة فوق خريطة العالم. قال أحد الموظفين: "لدينا محاولة بحث غير معتادة من مارسيليا." وقف الرجل ذو المعطف الأسود خلفه. تأمل النقطة للحظات، ثم ابتسم: "دعها تبحث." سأله الموظف: "ألا نوقفها؟" أجاب بهدوء: "لا. من يبحث عن الحقيقة... يترك أثرًا أوضح ممن يهرب منها." ثم رفع عينيه إلى النقاط الثمانية المضيئة على الشاشة. كانت المسافات بينها ما تزال شاسعة. لكن الخيوط بدأت تتحرك. وكانت، للمرة الأولى، تتجه نحو بعضها.