الفصل السابع_ آثار الرماد
القسم الأول_ آثار إيراث____________________________________
لم يكد الليل ينسحب عن أبراج "أستاريا" حتى عاد القصر إلى هدوئه المعتاد، لكن ذلك الهدوء لم يكن يشبه ما عرفته المملكة في الأيام الماضية. كان أقرب إلى صمتٍ ثقيل يسبق قرارًا كبيرًا، أو إلى لحظة يتوقف فيها كل شيء انتظارًا لأول خطوة. وقفت "سيرافينا" في شرفتها المطلة على المدينة، بينما كانت خيوط الفجر الأولى تنعكس فوق الأسقف الحجرية وبرج الأزلي والأبراج الزرقاء التي طالما رأت فيها رمزًا للاستقرار. أما اليوم، فلم تعد ترى سوى مدينة تحمل فوق جدرانها أسرارًا أكثر مما تحمل من الحجارة. لم تنم طوال الليل. كلما أغلقت عينيها، عادت إليها كلمات "أشيرة"... ثم حديث "فايرُن"... ثم صورة "إيراث"، الرجل الذي تنازل عن العرش، واختفى، لكنه بقي حاضرًا في كل طريق تسلكه المملكة. سمعت وقع خطوات خلفها. لم تلتفت. كانت تعرف صاحبها. قال "فايرُن" بهدوء: "طلبتِ حضوري." ظلت تنظر إلى المدينة. ثم قالت: "أخبرتني قبل الليالي الماضية أن "إيراث" كان يبحث عن كتاب الرماد الأزرق." ساد الصمت لحظة: "نعم." _ "وأخبرتني أيضًا أنك لا تعرف إن كان قد وجده." _ "صحيح." استدارت إليه أخيرًا: "إذن لن أبدأ بالبحث عن الكتاب." رفع حاجبيه قليلًا. أكملت: "سأبدأ بالرجل الذي بحث عنه." بقي "فايرُن" صامتًا، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة، بالكاد تُرى. قال: "كنت أتوقع أنك ستصلين إلى هذه النتيجة." بعد وقت قصير... كانت "راغنيرا" و"دالميرا" تنتظران أمام جناح قديم في الجهة الشمالية من القصر، جناح لم يُفتح منذ تنازل "إيراث" عن الحكم. كان الممر المؤدي إليه مختلفًا عن بقية أروقة القصر؛ أكثر هدوءًا، وأكثر برودة، حتى إن الغبار تراكم فوق بعض النوافذ الضيقة، بينما بقيت الرايات القديمة معلقة على الجدران كما تركها أصحابها قبل سنوات. وصلت "سيرافينا" يتبعها "فايرُن". نظرت إلى الباب الخشبي العريض. كان يحمل شعار أستاريا القديم، يحيط به إطار من الفضة السوداء التي بهت لونها مع الزمن. قالت: "لم أدخل هذا المكان منذ تتويجي." أجاب فايرُن: "ولم يدخله أحد بعدك." تقدمت راغنيرا خطوة: "حتى الخدم؟" هز المستشار رأسه: "كان هذا آخر أوامر إيراث." تبادلت النساء نظرات صامتة. ثم وضعت "سيرافينا" يدها فوق المقبض. تردد الباب لحظة، قبل أن ينفتح ببطء، مصدّرًا صوتًا خافتًا، كأن الزمن نفسه احتج على إيقاظ هذا المكان. دخل الأربعة. كان المكتب أوسع مما توقعت "سيرافينا". أرفف طويلة تمتد من الأرض حتى السقف، تتكدس فوقها عشرات الكتب والخرائط واللفائف، بينما احتلت الطاولة الرئيسية منتصف الغرفة، وقد بقي كل شيء عليها كما تُرك قبل سنوات. قارورة حبر جافة. ريشة كتابة. عدة رقوق نصف ملفوفة. ومصباح نحاسي انطفأ منذ زمن بعيد. لم يكن المكان مهملًا، بل محفوظًا. كأن صاحبه خرج منه منذ ساعة، وواثق أنه سيعود بعد قليل. تقدمت الملكة ببطء، ومدت أصابعها فوق سطح الطاولة. كان الغبار رقيقًا، لكنه لم يخف آثار خطوط دقيقة، بدت وكأن أحدًا ظل يحرك الأشياء فوقها سنوات طويلة قبل أن تتوقف الحركة فجأة. قالت الوزيرة الأولى "دالميرا" وهي تتأمل الرفوف: "احتفظ بكل شيء." أجاب المستشار فايرُن: "بل تخلص من أشياء أكثر." التفتت إليه سيرافينا: "ماذا تقصد؟" اقترب من أحد الرفوف. كانت هناك فراغات واضحة بين الكتب. قال: "حين كان إيراث ينتهي من قراءة بعض المخطوطات... لم يكن يعيدها إلى أماكنها." سألت "راغنيرا" قائدة الجيش: "أين كانت تذهب؟" ابتسم ابتسامة باهتة: "هذا ما لم يخبرني به يومًا." بدأوا يتفقدون الغرفة بهدوء. لم يكونوا يبحثون عن شيء محدد. بل عن طريقة تفكير رجل غاب منذ سنوات، وما زالت المملكة تدور في فلك قراراته. رفعت "دالميرا" إحدى الخرائط القديمة. كانت مليئة بخطوط صغيرة، بعضها بالحبر الأسود، وبعضها بالأزرق. قالت: "هذه ليست خرائط عسكرية." اقترب فايرُن منها: "لا." _ "إذن ماذا تمثل؟" تأملها طويلًا. ثم قال: "أماكن زارها بنفسه." رفعت سيرافينا رأسها: "كلها؟" أومأ: "كان يرفض إرسال أحد قبله." ساد الصمت. قالت راغنيرا: "حتى أنت؟" ابتسم فايرُن: "خصوصًا أنا." اتجهت "سيرافينا" نحو المكتبة. كانت تعرف معظم الكتب الموجودة فيها. كتب السحر. القوانين. تاريخ الممالك. سجلات الميثاق. لكن شيئًا واحدًا شد انتباهها. كل رف يحمل ترتيبًا دقيقًا... إلا رفًا واحدًا. اقتربت منه. كانت الكتب مصطفة بعناية، ثم يظهر بينها فراغ طويل، يكفي لعدة مجلدات. مرت أصابعها فوق الخشب. ثم قالت: "كانت هنا كتب." اقترب "فايرُنط. نظر إلى الرف طويلًا. ثم قال بهدوء: "أعرف." سألته: "من أخذها؟" ظل صامتًا. ثم أجاب: "إيراث." التفتت إليه: "قبل أن يرحل؟" _ "قبل ذلك بسنوات." عقدت حاجبيها: "ولم يسأل أحد؟" ابتسم ابتسامة قصيرة: "كلنا سألناه." _ "وماذا قال؟" خفض نظره إلى الرف. ثم قال: "قال إنها لم تعد تنتمي إلى هذه المكتبة." ساد الصمت. لم يكن جوابًا. بل لغزًا آخر. جلست "سيرافينا" أمام الطاولة الرئيسية. أخذت تقلب بعض الرقوق القديمة. معظمها ملاحظات قصيرة. أسماء أماكن. تواريخ. رموز لا تحمل تفسيرًا. ولاحظت شيئًا غريبًا. لم يكن "إيراث" يكتب أفكاره كاملة. بل يكتب نصف الفكرة فقط. كأنه يعرف أنه سيعود لاحقًا ليكملها... أو أنه لا يريد لأحد غيره أن يفهمها. قالت بهدوء: "كان يكتب لنفسه." أجاب فايرُن: "دائمًا." _ "وليس لغيره." _ "أبدًا." ابتسمت ابتسامة خفيفة: "حتى ملاحظاته... مليئة بالأسرار." اقترب "فايرُن" من النافذة القديمة. نظر إلى الحدائق الملكية الممتدة أسفل القصر. ثم قال، وكأنه يحدث نفسه: "في سنواته الأخيرة... تغيّر." رفعت سيرافينا رأسها: "كيف؟" طال صمته. ثم قال: "كان أقل كلامًا." _ "هذا ليس غريبًا." _ "لكنه أصبح أكثر إصغاءً." نظر إليها: "كان يقضي ساعات يستمع." _ "إلى ماذا؟" هز رأسه ببطء: "لا أعرف." ثم ابتسم ابتسامة حزينة: "لكنني كنت أشعر أحيانًا... أنه يسمع شيئًا لا يسمعه أحد غيره." ساد الصمت داخل المكتب. لم يكن أحد يعرف إن كان "فايرُن" يتحدث عن أصوات حقيقية... أم عن هموم رجل بدأ يحمل من الأسرار أكثر مما يستطيع احتمالها. وقفت "سيرافينا" مرة أخرى. أدارت نظرها في الغرفة كلها. ثم قالت: "لا أظن أننا سنجد الكتاب هنا." أجاب فايرُن مباشرة: "ولا أنا." _ "لكننا سنجد أثره." نظر إليها: "كيف عرفتِ؟" ابتسمت للمرة الأولى منذ بداية الصباح. ثم قالت: "لأن الرجل الذي أخفى شيئًا بهذا الحجم..." وسكتت لحظة، وهي تنظر إلى الرفوف الفارغة وإلى الأوراق الناقصة والخرائط المليئة بالمسارات المنسية: "...لا يمكن أن يكون قد أخفى الطريق كله." ساد الصمت. وللمرة الأولى منذ دخلوا مكتب الملك السابق... شعر الأربعة أنهم لم يأتوا للبحث عن كتاب... بل ليبدأوا رحلة تتبع الرجل الذي قضى سنوات يطارده، ثم اختفى قبل أن يخبر أحدًا إلى أين انتهت به الطريق.
يتبع...