الفصل الثاني_ أصداء العبور
القسم الأول_ ثلج لا يطفئ الشمس
كان الشتاء في أونتاريو مختلفًا عن أي شتاء عرفته تقوى في طفولتها. لم يكن مجرد فصل من فصول السنة، بل عالمًا كاملًا من البياض والصمت والبرد الطويل. في بعض الصباحات، كانت المدينة تبدو وكأنها اختفت تحت طبقة لا نهاية لها من الثلج، حتى الأشجار العارية كانت تقف ساكنة كتماثيل من زجاج، والسماء الرمادية تنخفض فوق المباني كأنها سقف ثقيل يوشك أن يلامس الأرض. في ذلك الصباح، كان الثلج يتساقط ببطء خلف النافذة الصغيرة لشقتهما المتواضعة. استيقظت تقوى قبل شروق الشمس كعادتها. لم يكن المنبه هو من أيقظها.بل القلق. ذلك القلق الذي يرافق الأشخاص الذين يعرفون أن هناك فواتير تنتظرهم، وأدوية يجب شراؤها، وحياة كاملة تعتمد على قدرتهم على الاستمرار. جلست على حافة السرير للحظات. الغرفة باردة. المدفأة القديمة تعمل بصوت متقطع، كأنها تقاوم هي الأخرى. نظرت إلى الساعة. الخامسة والنصف صباحًا. تنهدت ببطء ثم نهضت. مرّت عبر الممر الضيق المؤدي إلى غرفة والدتها. فتحت الباب بهدوء. رائحة الأدوية كانت تملأ المكان. علب الدواء مصطفة فوق الطاولة الصغيرة بجانب السرير، وبعضها أوشك على النفاد. كانت أمها نائمة. وجهها بدا شاحبًا تحت ضوء المصباح الخافت، وجسدها أضعف مما كان عليه قبل أشهر. وقفت تقوى تنظر إليها بصمت. في كل مرة كانت ترى والدتها بهذه الحالة، يعود بها الزمن إلى سنوات بعيدة. إلى جنوب أفريقيا. إلى الأيام التي سبقت الرحيل.إلى المستشفيات.إلى الخوف.إلى القرار الصعب الذي غيّر حياتهما. كانت في الثانية عشرة فقط عندما حملتا حقائبهما وغادرتا كل شيء خلفهما بحثًا عن العلاج والأمل وحياة جديدة. ومنذ ذلك اليوم... لم تتوقفا عن الكفاح. اقتربت تقوى من السرير. وضعت يدها برفق فوق يد أمها. فتحت المرأة عينيها ببطء. أبتسمت تقوى فورًا. نفس الابتسامة التي تستخدمها كل صباح مهما كان التعب _ "صباح الخير يا أمي." ابتسمت الأم بخفوت: "هل بدأ الثلج مجددًا؟" نظرت تقوى نحو النافذة: "نعم." تنهدت الأم: "يمكنكِ أخذ إجازة اليوم." ضحكت تقوى. نفس الضحكة التي كانت تضحكها دائمًا عند سماع هذه الجملة. ثم قالت عبارتها المعتادة: "لا تقلقي يا أمي... لدي إحساس بأن اليوم جميل." كانت الأم تعرف أن ابنتها تقولها حتى في أسوأ الأيام. حتى عندما لا يكون اليوم جميلًا. حتى عندما لا يبقى في الحساب البنكي إلا القليل. حتى عندما تكون الأدوية أغلى من قدرتهما.لكنها كانت تحب سماعها. لأنها تجعل العالم يبدو أقل قسوة. ____________________________________ بعد ساعة كانت تقوى تمشي وسط الثلج. الهواء البارد يلسع وجهها. والطلاب يتدفقون نحو المدرسة من كل اتجاه.كان مبنى المدرسة كبيرًا وقديمًا. بني من الطوب الأحمر الداكن. ورغم برودة الجو، كانت الحياة تدب داخله كخلية نحل.صوت الأقدام.ضحكات المراهقين.رنين الخزائن المعدنية.ورائحة القهوة القادمة من غرفة المعلمين. بمجرد دخولها... بدأت التحيات: "صباح الخير يا آنسة تقوى!" _ "صباح الخير!" _ "هل صححتِ الاختبارات؟" ضحكت. وأجابت على الجميع كعادتها. كانت محبوبة بطريقة نادرة. ليس لأنها صارمة. ولا لأنها متساهلة. بل لأنها كانت ترى الطلاب كأشخاص قبل أن تراهم كدرجات وأرقام. كانت تعرف أسماءهم. مشاكلهم. أحلامهم. حتى أولئك الذين يتظاهرون بالقوة. كانت ترى هشاشتهم. ولهذا كانوا يثقون بها. داخل غرفة المعلمين، كانت إيما ويلسون تنتظرها. شعرها الأشقر القصير مربوط بإهمال، وكوب القهوة بين يديها: "تأخرتِ دقيقتين."ابتسمت تقوى: "إذن ما زلتِ تحسبين." ضحكت إيما. كانت صداقتهما تمتد لسنوات طويلة. منذ الأيام الأولى التي وصلت فيها تقوى إلى كندا وهي لا تعرف اللغة جيدًا ولا تعرف أحدًا. إيما كانت أول شخص مد لها يد الصداقة. ومنذ ذلك الحين... بقيت تلك اليد موجودة. _ "كيف حال والدتك؟" سألت إيما. _ "كما هي." فهمت الإجابة فورًا. ولم تضغط أكثر. __________________________________ في فترة ما بعد الظهر... اجتمعت مجموعة المسرح الأدبي. عدد من الفتيات يجلسن حول طاولة طويلة.دفاتر.أوراق.نصوص.أكواب قهوة.وحماس لا ينتهي. كانت تقوى تشرف على النادي بنفس الشغف الذي تدرّس به. اليوم كانوا يتدربون على مسرحية تاريخية باللغة العربية الفصحى.إحدى الطالبات كانت تؤدي دور ملكة. وأخرى دور قائد عسكري. بينما كانت تقوى تصحح الحوارات وتضيف الملاحظات.كانت تحب هذه الساعات. لأنها تنساها للحظات من ثقل الحياة. ثم...بدأ الصداع. في البداية كان خفيفًا. مجرد ضغط خلف العين. لكنها عرفته فورًا. لقد عاد. توقفت عن الكتابة. رفعت يدها إلى رأسها. حاولت تجاهله. لكن الألم ازداد. ثم—شعرت بحرارة. حرارة جافة وقوية. ليست حرارة كندا. حرارة مكان آخر. مكان بعيد. مكان تغمره الشمس. العراق.ثم جاءت رائحة مطر. مطر بارد. وصوت مدينة أوروبية. ثم موسيقى إلكترونية بعيدة. ثم رائحة معقمات. قوية. حادّة. تملأ الرئتين. حتى كادت تخنقها. تجمدت في مكانها. رأت لمحة. رجل يقف أمام نافذة. سيجارة. عينان متعبتان. ثم امرأة ترتدي زي الشرطة. ثم فتاة آسيوية داخل قاعة تدريب. ثم ممثلة تبكي أمام الكاميرا. ثم موسيقى وأضواء ملونة. ثم ممر مستشفى أبيض طويل. سقط القلم من يدها. والطالبات ينظرن إليها بقلق. لكنها لم تعد تسمع أصواتهن. لأن العالم كله بدأ يبتعد. وفجأة...ظهرت المرأة. نفس المرأة. حافية القدمين. مبللة بالمطر. تقف أمامها. هذه المرة أقرب من أي وقت مضى. حتى أنها استطاعت رؤية قطرات الماء فوق شعرها. والحزن العميق داخل عينيها. نظرت إليها المرأة طويلًا. ثم قالت: "اقترب الوقت." شعرت تقوى بقشعريرة تجتاح جسدها: "من أنتِ؟" لكن المرأة لم تجب. العالم اختفى فجأة. ووجدت نفسها في ذلك المكان الأبيض مرة أخرى. المكان الذي لا أرض له ولا سماء. وكانوا هناك. الثمانية. لكن هذه المرة... لم يكونوا متفرقين. كانوا يقفون في دائرة كاملة.سليم.ميرين.آيلين.وهج.نون.ريناد.مها.وتقوى. الجميع ينظر إلى الجميع. والصدمة ترتسم على الوجوه. ثم التقت عيناها بعيني سليم. وشعرت بخوفه. والتقت بعيني ميرين. وشعرت بإصرارها. ثم نون... وشعرت بحزنها. وكأن المشاعر أصبحت مرئية. وكأن الحدود بين البشر بدأت تتلاشى. وفي مركز الدائرة... كانت المرأة الحافية القدمين. تنظر إليهم جميعًا. كأم ترى أبناءها للمرة الأخيرة. ثم همست: "ابحثوا عن بعضكم..." وقبل أن يكمل أحد سؤالًا واحدًا... اهتز المكان الأبيض كله. وعاد ذلك الصوت المعدني البعيد. أقوى من السابق. أقرب من السابق. كأنه وجد طريقه إليهم أخيرًا. وعندها...شعرت تقوى لأول مرة منذ بداية كل هذا... أن شيئًا ما في العالم يستيقظ. وشيئًا آخر... يقترب.