القسم الثالث_ اكتمال الجمع
لم تنتظر القبائل حلول الليل. جاء "أبناء الغبار" من الغرب يتقدمهم فرسان نحيلون، التفّت حول وجوههم أقمشة بلون التراب، فلم يظهر منهم سوى عيون اعتادت النظر خلال العواصف. كانت راياتهم قصيرة مثبتة عند أطراف الرماح، تحمل رسم يد بيضاء مفتوحة فوق أرض سوداء. عرفت "نايرا" وقع خطواتهم قبل أن تتضح وجوههم. عرفت الطريقة التي يسيرون بها متباعدين، كيلا تبتلعهم الأرض معًا إن انشقت تحت أقدامهم، وعرفت الأجراس الصغيرة المعلقة إلى أحزمة المرشدين؛ الأجراس التي يستخدمونها في العواصف حتى لا يضيع أحدهم عن القافلة. لكنها لم تشعر بالراحة عند رؤيتهم. كان أبوها في مقدمة الصفوف. سار زعيم أبناء الغبار على قدميه، ممسكًا رمحًا من خشب أبيض نُقشت عليه أسماء أجداده. بدا وجهه أكثر قسوة مما تذكره، وقد علقت حبات الرمل في لحيته الرمادية. وما إن وقعت عيناه عليها حتى توقف. لم ينادِ اسمها. حدق أولًا في القوس الذي تحمله، ثم في القبائل المحيطة بها، وأخيرًا في الرمز الأسود المنقوش خلفها. خرج شاب من بين الصفوف، وتجاوز الزعيم من غير أن ينتظر إذنه. كان أطول من "نايرا" بقليل، عريض الصدر، ينسدل شعره الأسود فوق كتفيه وقد ربط بعضه بخيط ذهبي. حمل سيفًا مقوسًا لا يصنع مثله إلا لأبناء بيت الزعامة، وعلى عنقه قلادة حجرية يتوسطها سن ذئب. عرفته "نايرا" قبل أن يزيح القماش عن وجهه. «إيليدور.» ابن أخي أبيها، وأول من ظن أبناء الغبار أنه سيرث قيادة القبيلة إن لم يولد للزعيم ابن. توقفت عيناه عليها طويلًا، ثم انحنى فمه بابتسامة خفيفة لم تبلغ عينيه. — "بحثنا عنكِ في ثلاثة وديان." أخفضت "نايرا" قوسها، لكنها لم تعد السهم إلى جعبته: "لم أطلب منكم البحث عني." — "لم نبحث عنكِ وحدكِ. الأرض فتحت طريقًا لا يظهر في خرائطنا، والأبواق أيقظت الموتى في مقابر الغرب." اقترب منها خطوة، ثم خفض صوته: "ومع ذلك نجدكِ هنا، واقفة بين القبائل كأنكِ كنتِ تنتظرين وصولنا." قبل أن تجيبه، بلغ أبوها موضعهما. تأمل وجهها بحثًا عن جرح، ثم قال: "هل أنتِ من أطلق النداء؟" — "لا." — "إذن لماذا تقفين عند مركزه؟" نظرت نايرا إلى الدائرة: "لأن الحجر كلمني." ساد الصمت بين أبناء الغبار. رأت الشك يمر في عيني أبيها، لكن "إيليدور" كان أول من تكلم: "الحجارة لا تتكلم." أجابته من دون أن تنظر إليه: "هذه تكلمت." وقبل أن يطلب منها زعيم القبيلة تفسيرًا، ارتفع صياح من ناحية الجنوب. هبّت ريح باردة عبر السهل، محملة برائحة الملح والطحالب. تبعها ضباب أبيض زحف فوق التراب، ثم ظهرت داخله أضواء زرقاء متفرقة، كأن نجوم البحر خرجت من مياهه وصعدت إلى اليابسة. وصل "الموراي". كانوا أقل عددًا من القبائل الأخرى، لكنهم تقدموا في سكون جعل الجميع يراقبونهم بحذر. ارتدوا دروعًا صنعت من قشور مخلوقات بحرية، وحملوا رماحًا ثلاثية الأطراف تلمع عليها قطرات ماء لم تجف، رغم طول الطريق. في مقدمتهم سار رجل ضخم حليق الرأس، تتدلى من أذنيه حلقات فضية. وعلى جانبيه حمل محاربان صندوقًا طويلًا من الخشب الداكن، انسابت المياه من شقوقه وتركت خلفه خطًا رطبًا على التراب. حين بلغوا حافة السهل، ضرب الرجل رمحه في الأرض. توقف الضباب. قال بصوت عميق: "أطفأت مياه البحر مصابيح معابدنا، ثم انسحب المد حتى ظهرت عظام سفن دُفنت قبل ولادة آبائنا. وجدنا هذا بينها." أشار إلى الصندوق. أنزله المحاربان وفتحاه. في داخله استقر لوح حجري أسود، منقوش عليه الرمز نفسه المحفور بين الصخرتين. تحركت القبائل دفعة واحدة. اقترب بعضهم، وتراجع آخرون، وارتفعت همسات بلغات قديمة لم تفهم "نايرا" جميع كلماتها. قال كاهن بني زاهان: "ذلك الحجر لنا. رأيت مثله تحت جبل النار." رفع زعيم "الموراي" رمحه: "أخرجناه من أرض حكمها البحر قبل أن تحمل جبالكم أسماء." تقدمت امرأة "السروان" ذات الشعر الأبيض، وتطايرت الأوراق حول عصاها: "الرمز أقدم من البحر والجبل. جذورنا وجدته في أعماق الأرض." ضحك "إيليدور" ضحكة قصيرة: "كل قبيلة تزعم أن العالم بدأ عند حدودها." التفت إليه كاهن "زاهان"، واشتعل الغضب في عينيه: "انتبه لكلماتك يا ابن الغبار." مد "إيليدور" يده إلى مقبض سيفه: "اقترب، وسأجعلك تسمعها من مسافة أقرب." انخفضت رماح "زاهان"، وارتفعت أقواس "أبناء الغبار". وفي الجهة المقابلة، تحركت جذور أشجار "السروان" فوق التراب، بينما شكل "الموراي" دائرة مغلقة حول صندوقهم. لم يحتج السهل إلا إلى شرارة. لكن صوتًا نسائيًا جاء من صفوف "زاهان" قبل أن يشعلها أحد: "اخفض سلاحك." لم يكن الصوت مرتفعًا، ومع ذلك أطاعه أقرب المحاربين قبل أن يلتفتوا إلى صاحبته. انفصلت شابة عن صفوف بني "زاهان" وتقدمت إلى جوار الكاهن. لم ترتدِ خوذة، وكان شعرها أسود تتخلله خصل رمادية كأن الرماد استقر فيه منذ ولادتها. غطى كتفها الأيسر درع من معدن قاتم، بينما بقي ذراعها الآخر مكشوفًا، وقد امتد عليه أثر حرق من الرسغ حتى المرفق. ثبتت عينيها على إيليدور: "إن كنتَ تريد القتال، فستجده. لكن ليس قبل أن نعرف مَن جمعنا هنا." أرخى "إيليدور" قبضته عن السيف، وإن لم يبعد يده عنه. سألها ساخرًا: "وهل أصبحت نساء زاهان يأمرن محاربي الجبال؟" أجابته: "حين يتصرف رجالها كأطفال، نعم." تعالت ضحكات مكتومة بين "أبناء الغبار"، فازداد وجه الكاهن صلابة. أما "إيليدور"، فتأملها باهتمام لم يخلُ من الحذر. قال الكاهن: "هذه أشيرة، وليدة الرماد، حاملة عهد النار." وقعت عينا "أشيرة" على "نايرا". تأملتها طويلًا، ثم نظرت إلى النار الميتة داخل وعاء الكاهن: "أنتِ التي انحنت لها الشعلة." قالت نايرا: "لم أطلب منها ذلك." — "النار لا تنتظر أن يُطلب منها." اقتربت "أشيرة" من الدائرة، فتقدم والد "نايرا" ليمنعها، لكن ابنته رفعت يدها إليه. لم تكن تعرف لماذا، إلا أنها شعرت بأن الحجر يراقب القادمة الجديدة. وقفت "أشيرة" عند طرف الرمز الأسود. اشتعل أثر الحرق على ذراعها بلون أحمر خافت. شهق بعض محاربي "زاهان"، وركع اثنان منهم، لكن "أشيرة" لم تتراجع. مدت يدها نحو الأرض، وحين قاربت أصابعها الخط المنقوش، انطلقت شرارة حمراء من الدائرة وضربت كفها. ارتدت خطوة. لم تصرخ. أطبقت أصابعها على يدها المحترقة، وحدقت في الحجر بغضب. قال كاهن زاهان: "لقد اختبركِ." أجابته أشيرة: "بل رفضني." عادت الأنظار إلى "نايرا". شعرت بثقلها جميعًا: نظرة أبيها القلقة، ونظرة كاهن "زاهان" المرتابة، وفضول زعيمة "السروان"، وصمت "الموراي". لكن نظرة "إيليدور" كانت الأشد. لم يكن خائفًا. كان يحاول أن يفهم لماذا وقفت هي حيث أراد الجميع الوقوف. خرج إلى مركز السهل وقال: "إن كان الحجر يختار من يقترب منه، فلنختبره جميعًا." حاول زعيم أبناء الغبار إيقافه: "إيليدور." لكنه لم يلتفت. خلع قلادة الذئب عن عنقه ولفها حول قبضته، ثم تقدم نحو الدائرة بثقة. انفتحت له الصفوف، وراقبته "نايرا" حتى وقف في المكان نفسه الذي وقفت فيه "أشيرة". قال لها: "أين لمستِه؟" — "لم ألمسه أول مرة. هو الذي فتح عينه." ظهرت على وجهه ابتسامة ساخرة: "الحجارة تحدثكِ وتفتح عيونها لكِ. ماذا بقي؟ أن تنحني القبائل أمامكِ؟" انقبض فك أبيها، لكن "نايرا" لم تجبه. ركع "إيليدور" ومد يده. ما إن لامست أصابعه الخط الأسود حتى دوى صوت عميق تحت الأرض. لم يخرج ضوء، ولم تظهر العين الحجرية. انشقت التربة تحت ركبته، واندفع منها هواء بارد دفعه إلى الخلف. هبّ محاربو "أبناء الغبار" نحوه، لكنه نهض قبل أن يصلوا إليه. نزف كفه حيث انغرست قلادة الذئب في جلده. رفع يده ونظر إلى دمه، ثم إلى "نايرا". قال كاهن زاهان: "رفضه أيضًا." — "اصمت"، صاح "إيليدور". ارتج السهل. هذه المرة لم يكن الاهتزاز بسبب الحجر وحده. تشققت الأرض حول الدائرة في أربعة اتجاهات، وامتد كل شق نحو قبيلة من القبائل. اشتعلت النار السوداء داخل وعاء "زاهان"، وارتفعت جذور "السروان" من التراب، وفاض الماء من صندوق "الموراي"، بينما دارت عاصفة صغيرة حول أقدام "أبناء الغبار". تراجعت القبائل، لكن الشقوق أحاطت بهم وأغلقت طرق العودة. ثم انفتح الرمز. ارتفعت الدائرة الحجرية من الأرض ببطء، وانفصل التراب عنها حتى ظهرت بوابة سوداء مستديرة، قائمة بين الصخرتين. لم يكن خلفها شيء سوى ظلام كثيف، لكن شيئًا تحرك في أعماقه. خرج صوت الحجر: — «أربعة دماء.» ارتعشت الأرض. — «أربعة عهود.» تقدمت "أشيرة" نصف خطوة، وقد انعكس الضوء الأخضر على وجهها: "أي عهد؟" أجاب الصوت: — «عهد يمنع الفناء.» اندفعت من البوابة ريح حملت صرخات بعيدة. لم تكن صرخات محاربين في معركة، بل أصوات قبائل كاملة؛ أطفال ونساء وشيوخ، تختلط أصواتهم بصليل الحديد وهدير مخلوقات لم يرها أحد منهم. لمحت "نايرا" داخل الظلام صورًا متقطعة. غابات تحترق. جبالًا تنشق. بحرًا يتحول إلى لون أسود. وقرى من أبناء الغبار مدفونة تحت الرمال. رأت القبائل الصور نفسها، لأن الغضب اختفى من وجوههم وحل محله الذهول.