مملكة البدو « أسترال »

الفصل 1: المقدمة التمهيدية: قبل أن يكون للشتات راية

المقدمة التمهيدية

قبل أن يكون للشتات راية

قبل أن تُسمّى الصحراء صحراء، وقبل أن ترسم الممالك حدودها فوق التراب، كانت الأرض فضاءً بلا آخر؛ تمتد تحت السماء كبحرٍ ذهبيٍّ لا شاطئ له، وتعبره الرياح حاملةً أسماء الذين مرّوا به، ثم تمحو آثارهم قبل أن يبلغوا الجهة الأخرى. لم تكن هناك طرق. فالطريق في القفار لا يعيش طويلًا، ولا يظل في مكانه منتظرًا أقدام المسافرين. كان يظهر لمن تعرفه النجوم، ثم يختفي خلفه كأن الرمال ابتلعته. ومن ضلّ عن نجمه، لم يكن يجد نفسه تائهًا بين الجهات فحسب... بل كان يفقد اسمه شيئًا فشيئًا، حتى تنساه القبيلة التي خرج منها. لهذا لم يقل البدو يومًا إنهم يسكنون الصحراء. كانوا يقولون إن الصحراء تسمح لهم بالمرور. ومنذ الأزمنة التي لم يبقَ منها سوى أغنياتٍ ناقصة، عاشت العشائر متفرقة بين القفار. لكل عشيرة نارها، ولكل قبيلة رايتها، ولكل شيخٍ بئرٌ يحرسها كما يحرس الملك عرشه. كانوا يتبادلون الملح حينًا، ويتبادلون الدم أحيانًا، ثم يرحلون قبل أن تُسأل الأرض لمن تنتمي. لم يخضعوا لملكٍ واحد. ولم يجتمعوا تحت رايةٍ واحدة. فالرجل الذي يولد تحت سقف خيمة، ويقضي عمره متتبعًا النجوم، لا يرى في الأسوار حماية، ولا في العروش مجدًا. كان وطنه حيث تنام ناقته، وحدوده حيث يبلغ بصره، وقانونه العهد الذي ينطقه أمام النار. وحدها السماء كانت فوق الجميع. كان البدوي يرفع رأسه إليها حين تضيق به الأرض، فيجد بين نجومها ما لا يجده في الخرائط: بئرًا مخفية، أو ممرًا آمنًا، أو نجمةً تشير إلى جهةٍ لم يسمع بها أحد. وكان الشيوخ يرددون أن لكل قبيلة نجمًا يحرسها؛ فإذا انطفأ، تفرّق أهلها في البلاد، وإذا سقط، سقطت رايتها معه. لكنهم كانوا يتجنبون الحديث عن النجمة التي لا تنتمي إلى قبيلة. نجمة وحيدة تظهر في الليالي التي تسكت فيها الريح، عند أقصى الشمال، على حافة السماء التي لا يبلغها المسافرون. لم تكن ثابتة كسائر النجوم، ولا تسير في مسار تعرفه العرّافات. كانت تظهر حينًا وتختفي أعوامًا، ثم تعود في موضعٍ آخر، كأنها تبحث عن شيء أضاعته منذ بدء الخليقة. سمّاها بعضهم نجمة الفراغ. وقال آخرون إنها ليست نجمة، بل عين الصحراء المفتوحة على عالمٍ لا يعرفه البشر. أما أقدم الشيوخ، الذين ورثوا الحكاية عن آبائهم كما يرث المرء سيفًا أو جرحًا، فكانوا يسمّون الذين ساروا وراءها: رحّالة الفراغ. لم يكونوا قبيلةً معروفة، ولم يُذكر لهم نسب أو موطن. تقول الحكايات إنهم ظهروا في زمنٍ كادت فيه الرمال تبتلع القبائل كلها، فعبروا القفار في ليلةٍ بلا قمر، وساروا في طريق لم يكن موجودًا قبل خطوتهم الأولى. لم يحملوا رايات. ولم يتركوا قبورًا. وحين سألهم الناس من أي أرضٍ جاءوا، أجاب كبيرهم: "نحن لا نأتي من أرض... نحن نبحث عن الأرض التي ستأتي منّا.“ ضحك بعضهم من قوله، وخاف آخرون. لكن قبل طلوع الفجر، كان الرحّالة قد اختفوا، ولم يبقَ خلفهم سوى دائرةٍ من الرماد الأسود وعبارة محفورة على حجر:

حين تضيق الأرض بأهلها، سيفتح الفراغ طريقه.

ظل الحجر مدفونًا قرونًا تحت الرمال. تغيّرت القبائل من حوله، وجفّت آبار وظهرت أخرى وسقط شيوخ ونهض أبناؤهم، حتى أصبحت الحكاية أغنية يرددها الأطفال ولا يصدقها الرجال. ومع ذلك، بقيت الجدّات يحذّرن أبناءهن من ليلة عودة النجمة. كنّ يقلن إن نجمة الفراغ لا تظهر لتقود قافلة ضلّت طريقها، بل لتعلن أن زمنًا كاملًا قد ضلّ. وحين يشتعل نورها، لا يبقى بيت في موضعه، ولا تظل راية فوق رمحها، ولا يعرف السيد إن كان سيصبح عبدًا، أو يعرف العبد أيصحو يومًا ملكًا. لكن القبائل لم تستمع. كانت مشغولة بثاراتها القديمة، وبالآبار التي تتنازعها، وبالحدود التي ترسمها صباحًا وتمحوها الرياح مساءً. ظنت كل عشيرة أن نجاتها لا تحتاج إلى سواها، وأن النار البعيدة لن تصل إلى خيامها ما دامت مشتعلة في أرض الآخرين. ولم يدركوا أن النار لا تعترف بالمسافات. ففي الجنوب، خلف الجبال السوداء، كانت إمبراطورية لا تنظر إلى الصحراء بوصفها أرضًا فارغة، بل أرضًا لم تُخضع بعد. ارتفعت أبراجها وسط الدخان، وسارت جيوشها تحت راياتٍ حمراء، وتناقل التجار أخبار الحاكم يريد أن يجعل الجهات كلها تنحني أمام حكمه. في البداية، وصلت الأخبار كهمساتٍ متقطعة. قافلة لم تعد. حصنٌ سقط في ليلة. قريةٌ وجدوها خالية إلا من رماد أبوابها. ثم بدأ الناجون يظهرون عند أطراف القفار؛ رجالًا بلا أسلحة، ونساءً يحملن أطفالًا لا يبكون، وشيوخًا يلتفتون خلفهم كلما تحركت الريح. كانوا يتحدثون عن جنود يلبسون الحديد الأسود، وعن خيولٍ لا تتوقف، وعن نارٍ تُشعل الحجارة قبل الخشب. كانوا يذكرون اسمًا واحدًا بصوت خافت:

شاهْران.

سمع شيوخ القبائل الاسم، ثم عاد كل واحد منهم إلى خيمته. بعضهم قال إن الشرق بعيد. وبعضهم قال إن الجبال ستحمي الصحراء. أما الذين صدقوا الأخبار، فظنوا أن في وسعهم عقد الصلح منفردين، وأن النار ستكتفي بقبيلةٍ واحدة ثم تعود من حيث أتت. لم يجتمعوا. فقد كان اجتماع القبائل حلمًا أقدم من أن يصدقه أحد، وأصعب من أن يصنعه شيخ أو ملك. كيف يجلس قاتل الابن إلى جانب أبيه؟ وكيف تتقاسم عشيرتان بئرًا سال الدم من أجلها؟ وكيف تحمل الريح راياتٍ كثيرة من دون أن تصطدم إحداها بالأخرى؟ لهذا ظلّت كل رايةٍ وحدها. وظلت كل نارٍ تشتعل بعيدًا عن الأخرى. حتى جاءت الليلة التي سكتت فيها الصحراء. لم تعوِ الذئاب، ولم تصهل الخيول، وتوقفت الريح كأن يدًا عظيمة أمسكت بها فوق الرمال. خرج الناس من خيامهم ورفعوا رؤوسهم نحو السماء، يبحثون عن سبب الصمت. وهناك، عند أقصى الشمال، ظهر نور لم يره أكثرهم من قبل. نجمة بيضاء تميل إلى الزرقة، أشد لمعانًا من القمر، تتحرك ببطء بين النجوم الثابتة. عبرت السماء من الشرق إلى الغرب، ثم توقفت فوق القفار التي لم تكن تنتمي إلى أحد. في تلك اللحظة، تذكّر الشيوخ الحكاية التي سخروا منها طويلًا. وتذكرت الجدّات العبارة المدفونة تحت الرمال. وفي مكان مجهول، انشقّ التراب عن حجرٍ أسود ظل نائمًا مئات السنين. تساقط الرمل عن سطحه، وظهرت الكلمات القديمة من جديد:

حين تضيق الأرض بأهلها، سيفتح الفراغ طريقه.

لكن أحدًا لم يرَ الحجر. وأحدًا لم يعرف أن الطريق قد بدأ يُفتح بالفعل. كانت العيون معلقة بالسماء، بينما في الجنوب ارتفع وهج أحمر خلف الجبال، كأن فجرًا دمويًّا يولد قبل أوانه. ثم وصل صوت خافت، بعيد في البداية، قبل أن يتردد تحت الأرض ويقترب شيئًا فشيئًا. لم يكن رعدًا. كان وقع آلاف الخيول. وفي تلك الليلة، لم تكن الصحراء تنتظر جيشًا فحسب. كانت تنتظر سقوط عهدٍ كامل، وولادة عهدٍ لم يحمل اسمًا بعد. قبل أن يصير للشتات اسم، كان قبائلَ تمشي منفردة تحت النجوم. وقبل أن يكون للشتات وطن، كان عليه أن يخسر كل الطرق التي عرفها. وفي الليلة التي بدأ فيها أول تاجٍ يتصدع... بدأت الصحراء تبحث عمّن يستطيع جمع راياتها.