لعبة الصفر0

الفصل 7: القسم السابع_ الرسالة التي وصلت قبل مرسلها

القسم السابع_ الرسالة التي وصلت قبل مرسلها

كانت الساعة تقترب من الثامنة صباحًا عندما بدأ مبنى إدارة التحقيقات يستعيد ضجيجه المعتاد. الموظفون يتنقلون بين المكاتب بأكواب القهوة في أيديهم، أجهزة الطباعة تعود إلى عملها، والهواتف ترن بلا انقطاع.بينما كانت المدينة في الخارج تغرق تحت مطر هادئ، يجعل الزجاج يغتسل باستمرار، ويمنح السماء لونًا رماديًا يشبه لون الخرسانة التي بُنيت منها هذه المدينة. لكن مكتب آدم كان منفصلًا عن كل ذلك. الصمت داخله لم يكن يشبه الصمت في الخارج، بل كان أثقل، كأن الجدران نفسها تحتفظ بما قيل فيها خلال الليلة الماضية. ظل ملف شهادة الوفاة مفتوحًا على الطاولة. الاسم... كاتم. التاريخ... قبل ثلاثين عامًا. ولأول مرة منذ سنوات طويلة، وجد آدم نفسه عاجزًا عن اتخاذ قرار بسيط. هل يبدأ بالتحقيق في جرائم الحاضر؟ أم في موت رجل يفترض أنه انتهى قبل ثلاثة عقود؟ دخلت ليان الغرفة وهي تحمل كوبين من القهوة. لم تقل شيئًا في البداية، بل وضعت أحدهما أمامه وجلست بصمت، وكأنها فهمت أن بعض الأسئلة لا يجب أن تبدأ بالكلام. مرت دقائق طويلة لم ينطق خلالها أي منهما. كانت قطرات المطر تنساب ببطء على زجاج النافذة، ترسم خطوطًا متعرجة، ثم تختفي، بينما ظل آدم يحدق في شهادة الوفاة كما لو أنها ستتغير إذا أطال النظر إليها. قطع الصمت صوت طرقات قوية على الباب. دخل رجل طويل القامة، في بداية الأربعينيات، يحمل عدة ملفات تحت ذراعه، وعلى وجهه تلك الملامح التي تجمع بين الثقة والسخرية الدائمة: _"سمعت أنكما أعلنتما الحرب على الأشباح." لم يرفع آدم رأسه. عرف الصوت قبل أن يرى صاحبه. الرائد سامر الجبوري. زميله في قسم الجرائم الخاصة. وضع الملفات على الطاولة وهو ينظر إلى ليان مبتسمًا: "وأنتِ أيضًا؟ كنت أظنك آخر شخص يمكن أن يصدق قصص الملفات الملعونة." أجابته ليان بهدوء: "وأنا كنت أظنك آخر شخص يسخر قبل أن يقرأ." اختفت الابتسامة قليلًا من وجه سامر. فتح أحد الملفات بسرعة. بدأ يقلب الصفحات. ثم رفع رأسه: "اسم واحد في مئتي ملف؟" نظر إلى آدم: "قد يكون لقبًا لعشرات الأشخاص." لم يجب آدم. تابع سامر كلامه: "أو شبكة إجرامية تستخدم الاسم نفسه." لا يزال الصمت. ثم قال بنبرة أكثر جدية: "لكن رجلًا مات قبل ثلاثين سنة؟" ابتسم ابتسامة قصيرة: "هذه... لا أشتريها." في تلك اللحظة، دخل رجل آخر دون أن يطرق الباب. كان أكبرهم سنًا. شعره بدأ يغزوه الشيب، لكن قامته ما زالت مستقيمة، ونظرته حادة كما لو أنها اعتادت أن ترى الكذب قبل أن يُقال. العميد فؤاد الكيلاني. ساد الصمت فور دخوله. نظر إلى الملفات المنتشرة على الطاولة. ثم إلى الوجوه الثلاثة. وأخيرًا... إلى شهادة الوفاة. لم يجلس. بقي واقفًا: "منذ اثنتي عشرة ساعة وأنتم تعملون على هذه القضية." نظر إلى آدم: "أريد أن أعرف لماذا." وقف آدم أخيرًا. اقترب من الطاولة. أخذ الملف. ثم وضعه أمام العميد: "لأن الرجل الذي مات قبل ثلاثين سنة..." توقف لحظة: "...ما زال يقتل." لم يتحرك العميد. لكن عينيه تغيرتا للحظة قصيرة جدًا. لحظة كادت تمر دون أن يلاحظها أحد. إلا آدم. كانت لحظة صغيرة... لكنها كانت كافية. كافية ليعرف أن العميد... يعرف الاسم. ولو لمرة واحدة في حياته. قرأ العميد الصفحة ببطء. ثم أغلق الملف. وقال بنبرة هادئة أكثر مما توقع الجميع: "أغلقوا التحقيق." رفع سامر رأسه بدهشة. أما ليان فنظرت مباشرة إلى آدم. أما هو... فلم يشعر بالدهشة. بل شعر أن قلبه بدأ ينبض أسرع: "لماذا؟" سألها بهدوء. لم يجب العميد مباشرة. اتجه نحو النافذة. نظر إلى المطر. ثم قال دون أن يلتفت: "لأنكم بدأتم تبحثون في مكان لا يعود لهذا القسم."استدار أخيرًا. كانت ملامحه جامدة. لكن صوته... لم يكن كذلك: "انسوا اسم كاتم." ثم خرج. أُغلق الباب خلفه. وبقي الصمت يملأ الغرفة. لم يتكلم أحد. حتى سامر... الذي لا يصمت عادة... بدا وكأنه فقد الكلمات. اقترب آدم من النافذة ببطء. ظل ينظر إلى المطر. ثم قال دون أن يلتفت إليهما: "الآن..." صمت: "...أصبحت متأكدًا." سألته ليان: "متأكد من ماذا؟" أجاب وهو يراقب قطرات الماء تنزلق على الزجاج: "أن القضية لا تبدأ مع كاتم..." التفت إليهما: "...بل تبدأ مع كل شخص يخاف من ذكر اسمه." وفي اللحظة نفسها، دوّى جرس قسم الاستقبال في الطابق الأرضي. لم يكن جرسًا عاديًا. بل الجرس المخصص لاستلام الطرود المجهولة. بعد دقائق، صعد أحد عناصر الأمن يحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا، لم يكن عليه اسم مرسل، ولا عنوان، ولا حتى طابع بريدي.وضعه فوق مكتب آدم وغادر. نظر الثلاثة إليه بصمت. كان الصندوق قديمًا. مصنوعًا من خشب داكن، أكلت الرطوبة أطرافه، وأُغلق بقفل نحاسي صدئ، كأنه ظل سنوات طويلة في مكان منسي.اقترب آدم ببطء. فتح القفل. رفع الغطاء. وفي الداخل... لم يكن هناك سلاح.ولا وثائق.ولا ملفات. كانت هناك صورة فوتوغرافية واحدة فقط. صورة التقطت بالأبيض والأسود قبل زمن بعيد. خمسة رجال يقفون أمام مبنى قديم. أربعة وجوه استطاع سامر أن يتعرف عليها فورًا: "هذا... وزير الداخلية الأسبق." وأشار إلى الثاني. "وهذا رئيس جهاز الأمن السابق." ثم الثالث: "وهذا القاضي الذي اغتيل سنة أربعة وتسعين."أما الرابع... فكان رجل الأعمال الذي مات في حادث طائرة قبل عشرين عامًا. لكن الرجل الخامس... كان الوحيد الذي لا يعرفه أحد. وقف في منتصف الصورة. يداه داخل جيبي معطفه. ينظر مباشرة إلى العدسة. وجهه هادئ. لا يبتسم. لكن في عينيه شيء... شيء جعل آدم يشعر بأنه رآه من قبل.قلب الصورة ببطء. وعلى ظهرها... بخط يد قديم ومتقن... كانت هناك جملة واحدة فقط: "لا تبحثوا عن الرجل... ابحثوا عمّن أخفاه."وتحتها... كلمة واحدة.

كَاتِم.