مملكة السحرة « أستاريا »

الفصل 26: القسم الخامس

القسم الخامس

قبل العاصفة___________________________________________________________

غادر وفد "إندورال" قاعة العرش، وأُغلقت الأبواب الضخمة خلفهم ببطء، فعاد الصمت يخيّم على القاعة الملكية. بقيت الملكة "سيرافينا" واقفة أمام خريطة الممالك المعلقة على الجدار، بينما اقتربت "راغنيرا" و"فايرُن" منها دون أن يتبادلا كلمة. طال صمتهم للحظات. ثم قال "فايرُن" وهو يثبت نظره على الخريطة: "لقد كانت رسالة إندورال بداية... لكنها ليست الرسالة الأخيرة." التفتت إليه الملكة: "ماذا تقصد؟" رفع يده نحو الخريطة، وأشار إلى الأراضي الممتدة شمال القارة: "إذا كان غورموث قد بدأ يتحرك، فلن تبقى هذه الحرب محصورة بين أستاريا وإندورال." اقتربت "راغنيرا"، وقالت: "إلى من تشير؟" مرر "فايرُن" إصبعه فوق مملكة السنديان: "العرب..." ثم واصل حتى وصل إلى الأراضي الصحراوية المجاورة: "...وأسترال." تأملت "سيرافينا" الخريطة بصمت. ثم قالت: "الملكة ماوية..." أجاب "فايرُن": "و الملك حارث." تنهدت "راغنيرا" بهدوء: "لم يجلس ملك من السنديان مع زعيم لقبائل الجنوب منذ عشرات السنين." أومأ "فايرُن": "النزاع على الآبار القديمة... وحدود القوافل... ودماء القبائل." وأضاف: "كلها جراح لم تندمل." سادت لحظة صمت. ثم قالت الملكة: "لكن غورموث لن يفرّق بين عربي وبدوي." رفع "فايرُن" رأسه إليها: "وهذا ما أخشاه." تقدمت "سيرافينا" خطوة نحو الخريطة: "وما الذي تقترحه؟" أجاب المستشار: "أن نبعث برسالتين. إحداهما إلى الملك حارث... والأخرى إلى الملكة ماوية، لا لندعوهما إلى الحرب... بل لنعرف إن كان العالم ما زال قادرًا على الاجتماع قبل أن يبتلعه الظلام."ساد صمت قصير داخل القاعة. ظلّت الملكة "سيرافينا" تنظر إلى خريطة الممالك، بينما كانت أصابعها تمر ببطء فوق حدود "إندورال"، ثم واصلت طريقها شمالًا حتى توقفت عند راية "السنديان"، ومنها إلى الصحارى الواسعة التي تقوم فيها مملكة "أسترال". قالت بهدوء: "إن سقطت إندورال... فلن يكون الدور على أستاريا مباشرة." نظر إليها "فايرُن"، لكنه لم يتكلم. أكملت وهي تشير إلى الخريطة: "سيصل الخطر أولًا إلى الشمال." اقتربت "راغنيرا"، وقالت: "السنديان..." ثم نظرت إلى الصحارى الممتدة: "...وأسترال." أومأت الملكة: "كلاهما يقف في طريق واحد." تنهد "فايرُن" وقال: "لكن الطريق بينهما لم يعرف السلام منذ زمن طويل." عقدت "راغنيرا" ذراعيها: "نزاعات الحدود." وأضافت: "آبار المياه." ثم قالت بنبرة أكثر جدية: "وثأر القبائل." أجاب "فايرُن": "جيل يسلم عداوته إلى الجيل الذي يليه." ساد الصمت. ثم قالت "سيرافينا": "ومع ذلك..." التفت الاثنان إليها: "...لن تفرق جيوش غورموث بين بدوي وعربي." أطرق "فايرُن" برأسه: "وهذا ما يجعل هذه الحرب مختلفة عن كل ما سبقها." اقترب من الخريطة، ثم وضع إصبعه بين المملكتين: "إن بقيت كل مملكة تنظر إلى جارتها باعتبارها عدوًا... فلن يحتاج غورموث إلى أن يهزمهم." رفع نظره إلى الملكة: "سيهزمون أنفسهم." ساد الصمت مرة أخرى. ثم قالت "سيرافينا": "أريد أن تصل رسائلنا إلى الجميع." نظرت إليها "راغنيرا": "حتى أسترال؟" ابتسمت الملكة ابتسامة خفيفة: "حتى أسترال." ثم أضافت: "وإلى السنديان." قالت "راغنيرا": "وماذا لو رفض أحدهما؟" أجاب "فايرُن" قبل أن تتكلم الملكة: "يكفي أن نمنحهما فرصة الاختيار." ثم أردف: "فإذا رفضا اليوم... فقد يأتي يوم لا يبقى فيه من يرسل إليهما رسالة أخرى." اقتربت "سيرافينا" من طاولة المجلس. تناولت لفافة رق جديدة. ثم قالت إلى الكاتب الملكي: "أعد رسالتين. الأولى إلى الملك حارث... ملك السنديان والثانية إلى الملكة ماوية... ملكة أسترال." رفع الكاتب رأسه وسأل: "وما مضمون الرسالتين، جلالتك؟" تبادلت الملكة النظر مع "فايرُن"، ثم قالت بعد لحظة من التفكير: "لا نطلب منهما حربًا... ولا نأمرهما بتحالف." ثم نظرت إلى خريطة الممالك مرة أخيرة: "أخبروهما فقط..." توقفت لحظة: "...أن الظلام بدأ يتحرك." لم يدوّن الكاتب شيئًا في تلك اللحظة، بل بقيت الريشة معلقة فوق الرق، وكأن الكلمات التي سمعها أثقل من أن تُكتب فورًا. تبادل أفراد المجلس نظرات صامتة، بينما راحت أعينهم تتنقل بين وجوه بعضهم وخريطة الممالك، مدركين أن تلك الرسالتين لن تكونا كسائر الرسائل التي خرجت من أستاريا، بل ربما تكونان آخر فرصة قبل أن تتكلم السيوف بدل الحبر. ساد الهدوء في القاعة. وخارج نوافذ القصر، كانت آخر خيوط الشمس تختفي خلف أبراج "أستاريا"، بينما امتدت ظلال المساء فوق خريطة الممالك المعلقة على الجدار، كأنها تلامس حدود كل مملكة... وتعلن أن زمنًا جديدًا قد بدأ. عد انتهاء الاجتماع خرجت الملكة "سيرافينا" من القاعة يتبعها عدد من أفراد الحرس، بينما سلكت "راغنيرا" الممر المؤدي إلى "مقر الاستطلاع" قاعة القادة لإعداد أوامر الحشد الأولى. أما "فايرُن"، فلم يغادر القصر. واصل السير وحده عبر الممرات الحجرية الطويلة، حتى ابتعد عن قاعة العرش، ثم انعطف نحو الجناح الشرقي، حيث تقل حركة الخدم والحراس. كانت المشاعل المعلقة على الجدران قد بدأت تُضاء واحدة تلو الأخرى، بينما تسلل ضوء الغروب عبر النوافذ الضيقة، يرسم خطوطًا حمراء فوق الأرضية الرخامية. كان الجناح الشرقي من القصر مختلفًا عن بقية الأجنحة؛ فلا أصوات خدم، ولا وقع أقدام الوزراء، ولا صخب الجنود المتنقلين بين الردهات. هنا تحفظ الأسرار أكثر مما تحفظها الخزائن، ولا يدخل هذه الممرات إلا من يعرف الطريق إليها، أو من استدعاه "فايرُن" بنفسه. مرّ بجوار عدد من الحراس، فاكتفوا بالانحناء احترامًا دون أن ينبس أحدهم بكلمة. كان وجهه هادئًا كعادته، لكن خطواته كانت أسرع من المعتاد. توقف أخيرًا أمام باب خشبي صغير، لا يحمل أي شعار ملكي، ولا يقف أمامه سوى حارس واحد. نظر الحارس إليه، ثم فتح الباب بصمت. دخل "فايرُن" وأغلق الباب خلفه. كانت الغرفة بسيطة، تتوسطها طاولة مستديرة تتناثر فوقها خرائط قديمة، وعدد من اللفائف المختومة بألوان مختلفة. بينما وقف رجل يرتدي عباءة رمادية قرب النافذة، وما إن سمع صوت الباب حتى استدار وانحنى احترامًا. قال بصوت منخفض: "سيدي." اقترب "فايرُن" من الطاولة: "هل عاد الجميع؟" أجاب الرجل: "عاد معظمهم." رفع فايرُن رأسه: "ومعنى ذلك..." تردد الرجل لحظة، ثم قال: "...أن تقريرًا غريبًا وصل للتو عبر شبكتنا في الشمال الغربي." ساد الصمت. مدّ الرجل يده، ووضع لفافة صغيرة فوق الطاولة. كانت مختومة بخيط أزرق، وقد غطى الغبار أطرافها، وكأنها قطعت مسافة طويلة. فتحها "فايرُن" ببطء. لم يكن التقرير طويلًا. اكتفى بقراءة سطره الأخير. تغيرت نظراته، وإن بقيت ملامحه جامدة. رفع عينيه نحو الرجل: "من أين وصل هذا؟" أجاب الجاسوس: "من حدود مملكة السنديان... عثروا هناك على جثة رسولٍ مسافر، تحول جسده إلى ما يشبه شجرة يابسة دون قطرة دم واحدة، وبجانبه رقعة مكتوب عليها:

(هذا ثمن قتالك لنا).

أعاد "فايرُن" النظر إلى الرق. ثم قرأ بصوت خافت، وكأنه يحدث نفسه: "رسولٌ قُتل بطريقة سحرية سوداء في أراضي السنديان..." ساد صمت ثقيل داخل الغرفة. قال الجاسوس: "رجالنا هناك لم يستطيعوا تحديد هوية من هاجمه، ولا الجهة التي كان يقصدها الرسول، ولا حتى السبب الذي جعل قاتليه يتركون تلك الورقة." ظل "فايرُن" صامتًا، يقلب الغموض في رأسه. أعداء في السنديان؟ أم أن الأمر يتجاوز حدود الغرب ليصل إلينا؟ ثم سأل: "هل عرفتم من يقصد القاتل بكلمة 'قتالك لنا'؟ هل الرسالة موجهة للملك حارث أم لغيره؟" هز الرجل رأسه بصمت نفيًا: "القصة هناك تزداد غموضاً يا سيدي، والموت لم يترك أثراً يدل على الفاعل." ظل "فايرُن" صامتًا. ثم سأل: "هل عرفتم هوية الرسول؟" هز الرجل رأسه: "لا، يا سيدي. كان يسافر باسم تاجر. لكن أسلوب حركته، وطريقه، وطريقة إخفاء أوراقه... تؤكد أنه لم يكن تاجرًا." أغلق "فايرُن" اللفافة ببطء، وسار نحو النافذة. في الخارج، كانت أبراج "استاريا" تغرق شيئًا فشيئًا في ظلال المساء. قال دون أن يلتفت: "رسولٌ يُقتل بطريقة بشعة على الجانب الآخر من العالم... في نفس الوقت الذي نعدّ فيه جيوشنا هنا." ثم أضاف بعد لحظة: "القتيل ليس مجرد تاجر، والقاتل لم يفعل ذلك صدفة." استدار أخيرًا نحو الرجل: "وسع دائرة مراقبتك للحدود الشرقية فورًا. لا يهمني من كان الرسول..." نظر الرجل إليه باستغراب: "إذن... عمّن نبحث يا سيدي؟" أجاب "فايرُن"، وعيناه لا تزالان معلقتين بالسواد الذي يلتهم الأفق: "ابحثوا عن السحر الذي يستطيع تجفيف الدماء بهذه السرعة... ابحثوا عمن يحرك الأحداث في الممالك الأخرى قبل أن نصل نحن إليها."

ختام الفصل الخامس