القسم الرابع
رقعة الممالك___________________________________________
لم يكن القرار بإرسال "سلامار" إلى جزيرة "برافوس" قرارًا سهلًا، رغم أن المهمة بدت في ظاهرها امتدادًا طبيعيًا لمنصبها الجديد. فمنذ تعيينها رسولةً رسمية لمملكة "أستاريا"، حملت رسائل كثيرة عبر الطرق القديمة، وعبرت حدود ممالك لا تثق ببعضها، وجلست أمام حكام اعتادوا أن يزنوا كل كلمة يسمعونها كما يزن الصائغ معدنًا مجهولًا قبل أن يمنحه قيمة. لكنها لم تحمل من قبل رسالة يمكن أن تحدد ما إذا كانت الممالك ستقف مع "أستاريا"، أم ستراقبها وهي تنهار. كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب عندما وقفت "سلامار" في ساحة القصر الداخلية. أُلقي على كتفيها رداء سفر أزرق داكن، وثُبّت عند عنقها بختم فضي يحمل شعار "أستاريا". وإلى جانبها وقف حصان أسود طويل القامة، اختارته "راغنير"ا من خيول فرسان الحدود، لأن الطريق المؤدي إلى الميناء لم يعد آمنًا كما كان. لم تكن الساحة خالية، رغم الهدوء الذي خيّم عليها. وقفت قائدة الجيش "راغنيرا" قرب بوابة القصر، يحيط بها عدد من الجنود المختارين بعناية. كانت نظراتها تتنقل بين الأبراج والأسوار والوجوه، وكأنها لم تعد تسمح لأي حركة عابرة بأن تمر دون أن تضع لها احتمالًا خفيًا. اقتربت من "سلامار"، ثم مدت إليها لفافة مغلقة بالشمع الأزرق. قالت: "هذه الرسالة لا تُفتح إلا أمام مجلس جزيرة السادة."أخذتها "سلامار" بكلتا يديها. كان وزن اللفافة خفيفًا، لكن ما تحمله أثقل من السلاح الذي عُلّق عند خصرها. سألت: "ومن يمثل أستاريا في الاجتماع؟" تأخرت "راغنيرا" لحظة قبل الإجابة، ثم نظرت نحو درجات القصر، حيث كانت الملكة "سيرافينا" تقف بين "أوريانا" و"دالميرا."قالت الملكة: "أنتِ." رفعت "سلامار" رأسها نحوها، ولم تستطع إخفاء دهشتها بالكامل. "أنا رسولة، مولاتي. أنقل الكلمات، ولا أصنع القرارات." نزلت "سيرافينا" الدرجات ببطء. كانت ملامحها هادئة، لكن الأيام الأخيرة تركت أثرًا واضحًا في عينيها، أثر امرأة أدركت أن المملكة التي ورثتها لا تشبه المملكة التي ستضطر إلى إنقاذها. قالت: "في الأيام العادية، قد يكون الفرق واضحًا بين من ينقل القرار ومن يصنعه. أما الآن، فقد تكون الكلمة التي تختارين عدم قولها أهم من الرسالة كلها." توقفت أمامها، ثم أضافت: "لا تمنحيهم وعدًا بالحرب، ولا تطلبي منهم ولاءً لا يستطيعون تقديمه. أخبريهم أن "أستاريا" ما زالت واقفة، وأن ما استيقظ تحتها لن يبقى داخل حدودها إن تُرك دون مواجهة." اقتربت "دالميرا"، وسلمت "سلامار" صندوقًا خشبيًا صغيرًا لا يتجاوز طول الكف. كان مغلقًا بثلاثة أقفال رفيعة، وقد حُفر فوق سطحه رمز شجرة تتفرع جذورها إلى سبعة اتجاهات. قالت الوزيرة: "هذا سيُسلَّم إلى ملك السنديان، "حارث"، دون وسيط." تأملت "سلامار" الصندوق. "ما بداخله؟" أجابتها "دالميرا": "دليل على أن ما شعر به علماء مملكته ليس اضطرابًا عابرًا في النجوم." كان "فايرُن" يقف عند طرف الساحة، صامتًا منذ بداية الاستعدادات. لم يقترب إلا عندما وضعت "سلامار" قدمها في الركاب. عندها رفع عينيه نحوها وقال: "حين تصلين إلى الجزيرة، لا تثقي بمن يطلب منك الثقة." ابتسمت ابتسامة متعبة. "نصيحة واسعة، يا سيدي المستشار." قال بلا ابتسام: "لهذا ستنقذك." ثم نظر إلى الختم المثبت على اللفافة، قبل أن يضيف: "وإذا سألك اللورد "زاهير" عمّا يوجد تحت "أستاريا"، فقولي له إننا وجدنا السؤال، لا الإجابة." عقدت "سلامار" حاجبيها. "وهل سيفهم؟" أجاب "فايرُن": "سيفهم أكثر مما ينبغي." انفتحت البوابة الملكية ببطء، وغادرت "سلامار" بصحبة ستة فرسان. ظلت "سيرافينا" تتابعهم حتى اختفت خيولهم خلف المنعطف المؤدي إلى الطريق الغربي، ثم قالت دون أن تلتفت: "هل ستصل؟" أجابتها "راغنيرا": "سأجعل الطريق إليها أكثر أمانًا." أما "فايرُن" فقال: "الطريق ليس ما أخشاه." نظرت إليه الملكة. لكنه لم يضف شيئًا. بعد يومين، كانت سفينة صغيرة تحمل راية أستاريا تعبر المياه المتقلبة نحو جزيرة السادة. ظهرت الجزيرة في الأفق كحصن رمادي ينهض من البحر، تحيط به أسوار عالية وأبراج مراقبة لا تحمل شعارات عسكرية، بل رموزًا للعهود القديمة التي منحتها حيادها. وقفت "سلامار" عند مقدمة السفينة، تقاوم الريح وهي تتأمل الجزيرة التي اجتمع فيها حكام الممالك مرارًا لتجنب الحروب، ثم خرجوا منها أحيانًا حاملين أسبابًا جديدة لإشعالها. لم تكن "برافوس" عاصمة لمملكة، لكنها امتلكت ما لم تمتلكه ممالك كثيرة: القدرة على جعل الجميع يأتون إليها. حين دخلت السفينة الميناء، كان عشرات العمال والجنود والرسل يتحركون فوق الأرصفة. رايات مملكة "السنديان" وملكة "أسترال" ومملكة "إندورال" ترفرف قرب السفن الراسية، بينما ارتفع في الطرف البعيد راية حمراء لا يحمل سوى الشعلة السوداء عرفت "سلامار" لمن يعود ذلك الشراع دون أن تسأل. مملكة "غورموث". استقبلها أحد موظفي الجزيرة، رجل قصير يرتدي رداءً رماديًا ويحمل سجلًا جلديًا. قال وهو ينحني: "رسولة أستاريا، أهلًا بكِ في "برافوس". كان مجلس الممالك ينتظر وصول ممثل عنكم." أجابته: "هل بدأ الاجتماع؟" _"الاجتماع المعلن لم يبدأ بعد." توقفت عند العبارة: "وهل هناك اجتماع غير معلن؟" رفع الرجل نظره إليها للحظة، ثم خفضه نحو سجله: "في جزيرة السادة، سيدتي، تبدأ الاجتماعات قبل أن تُفتح أبواب القاعات." عرفت "سلامار" عندها أن نصيحة "فايرُن" لم تكن مبالغة. في الجناح الغربي من قصر الجزيرة، بعيدًا عن القاعة الكبرى التي جُهزت لاستقبال الحكام، جلس اللورد "زاهير" أمام طاولة صغيرة مستديرة. لم يكن حولها ملوك، بل أشخاص لا تظهر أسماؤهم عادةً في سجلات الاجتماعات الرسمية: مستشار من مملكة "أسترال"، قائد سفن من "السنديان"، تاجر ذو نفوذ من موانئ "إندورال"، وامرأة ترتدي رداءً أخضر لا يحمل أي شعار. أمام كل واحد منهم كأس لم يُمس، وفي وسط الطاولة وُضعت رقعة شطرنج ذات قطع مختلفة الأشكال. لم تكن الرقعة للعب، بل كانت تمثل خريطة الممالك. احتل التاج الأزرق موقع "أستاريا"، والشجرة الذهبية موقع "السنديان"، والخيمة الفضية أراضي البدو "أسترال"، بينما وُضعت قطعة سوداء بلا ملامح في الطرف الشرقي. حرك "زاهير" قطعة صغيرة من قرب "أستاريا" إلى وسط الرقعة. قال قائد السفن: "من تمثل هذه؟" أجاب "زاهير": "رسالة في طريقها إلى المجلس." قال المستشار البدوي: "سمعنا أن "أستاريا" أرسلت رسولة جديدة. لماذا لم يأتِ المستشار "فايرُن" بنفسه؟" ابتسم "زاهير" دون أن يرفع عينيه عن الرقعة: "لأن "فايرُن" لا يترك المملكة عندما تكون القطع داخلها أكثر خطورة من القطع خارجها." قالت المرأة ذات الرداء الأخضر: "أو لأنه يخشى أن ينكشف ما يعرفه." رفع "زاهير" نظره إليها. "الجميع يخشى انكشاف ما يعرفه. الفرق أن بعضنا يعرف كيف يجعل الآخرين ينشغلون بأسرارهم قبل أن يسألوا عن أسراره." ساد صمت قصير. ثم مدّ يده إلى قطعة مملكة "غورموث"، لكنه لم يحركها. قال قائد السفن: "هل ستهاجم؟" أجابه اللورد "زاهير": "ليس الآن." _"وكيف تعرف؟" _"لأن الهجوم سيمنح "أستاريا" عدوًا واضحًا. ومملكة "غورموث" لا تريد أن تمنحها هذه الرحمة." تبادل الجالسون النظرات. تابع "زاهير": "العدو الواضح يوحّد الممالك. أما الخوف الذي لا يُعرف مصدره، فيقسمها. سيتركون "أستاريا" تقاتل أشباحها وخونتها وأسرارها، ثم يعرضون المساعدة على أول من يخرج من رمادها." قال المستشار البدوي: "من سيخرج؟" ابتسم "زاهير"، ثم حرك أربع قطع صغيرة بعيدًا عن التاج الأزرق، ووضعها على الطريق المؤدي إلى القطعة السوداء: "أشخاص لم يدركوا بعد أن ملجأهم القادم أصبح مستعدًا لاستقبالهم." لم يسأله أحد عن أسمائهم. إلا أن المرأة الخضراء ظلت تحدق في القطع الأربع طويلًا. "نيريون". "دافني". "إيليثرا". و"سولو". لم ينطق "زاهير" الأسماء، لكن الرقعة بدت كأنها فعلت ذلك نيابةً عنه.