القسم الخامس
ظلال المنشقين__________________________________________
وفي مملكة "غورموث"، خلف الجبال الداكنة التي لم تصلها شمس كاملة منذ أجيال، كانت القلعة السوداء التي تعرف بقلعة "مورغاد" تستقبل ليلها قبل بقية العالم. امتدت الأبراج الحادة فوق السماء كأصابع متفحمة، بينما اشتعلت النيران الزرقاء في الفناء دون أن تمنح دفئًا لمن يمر بجانبها. كانت الجدران العتيقة للقلعة تتنفس برودة أزلية، كأن الحجارة نفسها حُفرت من ذكريات الموتى والأحقاد القديمة التي لم تطمرها العصور. ولم تكن تلك النيران الزرقاء مجرد مشاعل للاستضاءة، بل كانت طقوسًا مستمرة تُغذيها دماء القرابين وأسحار أقدم من ميثاق الممالك السبع. ترسل ألسنتها نحو السماء لتقييد العرافين وحجب رؤى النجوم عن كشف ما يُحاك في هذا معقل الظلام. في قاعة طويلة خالية من الزخارف، وقف رجل أمام عرش مرتفع لم يظهر الجالس عليه كاملًا. أخفت الظلال وجه ملك الأشرار، ولم يظهر منه سوى يد تستقر على ذراع العرش وخاتم أسود يحيط به ضوء أحمر خافت. أما الرجل الواقف أمامه، فقد ارتدى عباءة قرمزية داكنة، ورفع رأسه بثقة لا يملكها عادةً من يقف أمام الملوك. كان الرجل هو"مرثاد فالكور"، لكن الممالك لم تعرفه باسمه بقدر ما عرفته بلقبه: وزير الفتنة. قال الملك من داخل الظلام: "استيقظ الشيء تحت أستاريا، واجتمع الحكام في جزيرة السادة، وما زلت تطلب مني الانتظار." أجاب مرثاد: "لأن الجيوش تُهزم عند الأسوار، أما الممالك فتُهزم في مجالسها." _"تريدهم أن يقتل بعضهم بعضًا؟" _"أريدهم أن يختلفوا حول من يجب إنقاذه أولًا." تحركت يد الملك فوق ذراع العرش. تابع الوزير: "إن هاجمنا أستاريا الآن، ستقف مملكة العرب والبدو وربما الألف إلى جانبها, سيخشون تمددنا أكثر من خشيتهم لما استيقظ تحتها. أما إذا تركنا أستاريا تنقسم، فستطلب أطرافها الحماية بنفسها." قال الملك: "أي أطراف؟" اقترب "مرثاد" من الطاولة الحجرية الموضوعة وسط القاعة. فوقها انتشرت خريطة العالم، وقد وُضعت أربع علامات سوداء خارج حدود "أستاريا." قال: "عراف فقد سماءه، وقاضية فقدت ميثاقها، وكاهنة اختارت الطقوس على التاج، وأفعى لا تؤمن إلا بالفوضى." لمعت عينا الملك من الظلام: " لكنهم فقط أربعة." _"اليوم." رفع "مرثاد" إصبعه ووضعه فوق طرق التجارة المؤدية إلى أستاريا: "لكن الرجال لا يتبعون الرايات دائمًا. أحيانًا يتبعون الغضب. وهؤلاء الأربعة يحملون من الغضب ما يكفي لجمع جيش، إن وجدوا من يمنحهم المال والسلاح والمكان." سحب "مرثاد" نفسه خطوة إلى الخلف، متأملًا الأسماء التي لا تزال تنبض بالخيانة والغضب. كان يعرف أن "نيريون"، و"دافني"، و"إيليثرا"، و"سولو"، لم يكونوا مجرد أرقام في لعبة الشطرنج، بل كشُف عنهم الغطاء ليصبحوا نصل الخنجر الذي سيُطعن به قلب أستاريا من الداخل. إن خطورتهم لا تكمن في قوتهم السحرية أو قتالهم الفردي فحسب، بل في الأسرار والمواثيق التي يحملونها تحت عباءاتهم، والطقوس التي أخذوها من مكتبات المحظورات قبل فرارهم. والتي تملك القدرة على حلّ السحر القديم وتجريد التاج الأزرق من هيبته أمام الممالك. قال الملك: "وأنت ستمنحهم ذلك؟" ابتسم "مرثاد": "سأمنحهم ما يجعلهم يظنون أن القرار قرارهم." ساد الصمت في القاعة. ثم قال الملك: "وماذا تريد في المقابل؟" رفع وزير الفتنة نظره نحو العرش: "أبواب أستاريا." لم يرد الملك مباشرة، لكنه حرك إصبعه فوق الخاتم الأسود. وفي اللحظة التالية، اشتعلت النيران الزرقاء في القاعة بارتفاع مفاجئ. قال: "افعلها." انحنى "مرثاد" انحناءة خفيفة. وقبل أن يستدير، أضاف الملك: "لكن لا تثق بالأفعى." ابتسم الوزير دون أن يلتفت: "الأفاعي لا تحتاج إلى الثقة، يا مولاي. تحتاج فقط إلى اتجاهٍ تزحف نحوه." في جزيرة السادة، دخلت "سلامار " القصر مع حلول المساء. قادها أحد الحراس عبر رواق طويل تزينه تماثيل الحكام الذين وقعوا أول ميثاق حياد للجزيرة. كانت أبواب القاعة الكبرى مغلقة، لكن أصواتًا خافتة تسربت من خلفها، ما أكد لها أن بعض الحاضرين بدأوا الحديث قبل الموعد الرسمي. نظرت "سلامار" إلى التماثيل الرخامية التي اصطفت على جانبي الرواق؛ حكام وقادة ماتوا منذ قرون ولكن نظراتهم الحجرية بقيت شاخصة كأنها تحذر كل من يطأ هذه الأرض من خطورة نكث العهود. شعرت بثقل المسؤولية يضغط على صدريتها الفضية. فكل جدار في قصر "برافوس" يحفظ صدى خيانات سابقة تحولت إلى حروب طاحنة، وكل خطوة تنقلها داخل هذا المعبر قد تكون هي الفاصلة بين سلامٍ هش أو طوفانٍ من الدم السحري يغمر قارتهم بأكملها. حين وصلت إلى جناح الضيوف، وجدت رجلًا ينتظرها قرب النافذة. كان اللورد "زاهير". لم يتحرك من مكانه، واكتفى بالنظر إلى الختم الأزرق على عباءتها. قال: "إذن أرسلت أستاريا صوتًا جديدًا." أجابته "سلامار": "أرسلت رسالتها." _"الرسائل أصوات أصحابها، ولو كُتبت بالحبر." اقترب خطوة، لكن "سلامار" لم تتراجع. سألها: "ماذا استيقظ تحت مملكتك؟" تذكرت كلام "فايرُن". ثم قالت: "وجدنا السؤال، لا الإجابة." توقفت ابتسامة "زاهير" لحظة قصيرة، ثم عادت أهدأ من السابق: "ما زال يعرف كيف يختار كلماته." _"ويعرف أيضًا لمن يرسلها." أمال رأسه قليلًا. "وهل أرسل لي شيئًا آخر؟" أجابته: "لم يذكر أنك تستحق أكثر." ضحك "زاهير" بخفة، ثم نظر إلى البحر خلف النافذة: "تعلمين، يا سلامار، أن الرسولة الجيدة لا تنقل ما قيل فقط، بل تعرف ما الذي يجب أن تعود به." _"ولهذا وصلت." التفت إليها، وفي عينيه ظهر اهتمام حقيقي هذه المرة. قال: "إذن عودي بهذه الحقيقة: اجتماع الغد لن يكون لتقرير من يساعد "أستاريا". سيكون لتقرير من يستفيد من ضعفها." لم تكن نبرة "زاهير" تحمل تشفّيًا، بل كانت أشبه بحسابات رياضي بارد يرى السقوط قبل أن يراه الجدار نفسه. كان يعلم أن السحر الأزرق الذي طالما حمى "أستاريا" بدأ يتقلب، وأن الملوك الجالسين في القاعة الكبرى لا يبحثون عن حلفاء بل عن غنائم يُعاد توزيعها إذا ما سقط التاج. وكل حجر ينهار من القصر الملكي هناك، يوازي وزنه ذهبًا في الموانئ والمجالس التجارية لجزيرة السادة. شدت "سلامار" قبضتها فوق اللفافة المختومة: "أستاريا ليست ضعيفة." _"ليس بعد." مرّ بينهما صمت مشدود. ثم ابتعد "زاهير" عن النافذة، وترك لها الطريق نحو غرفتها. لكنه توقف عند الباب، وقال دون أن ينظر إليها: "احذري الرجل الذي سيجلس تحت الراية الحمراء غدًا." سألته: "رسول مملكة غورموث؟" أجاب: "لا." ثم نظر إليها من فوق كتفه: "الرجل الذي لا يحتاج إلى راية كي تعرفي أن الفتنة وصلت معه." غادر قبل أن تسأله عن الاسم. لكن في الجهة المقابلة من القصر، كان خادم يضع بطاقة جديدة فوق مقعد لم يكن موجودًا في القاعة الكبرى قبل ساعات. كُتب عليها: مرثاد فالكور — وزير الفتنة في مملكة "غورموث". كان المقعد يُشبه شائبة سوداء وُضعت في نسيج أبيض نقي؛ تحذيرًا صامتًا يُعلن أن الحياد التاريخي لجزيرة "برافوس" قد تُوهك ودُنّس. تحرك الحراس بخطوات مرتبكة حول ذلك المقعد الخالي، كأن مجرد كتابة اسم "وزير الفتنة" فوقه ألقى بظلال سمومها في أرجاء القاعة الكبرى، ليصبح مجلس الغد أول معركة علنية تُخاض بدون سيوف، بل بالكلمات والعهود المكسورة التي تُهيئ العالم لاحتراقٍ كبير. وبينما كانت "سلامار" تستعد لأول مجلس تمثل فيه "أستاريا"، كانت أربع ظلال تتحرك بعيدًا عن الطرق المعروفة، متجهة ببطء نحو الشرق. لم تكن قد وصلت إلى مملكة "غورموث" بعد. لكن مملكة كانت قد بدأت تفتح لها الطريق. كانت خطوات أولئك المنشقين الأربعة تطأ الأرض المهجورة بأقدامٍ لا تترك أثرًا في التراب، بل تترك ندوة من الخوف والرماد الأزرق الساحر. يبتعدون عن مملكتهم الأم نحو المجهول، يحملون بين جوانحهم أسرار الهياكل السحرية المغلقة وخرائط "أستاريا الأولى"، معتقدين أنهم يقودون مصائرهم بأيديهم، بينما كانت خيوط القدر والفتنة تُنسج حولهم لتجعلهم أول حطابين في النار التي ستلتهم السلسلة الأولى للممالك. وفي تلك الليلة، لم تكن رقعة الممالك تنتظر حركة الملوك. بل حركة المنشقين.
ختام الفصل الرابع