مملكة السحرة « أستاريا »

الفصل 27: الفصل السادس_ القسم الأول

الفصل السادس_ العهد المكسور

القسم الأول_ الملكة الرمادية_________________________________

لم يكن الظلام الذي ابتلع الأفق خارج نافذة الجناح الشرقي مجرد ظلام ليلةٍ أخرى تمر فوق "أستاريا". ظلّ "فايرُن" واقفًا أمام النافذة بعد مغادرة الجاسوس، وعيناه تتبعان أضواء المدينة التي بدأت تظهر واحدة تلو الأخرى بين الأبراج والمنازل. كانت المشاعل الزرقاء تشتعل على امتداد الأسوار، والحراس يبدّلون مواقعهم عند البوابات، بينما استمرت الحياة في الشوارع كما لو أن العالم لم يتغير. لكن "فايرُن" كان يعرف أن كل شيء قد تغير. رسول مجهول قُتل عند حدود "السنديان". جسد تحول إلى ما يشبه جذع شجرة يابسة. دم اختفى بالكامل. ورسالة تُركت إلى جواره:

«هذا ثمن قتالك لنا.»

لم يكن الأسلوب مألوفًا لدى سحرة "السنديان"، ولا يشبه طقوس "إندورال"، ولا يحمل أثرًا واضحًا من سحر "أستاريا". والأسوأ من ذلك أن توقيت الحادثة لم يكن منفصلًا عما يحدث في الممالك الأخرى. غورموث تتحرك. إندورال تستعد. السنديان وأسترال تقفان أمام حرب لا تعرفان أنها اقتربت منهما. وفي قلب "أستاريا"، استيقظ شيء لم يستطع أكثر السحرة معرفةً أن يمنحه اسمًا. أغلق "فايرُن" عينيه للحظة، فعادت إليه صور الليلة الماضية داخل قاعة الميثاق؛ الأرض التي ارتجفت تحت أقدام الجميع، والنقوش القديمة التي توهجت للحظات قبل أن تخمد،والهمسات التي تناقلها الحراس بأن بعض التماثيل الحجرية غيّرت اتجاه نظراتها دون أن يقترب منها أحد. لم يصدّق تلك الروايات كلها، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا: منذ ظهور المرأة الغامضة، لم يعد القصر يتصرف كقلعة بناها البشر، بل كمكان استيقظ من ذاكرة أقدم من المملكة نفسها. أعاد "فايرُن" اللفافة إلى الطاولة، ثم مد يده نحو إحدى الخرائط القديمة. كانت خريطة للقارة قبل ترسيم الحدود الحالية، ورقها أصفر هش، وخطوطها باهتة من أثر السنوات. مرّر أصابعه فوق المنطقة التي تقوم عليها "أستاريا" اليوم، ثم توقف. لم يكن الاسم المكتوب هناك اسم "أستاريا". بل لم يكن هناك اسم أصلًا. مجرد أرض داكنة محاطة بخطوط جبلية، وعلامة صغيرة تشبه تاجًا مكسورًا. ظل يحدق في العلامة طويلًا. قال بصوت خافت، كأن الغرفة وحدها تسمعه: "ثلاثة قرون... وما زلنا ندفع ثمن عهد لم نقطعه نحن." ثم لفّ الخريطة وأعادها إلى مكانها، وغادر الغرفة. كان يعرف أن الوقت لم يعد يسمح بالمراقبة من بعيد. فالمرأة التي دخلت قاعة الميثاق وسمّت نفسها ملكة الأشباح لم تعد مجرد ظهور غامض يمكن تأجيله إلى اجتماع آخر. وجودها داخل القصر أصبح حقيقة، والحقيقة التي حملتها معها كانت أقدم من العرش، وأقدم من الميثاق، وربما أقدم من "أستاريا" نفسها. عبر "فايرُن" الممرات الشرقية وحده. كان يعرف هذه الممرات حجرًا حجرًا. سار فيها إلى جوار ثلاثة ملوك، وشهد احتفالات التتويج ومجالس الحرب ومراسم الميثاق، لكنه لم يشعر بثقلها كما يشعر به هذه الليلة. حتى اللوحات المعلقة على الجدران، التي تمثل ملوك "أستاريا" السابقين، بدت وكأن عيونها تلاحقه بصمت، تسأله السؤال ذاته الذي يطارده منذ ثلاثين عامًا: "هل كان ما فعلوه حمايةً للمملكة... أم بداية سقوطها؟" كانت القلعة أكثر هدوءًا من المعتاد، لكن ذلك الهدوء لم يحمل الطمأنينة. الحراس يقفون عند الأبواب في صمتٍ مشدود، والخدم يسرعون في خطواتهم دون أن يرفعوا رؤوسهم، بينما ظلت المشاعل ترتجف كلما مر تيار هواء بارد بين النوافذ الضيقة. عندما وصل إلى الدرج المؤدي إلى الطبقات السفلى من القصر، وجد "أوريانا" تنتظره. كانت تقف أمام باب حجري منخفض، ترتدي درعها الأبيض الفضي، ويدها تستقر على مقبض سيفها. خلفها وقف أربعة من حراس التاج، لكن وجوههم كانت متوترة بطريقة لم يستطع التدريب العسكري إخفاءها. رفع "فايرُن" نظره إليها. قالت "أوريانا" دون مقدمات: "الملكة في الداخل." توقف أمامها: "ومن معها؟" _ "راغنيرا، دالميرا... وملكة الأشباح." لم يتغير وجهه، لكنه نظر إلى الباب لحظة أطول مما ينبغي. سأل: "هل قالت شيئًا؟" أجابت أوريانا: "رفضت الحديث حتى تصل." رفع حاجبه قليلًا: "رفضت الحديث مع سيرافينا؟" هزت رأسها: "قالت إن الكلمات التي ستقولها تخص من بقي من الشهود." ساد صمت قصير بينهما. ثم نظر "فايرُن" إلى الحراس الواقفين قرب الباب، وقال: "ابتعدوا عن الممر." تردد أحدهم، لكن "أوريانا" أشارت إليه أن ينفذ الأمر. انسحب الحراس إلى نهاية الدرج، وبقيت هي إلى جانب "فايرُن". مدّ يده نحو الباب، لكنها قالت قبل أن يفتحه: "تعرف اسمها، أليس كذلك؟" توقفت يده. لم ينظر إليها مباشرة. أعرف أسماء كثيرة كان يجب أن تبقى في الماضي." اقتربت "أوريانا" خطوة: "لم أسألك عن الماضي. سألتك عنها." التفت إليها أخيرًا. كانت عيناها تحملان شيئًا لم يظهر فيهما من قبل؛ لم يكن شكًا كاملًا، ولا اتهامًا، بل غضب شخص اكتشف أن نصف حياته بُني فوق معلومات ناقصة. قالت: "عندما رأيتها في قاعة الميثاق أول مرة، عرفت وجهها من السجلات التي سلّمني إياها "إيراث". عرفت الدرع، والتاج المكسور، والعينين الرماديتين. لكنني لم أعرف اسمها." ظل "فايرُن" صامتًا. تابعت: "أنت عرفتها قبل أن تتكلم." قال بهدوء: "نعم." _ "من هي؟" صمت "فايرُن" لحظة، ثم قال بهدوء: "إن عرفتِ اسمها الآن... فلن يغيّر ذلك شيئًا." عقدت "أوريانا" حاجبيها: "إذن أنت تعرفه." لم يجب. دفع الباب الحجري ببطء، وقال قبل أن يدخل: "بعض الأسماء يجب أن تبقى مدفونة حتى يحين وقتها." لم يمنحها فرصة للسؤال من جديد. دفع الباب ودخل. كانت الغرفة خلفه واسعة منخفضة السقف، محفورة في الحجر الأسود تحت القصر. لم تكن من قاعات السجن ولا من غرف المجلس المعروفة، بل مكانًا أقدم، احتفظ به "إيراث" بعيدًا عن سجلات الميثاق. في منتصفها امتدت طاولة مستطيلة من حجر رمادي. جلست الملكة "سيرافينا" عند رأسها، بينما وقفت "راغنيرا" خلفها، وذراعاها معقودتان فوق درعها. أما "دالميرا" فكانت قرب الجدار، تراقب الجميع بصمت، بينما خلت الزاوية المقابلة إلا من ضوء مشعل خافت، وكأن الغرفة فقدت أحد حضورها المعتاد." وفي الطرف المقابل من الطاولة جلست المرأة ذات الدرع الأسود.

«ملكة الأشباح.»

لم تكن مقيدة. لم تحط بها دائرة سحرية. ولم توجَّه إليها السيوف. لم يكن غياب القيود نابعًا من الثقة، بل من عجزٍ لم يجرؤ أحد على الاعتراف به. فقد جُرّبت عليها الأختام السحرية قبل إدخالها إلى هذه القاعة، فانطفأت نقوشها كما لو أنها فقدت معناها، بينما رفض الحديد المقدس أن يستقر فوق معصميها. حتى إن أحد السحرة همس بأن بعض القوى القديمة لا تُؤسر بالسلاسل، لأنها كانت موجودة قبل أن تُصنع السلاسل نفسها. ومع ذلك، بدا وجودها في الغرفة كافيًا ليجعل الحجر نفسه أكثر برودة. كان شعرها الداكن ينسدل فوق كتفيها، تتخلله خيوط رمادية رفيعة لا تظهر إلا عندما تمر عليها ألسنة المشاعل. أما درعها، فبقي كما ظهر في قاعة الميثاق: معدن أسود قديم، على صدره تاج مكسور، وحوافه تحمل خدوشًا لا تشبه آثار معركة واحدة، بل آثار حروب امتدت عبر أجيال. رفعت عينيها عندما دخل فايرُن. قالت: "تأخرت." أغلق الباب خلفه: "كنت أصلح خطأ آخر من أخطاء الماضي." ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة: "أخطاء الماضي لا تُصلح. هي فقط تتعلم كيف ترتدي وجوهًا جديدة." اقترب "فايرُن" من الطاولة، لكنه لم يجلس. نظرت "سيرافينا" إليه: "قالت إنها لن تبدأ حتى تصل." أجاب دون أن يحيد بعينيه عن المرأة: "لأنها تعرف أنني سأنكر بعض ما ستقوله." قالت ملكة الأشباح: "بل لأنك الوحيد هنا الذي يعرف متى بدأت الأكاذيب." تحركت "راغنيرا" بانزعاج: "يكفي ألغازًا." وضعت كفها فوق الطاولة الحجرية، وقالت بصوت حازم: "دخلتِ قصر أستاريا دون إذن. ظهر اسم مملكتك داخل الميثاق، وتحركت الأرض بعد وصولك، واستيقظت تماثيل لا يعرف أحد كيف يوقفها. والآن نجلس هنا ننتظر منك أن تقرري متى تتحدثين." نظرت إليها المرأة بهدوء: "التماثيل لم تستيقظ بعد." ساد صمت مفاجئ. ضيقت "راغنيرا" عينيها: "لقد تحركت." _ "الحجر يستطيع أن يتحرك دون أن يستيقظ." قالت "دالميرا" من قرب الجدار: "وما الفرق؟" أدارت المرأة رأسها نحوها: "عندما تستيقظ... لن تتساءلوا عن الفرق." بقيت الكلمات معلقة في الغرفة. ثم رفعت "سيرافينا" يدها، فقطعت التوتر قبل أن يتحول إلى مواجهة. قالت: "نبدأ من اسمك."