القسم الرابع
رسالة إندورال__________________________________________
فتحت حارسة البوابة "ميرال" البابين العظيمين المؤديين إلى قاعة العرش، فتردد صدى حركتهما في أرجاء القاعة الواسعة. دخل مبعوثو "إندورال" بخطوات هادئة، تتقدمهم راية الخضراء، بينما اصطف الحرس الملكي على جانبي الممر الرخامي في صمت تام. وفي نهاية القاعة، ارتفع عرش "أستاريا" فوق منصة من الرخام الأبيض، تجلس عليه الملكة "سيرافينا" بثوبها الأزرق الملكي، وقد استقرت على رأسها تاج فضي تتشابك فيه أوراق الغار والبلور. وعن يمينها وقفت قائدة الجيش"راغنيرا" بكامل درعها، بينما جلس المستشار "فايرُن" إلى يسار العرش، يراقب الداخلين بعينين لا يفوتهما شيء. توقف المبعوثون على بعد خطوات من العرش، ثم انحنوا احترامًا. قال كبيرهم بصوت واضح: "تحية من "أندوريل" ملك مملكة "إندورال" أبن الملكة "نايرا" إلى جلالة الملكة "سيرافينا"... حامية أستاريا." أومأت الملكة برأسها وقالت بهدوء: "ترحب أستاريا بوفد مملكة إندورال. نأمل أن تكون رحلتكم قد مرت بسلام." رفع كبير المبعوثين رأسه قليلًا: "كانت الرحلة آمنة داخل أراضيكم، جلالتك... أما حدودنا الشمالية الغربية، فلم تعد تعرف السلام." ساد صمت قصير داخل القاعة. تقدّم المبعوث خطوة، وأخرج من الحافظة الجلدية أسطوانة فضية مختومة بالشمع الأخضر. رفعها بكلتا يديه: "هذه رسالة من مولاي، الملك "أندوريل"، لا يطلب فيها معروفًا... بل يضع بين يديكم حقيقة لم يعد بالإمكان تجاهلها." تقدّمت "أوريانا"،— حارسة التاج — وأخذت الرسالة، ثم حملتها إلى الملكة. تأملت "سيرافينا" الختم الأخضر لحظة، قبل أن تكسره بهدوء. فتحت الرسالة، وانزلقت لفافة الرق على المائدة أمامها. وبدأت تقرأ. ومع كل سطر... بدأت ملامحها تتغير. اختفت ابتسامتها الرسمية. وعقدت حاجبيها ببطء. واصلت الملكة "سيرافينا" قراءة الرسالة حتى بلغت سطرها الأخير. ثم أعادت لفافة الرق إلى المائدة أمامها. أغلقت الرسالة ببطء: "...لقد بدأ حربًا." لاحظت "راغنيرا" ذلك، فقالت: "جلالتك... ماذا جاء في الرسالة؟" رفعت الملكة "سيرافينا" نظرها عن الرق، ثم قالت بصوت خافت، لكنه سُمع في أنحاء القاعة كلها: ""الذي لا يجب ان ينطق أسمه... لم يعد يهاجم الحدود فحسب." ساد صمت ثقيل داخل القاعة. لم يكن صمتًا سببه المفاجأة... بل ثقل الكلمات التي حملتها الرسالة. كسر "فايرُن" الصمت أولًا: "يبدو أن الأمور أخطر مما توقعنا." رفعت الملكة نظرها نحوه: "اقرأها على المجلس." تناول المستشار الرسالة، ثم بدأ يقرأ بصوت ثابت:
>>إلى جلالة الملكة "سيرافينا"، حاكمة مملكة أستاريا... من "أندوريل"، ملك مملكة الألف و أبن الملكة "نايرا" حامي أبناء العالم الأول. خلال الأشهر الماضية تعرضت قرى "السروان" القريبة من حدود "غورموث" لهجمات متكررة نفذتها مخلوقات خرجت من الأراضي المظلمة. أُحرقت القرى، وقُتل الأبرياء، وتراجعت الحاميات الحدودية أمام ازدياد أعداد تلك المخلوقات. لا نرسل هذه الرسالة طلبًا للشفقة، بل لأننا نرى أن هذا الخطر لن يقف عند حدود "إندورال". وإذا سقطت غاباتنا، فلن يكون الطريق إلى "أستاريا" بعيدًا. لذلك نطلب منكم عقد لقاء بين مملكتينا، وتوحيد الجهود قبل أن يصبح الأوان متأخرًا.<<
أنزل "فايرُن" الرسالة ببطء. ثم أعادها إلى الملكة. ساد الصمت مرة أخرى. هذه المرة قطعه قائد الوفد: "جلالتك..." قالها بصوت امتزج فيه التعب بالحزم: "لقد رأيتُ بنفسي ما فعلته تلك المخلوقات." تنهد ببطء: "قرية كاملة... اختفت في ليلة واحدة." خفض رأسه لحظة: "لم ينجُ إلا القليل." وضعت "راغنيرا" كفها فوق الطاولة: "كم يبعد أقرب هجوم عن حدودكم الشرقية؟" أجاب قائد الوفد فورًا: "أقل من أسبوع على ظهور آخر أثر لهم." عقدت حاجبيها: "وهل واجهتم مسوخًا فقط؟" تبادل أعضاء الوفد النظرات. ثم قال أحدهم: "في البداية ظننا أنها مجرد مسوخ." توقف قليلًا: "لكنها لم تكن تتحرك بعشوائية." نظر إلى الجميع: "كانت تهاجم مواقع محددة... ثم تنسحب قبل وصول تعزيزاتنا." تحدث المستشار لأول مرة منذ دقائق: "أي أن هناك من يقودها." أومأ قائد الوفد: "كان خلفهم رجال طوال القامة يرتدون دروعاً صفائحية كاملة بلون أسود داكن وخوذة حديدية سوداء تغطي كامل الوجه وعلى درعهم عباءة ثقيلة من الصوف الأسود الفاخر، يشقها من المنتصف خط طولي باللون الأحمر القاني. يُحفر على دروع الصدر شعلة سوداء." أجابت "أوريانا" بسرعة: "حرس دريدغارد." نهضت "سيرافينا" من عرشها. واتجهت بخطوات هادئة نحو النافذة المطلة على حدائق القصر. بقيت صامتة للحظات. ثم قالت دون أن تستدير: "قبل أشهر... وصلتني تقارير عن اختفاء قوافل تجارية قرب الحدود الشرقية." التفتت نحو المجلس: "ظننتها أعمال قطاع طرق." ثم أضافت بنبرة أكثر جدية: "لكن يبدو أن جميع تلك الأحداث كانت أجزاءً من صورة واحدة." نظر"فايرُن" إليها: "وهذا يعني..." أكملت عنه: "أن "غورموث" لا يختبر قوة "إندورال" فقط..." توقفت لحظة. "...بل يختبر الممالك كلها." تقدمت "راغنيرا" خطوة: "جلالتك... إذا كانت هذه بداية غزو..." وضعت يدها على مقبض سيفها: "...فعلينا أن نبدأ بحشد قواتنا." لكن "فايرُن" رفع يده بهدوء: "الحشد وحده لن يكفي." التفتت الأنظار إليه. قال وهو ينظر إلى خريطة الممالك المعلقة على الجدار: "إن قاتلت كل مملكة وحدها..." مرر إصبعه على الحدود الفاصلة بين "إندورال" و"أستاريا": "...فسيسقط الجميع واحدة تلو الأخرى." ثم رفع رأسه: "أما إذا وقفنا معًا..." لم يكمل الجملة. لكن الجميع فهم معناها. رفعت سيرافينا نظرها إلى وفد "إندورال": "انقلوا إلى ملككم..." ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكنها كانت تحمل قدرًا كبيرًا من الحزم: "...أن أستاريا لن تدير ظهرها لجيرانها." تنفس أعضاء الوفد الصعداء. وأكملت الملكة: "ابتداءً من هذه الليلة، ستبدأ مجالسنا العسكرية بدراسة الحدود المشتركة، وسأرسل وفدًا من قادة الجيش والسحرة إلى "إندورال" لوضع خطة دفاع مشتركة." ساد القاعة صمت قصير... ثم انحنى كبير المبعوثين احترامًا: "سيذكر التاريخ هذا اليوم، جلالتك." ابتسمت "سيرافينا" ابتسامة هادئة. ثم قالت: "آمل... أن يذكره لأنه كان بداية السلام." نظر"فايرُن" بصمت إلى الخريطة المعلقة على الجدار. وفي أعماقه، كان يعلم أن السلام الذي تتحدث عنه الملكة... قد أصبح أبعد من أي وقت مضى. انحنى كبير مبعوثي "إندورال" احترامًا، ثم قال: "إن مجرد استعدادكم للاستماع إلى رسالتنا يمنح شعبنا الأمل، جلالتك." ابتسمت "سيرافينا" ابتسامة خفيفة، لكنها لم تجب. كانت عيناها لا تزالان معلقتين بالخريطة الكبيرة التي تغطي الجدار الشرقي للقاعة.اقتربت منها ببطء. مررت أصابعها فوق غابات "إندورال"، ثم توقفت عند الحدود السوداء التي تفصلها عن "غورموث". ثم قالت: "كم مضى منذ أول هجوم؟" أجاب كبير المبعوثين: "قرابة أربعة أشهر." ردت الملكة: "وأربعة أشهر لم تكن كافية ليخرج جيشكم إلى الحرب؟" ساد الصمت. ثم قال المبعوث بصراحة: "خرجنا... لكننا لم نجد جيشًا." التفتت الملكة نحوه: "ماذا تقصد؟" قال: "كلما تحركت قواتنا نحو مكان الهجوم، كانت المسوخ قد اختفت." وأضاف بعد لحظة: "إنهم لا يحاولون احتلال الأرض... بل يختبرونها." نظر المستشار"فايرُن" إلى الملكة. كانت تلك الجملة وحدها كافية لتثير قلقه. قال بصوت منخفض: "إذن هناك عقل يدير هذه الهجمات." أومأ المبعوث: "وهذا ما يخشاه ملكنا." نظرت "راغنيرا" إلى المستشار ثم قالت: هل تعتقد بانه "مرثاد فالكور؟" بقي "فايرُن" صامتأ وهو ينظر إلى الخريطة الكبيرة المعلقة وتحديدأ على الأراضي السوداء التي تعتبر مملكة "غورموث." اقتربت قائدة الجيش"راغنيرا" من الخريطة. وضعت يدها على حدود "أستاريا" الشمالية: "إذا تجاوزت هذه المخلوقات إندورال..." ثم حركت إصبعها نحو الجنوب: "...فستكون هذه الغابات أول ما تواجهه." نظر "فايرُن" إلى "راغنيرا" وأجاب: "غابة الزمرد ليست مجرد حدود." ثم نظر إلى الملكة: "إنها الحاجز الطبيعي الذي حمى أستاريا لقرون." أومأت "سيرافينا" ببطء: "ولهذا السبب لن نسمح بسقوطه." التفتت الملكة إلى "ميرال" حارسة البوابة الواقفة عند باب القاعة: "أرسلي في طلب قائد سحرة الحرس، تجدينه الآن في أكاديمية البرج الأزلي... واستدعي أيضاً قائد الكشافة، ينبغي أن يكون في برج الاستطلاع الشرقي." انحنت "ميرال": "أمرُكِ يا مولاتي." وغادرت مسرعتأ. ثم عادت "سيرافينا" تنظر إلى وفد إندورال: "لن أعدكم اليوم بجيش." تبادل المبعوثون النظرات. لكنها أكملت قبل أن يتكلم أحدهم: "لأن الملك الذي يرسل جيشه دون أن يعرف عدوه... يحكم على جنوده بالموت." ساد الصمت. ثم قالت بحزم: "لكنني سأرسل رجالًا أثق بهم... سيعبرون الحدود معكم وسيرون بأعينهم ما يحدث في غاباتكم. فإن كان ما تصفونه بداية حرب..." توقفت لحظة: "...فلن تخوضها إندورال وحدها." تنفس كبير المبعوثين بارتياح، ثم انحنى حتى لامس جبينه الأرض: "ينقل وفد إندورال امتنان ملكه وشعبه إلى جلالة ملكة أستاريا." رفع "فايرُن" نظره نحو النافذة. كانت الشمس تميل إلى الغروب، وأشعتها الحمراء تغمر أبراج العاصمة. همس لنفسه بصوت لم يسمعه أحد: "بدأت الرقعة تتحرك..." ولأول مرة منذ سنوات... شعر أن الممالك السبع تتجه نحو زمن لن يشبه ما سبقه أبدًا.