مملكة السحرة « أستاريا »

الفصل 31: القسم الخامس

القسم الخامس

رسالة السنديان__________________________________________

ظلت الحارسة "ميرال" واقفًة عند مدخل الغرفة، ورأسها منحنٍ احترامًا، بينما بقيت اللفافة الملكية بين يديه، مختومة بالشمع الذهبي الذي لا تستعمله إلا مملكة "السنديان" في مراسلاتها الرسمية. كان لون الشمع الأصفر الداكن يلمع ببريق باهت تحت ضوء الشموع الخافتة التي أوشكت على الانتهاء. انعكست على السطح الملساء للختم صورة الشجرة العتيقة—شعار "السنديان" الذي لم يتغير منذ قرون. شعرت "ميرال" بثقل الصمت يطبِق على الغرفة، حتى أن نأمة تنفس الملكة كانت تبدو كأنها صوت جارف في هذا الفراغ المشحون. استمرت "ميرال" في الوقوف، وركبتها تؤلمانها قليلاً من طول الوقوف، لكنها لم تجرؤ على تحريك إنشٍ واحد، فالموقف لا يحتمل أدنى زلة. لم تتحرك "سيرافينا" مباشرة. كانت لا تزال تستعيد في ذهنها كلمات "فايرُن" عن "إيراث"، وعن الملك الذي قضى سنوات يبحث عن كتابٍ لم يجده أحد، قبل أن يختفي تاركًا وراءه أسئلة أكثر من الإجابات. لكن المملكة لم تكن تملك رفاهية البقاء في الماضي. مدّت يدها أخيرًا. تناولت الرسالة، وتأملت الختم لحظة قصيرة قبل أن تكسره. ساد الصمت داخل الغرفة. حتى "راغنيرا"، التي اعتادت مقاطعة الاجتماعات كلما طال الصمت، بقيت هذه المرة تنتظر ما ستقوله الرسالة القادمة من الشمال. فتحت "سيرافينا" الرق ببطء، وأخذت تقرأ. لم يكن النص طويلًا. لكنها أعادت قراءة السطر الأخير مرتين، قبل أن تطوي الرق وتضعه فوق الطاولة الحجرية. أحدث وضع الرق على الطاولة الحجرية صوتًا خفيفًا لكنه رنّ في أرجاء القاعة المغلقة كأنه صدمة درع. أغمضت "سيرافينا" عينيها لبرهة قصيرة، ومسدت بسبابتهما وإبهامها أصل أنفها لتطرد الإرهاق الذي بدأ يتسلل إلى جسدها بعد ليلة طويلة من السهر والمداولات. كانت الطاولة الحجرية سردًا من تاريخ "أستاريا"، باردة تحت لمستها، وكأن الحجر نفسه يترقب ما سيخرج من شفاه الملكة. انحنى "فايرُن" قليلاً إلى الأمام، متكئًا بيده على مقبض سيفه الثقيل، وقاطعت ظلال القاعة وجهه الصارم. سألها "فايرُن" بهدوء: "هل رفض؟" رفعت الملكة نظرها إليه: "لم يرفض." ساد شيء من الارتياح على الوجوه، لكنه لم يدم طويلًا. أكملت: "ولم يقبل." اقتربت راغنيرا: "إذن ماذا قال؟" ناولتها الملكة الرسالة. قرأت "راغنيرا" بصوت منخفض:

**"إلى جلالة ملكة أستاريا... وصلت رسالتكم، ووصل معها ما يكفي لأدرك أن شيئًا يتحرك بين الممالك. لكن مملكتي تواجه أمرًا لم أجد له تفسيرًا بعد. ولن أغادر أرض "السنديان" حتى أعرف ما الذي بدأ يقتل رسلي على حدودها. فإن ثبت أن الخطر واحد... فلن يكون بيننا وبين أستاريا إلا طريق واحد."**

انتهت من القراءة، ثم أعادت الرق إلى الطاولة. قالت دالميرا: "إنه أكثر حكمة مما توقعت." ابتسم "فايرُن" ابتسامة خفيفة: "لهذا بقيت السنديان صامدة كل هذه السنين." اقترب من الخريطة المعلقة على الجدار، ووضع إصبعه فوق راية "السنديان"، الممتدة شمال "أستاريا" بين الغابات الكثيفة والمرتفعات الباردة. قال: "حارث لا يخشى الحرب." ثم نظر إلى سيرافينا: "لكنه يرفض أن يدخل معركة لا يفهمها." أومأت الملكة: "وأنا لو كنت مكانه... لفعلت الشيء نفسه." ساد الصمت للحظة. قالت راغنيرا: "لكن مقتل الرسول أقلقه." أجاب فايرُن: "ليس مقتل الرسول." ثم أضاف وهو ينظر إلى الرسالة: "طريقة موته." عاد الجميع إلى تذكر التقرير الذي وصل قبل ساعات. جسد جاف، بلا قطرة دم. ورسالة تركها القاتل خلفه. لم يكن ذلك أسلوب قطاع طرق، ولا جيش غازٍ، ولا حتى ساحر يبحث عن الانتقام. كان أشبه بإعلان أن أحدًا بدأ يختبر حدود الممالك، واحدة تلو الأخرى. قالت سيرافينا: "هل تعتقد أن الأمر مرتبط بغورموث؟" ظل "فايرُن" صامتًا برهة. ثم قال: "لا أحب الإجابة قبل أن أملك الدليل." ابتسمت "دالميرا" ابتسامة خافتة: "وهذه طريقتك المعتادة." أجابها بهدوء: "لأن التخمين يصنع أخطاءً أكثر مما يصنعه الجهل." اقتربت الملكة من النافذة الضيقة المطلة على المدينة. كانت السماء قد بدأت تميل إلى زرقة الفجر، بينما بقيت "أستاريا" هادئة على غير عادتها، كأنها تلتقط أنفاسها بعد ليلة طويلة. قالت دون أن تلتفت: "أشيرة قالت إن الظلام بدأ من هنا." ثم أضافت: "وحارث يكتب أن الظلام وصل إلى حدوده." التفتت نحوهم. "إذن لم يعد السؤال إن كانت الحرب قادمة." توقفت لحظة: "بل من سيصل إليها أولًا." لم يجب أحد. كان كل واحد منهم ينظر إلى الخريطة بطريقته. "راغنيرا" ترى طرق الجيوش. "دالميرا" ترى المدن التي قد تسقط. أما "فايرُن"، فكان ينظر إلى المسافات الفاصلة بين الممالك، كأن أخطر ما في الخريطة ليس الحدود... بل الفراغات التي بينها. كانت تلك الفراغات على الخريطة تمثل الغابات المجهولة، والممرات الجبلية الوعرة التي لا تخضع لسيطرة أحد. طالما كانت هذه المناطق العازلة مصدرًا للقصص والشائعات بين التجار، ولكنها الآن أصبحت تُشبه ثقوبًا سوداء تبتلع كل من يمر بها. تبادلت "دالميرا" و"راغنيرا" نظرة خاطفة؛ نظرة خالية من كلمات العتاب أو الجدال لأول مرة منذ بداية الاجتماع. شعر الجميع بوطأة الواقع الجديد: "أستاريا" لم تعد تواجه عدوًا يرتدي دروعًا وينشر أعيانه علنًا، بل ظلاً يتمدد في المساحات التي طالما ظنوا أنها آمنة. وفي الوقت نفسه... على بعد مئات الأميال شمال "أستاريا"... كانت أشجار السنديان العملاقة تقف ساكنة تحت ضوء الفجر الأول، بينما تسللت خيوط الشمس بين الأغصان العتيقة، لتلامس أسوار العاصمة الحجرية. داخل القصر الملكي، وقف الملك "حارث" أمام نافذة واسعة تطل على الغابة. كان رق "أستاريا" ما يزال مفتوحًا فوق الطاولة خلفه. كانت رياح الشمال الباردة تتسلل من الشرفات المفتوحة، محملة برائحة الصنوبر ورطوبة الفجر الخفيفة. لم يكن "حارث" يرتدي تاجه الثقيل؛ بل اكتفى بعباءة صوفية داكنة مشدودة عند الكتف بحلية فضية بسيطة. كانت عيناه النفاذتان تراقبان ضباب الصباح وهو ينسحب ببطء من بين قمم الأشجار الشاهقة، تلك الأشجار التي حمت عاصمته لأجيال طويلة. لكن الرق القابع خلفه على الطاولة الحجرية كان يزن في ذهنه أكثر من جبال "السنديان" نفسها. أما في يده، فكان تقرير آخر. تقرير لم يحمل ختم الملوك... بل ختم حرس الحدود. دخل الوزير "عرفان"، وانحنى احترامًا. قال: "مولاي." لم يلتفت حارث: "تكلم يا عرفان هل من اخبار عن رسولنا؟ هل عاد رجال الدورية؟" طأطأ "عرفان" رأسه بحزنٍ قرأته عيني "حارث". أجاب: "عادوا." ساد صمت قصير: "وماذا وجدوا؟" تنهد "عرفان" ببطء: "آثارًا... ثم لا شيء." التفت الملك أخيرًا: "لا شيء؟" _ "لا آثار أقدام. _ "ولا سحر؟ _ "ولا سلاح." رد "حارث" بجمود : "هل جلبوا جثته." _ "نعم مولاي". اقترب "عرفان" ووضع كيسًا صغيرًا فوق الطاولة. فتح "حارث" الكيس. أخرج منه قطعة خشب داكنة، يابسة على نحو غريب. وضع "حارث" يديه خلف ظهره ومشى بضع خطوات ، كان يعلم أن هنالك مكروه قد أصابه فمسير طريق الألف لا يتجاوز الثلاثة أيام. عَرف وزيره أن مشيته هذه تدل على غضبه المكبوت ، لكنهُ أوقفه... تأملها "حارث" طويلًا. كانت جزءًا من جسد الرسول الذي عثروا عليه قبل ثلاث أيام. قال الوزير: "حكماء الغابة يقولون إن الخشب لا يشبه أي شجرة في السنديان." ظل "حارث" يقلب القطعة بين أصابعه. ثم قال: "لأنه ليس خشبًا." رفع الوزير رأسه: "مولاي؟" أعاد الملك القطعة إلى الكيس: "إنه ما تبقى من إنسان." ساد الصمت. تقدم "عرفان" خطوة. "أتظن أن ما جاء في رسالة أستاريا صحيح؟" اتجه "حارث" نحو الخريطة المفتوحة فوق الطاولة خلفه. بدأ نظره من "السنديان". ثم هبط جنوبًا إلى "أستاريا". ثم واصل حتى توقفت عيناه عند الأرض البعيدة التي تحمل اسمًا واحدًا... غورموث. قال بهدوء: "لا أعرف." ثم أضاف: "لكنني أعرف شيئًا آخر." نظر إليه الوزير. قال الملك: "حين تبدأ الممالك بإرسال رسائل بدل التهديدات..." وسكت لحظة: "...فاعلم أن الخطر أصبح أكبر من خلافاتها." عاد الصمت إلى القاعة. وفي الخارج، كانت راية "السنديان" ترتفع مع نسيم الصباح فوق أعلى برج في العاصمة. أما بعيدًا في الأفق... فكانت الغابات الجنوبية تبدو هادئة كما كانت دائمًا. لكن الهدوء، هذه المرة، لم يكن علامة سلام... بل الهدوء الذي يسبق أول خطوة في طريق الحرب.

ختام الفصل السادس