الفصل التمهيدي
✦ "نبضٌ بين عالمين" ✦
في الليلة التي سبقت العملية، لم ينم سليم جيدًا. كان يفتح عينيه كل ساعة تقريبًا، ينظر إلى سقف الغرفة البيضاء، ثم يعيد إغماضهما وكأنه يحاول الهروب من فكرة لا تريد أن تتركه. المستشفى في الليل كان هادئًا بطريقة مزعجة. أصوات أجهزة بعيدة، خطوات متقطعة في الممرات، وصفير هواء التدفئة الممتد داخل الجدران. أما النوم... فلم يأتِ كاملًا. وحين جاء الصباح، كانت الساعة قد اقتربت من السادسة والنصف. وقف إليان قرب النافذة، ينظر إلى الخارج حيث كانت سماء "المانيا" الشتوية رمادية ومبللة بالمطر الخفيف. ثم التفت وقال بهدوء: "عمليتك ستكون عند السابعة." بقي سليم صامتًا لثوانٍ، ثم قال فجأة: "هل تعرف... في أي شهر نحن؟" استغرب إليان السؤال، لكنه أجاب: "نعم... اليوم الحادي عشر من نوفمبر. لماذا تسأل؟" ظهرت ضحكة خفيفة على وجه سليم، لكنها لم تكن ضحكة حقيقية: "أتدري ما الغريب؟ وصلت إلى ألمانيا يوم 11 / 11 أيضًا." سكت قليلًا وهو ينظر إلى يده، ثم أكمل: "أربعة واحدات... ألا ترى أن الأمر يبدو كصدفة غريبة؟ أو ربما... شيء آخر." لم يُجب إليان مباشرة. كان ملمًّا بهذه المواضيع منذ سنوات؛ علم الأرقام، الريكي، التأمل، الوعي، وقوة الآن. قرأ كثيرًا عنها، وتعلّق بها كأنها تمنحه تفسيرًا خفيًا للأشياء التي لا يستطيع فهمها. لكن هذه لم تكن اللحظة المناسبة لنقاش كهذا. خفض سليم رأسه قليلًا وقال بصوت أخف: "حلمت أمس... أنني مت." رفع إليان نظره نحوه بسرعة: "كفّ عن هذا التفكير. العملية ستنجح، أنا متأكد." تنهد سليم ببطء: "لدي شعور سيئ... لا أعرف لماذا. هل تعرف ما معنى أربعة واحدات في علم الأرقام؟" هذه المرة أيضًا لم يُجب إليان. وقبل أن يكتمل الحديث، انفتح الباب بهدوء. دخلت والدة إليان. لم تقل شيئًا. فقط جلست بصمت، تحمل حقيبتها الصغيرة فوق ساقيها بكلتا يديها، بقوةٍ زائدة عن الحاجة، وتنظر إليه بين لحظة وأخرى بنظرة لم يفهمها في البداية. لم تكن فقط نظرة خوف. كانت كأنها تحفظ ملامحه. كان سليم الذي ناهز الأربعين يجلس على حافة السرير وكأنه لا يجلس فوق سرير مستشفى... بل على حافة شيءٍ آخر لا يراه. الغرفة كانت باردة أكثر مما ينبغي. برودة لا تأتي من الشتاء وحده، بل من الجدران البيضاء، ومن الرائحة الطبية الثقيلة التي تلتصق بالمكان، ومن ذلك الصمت الذي لا يشبه صمت البيوت. في الخارج، خلف زجاج النافذة، كانت المدينة تستيقظ ببطء تحت سماء رمادية باهتة. المطر الخفيف يضرب الزجاج بنعومة، والسيارات البعيدة تمر كظلال صامتة. أما داخل الغرفة... فكان الوقت أبطأ. نظر سليم إلى ذراعه. الكانونة المغروسة في وريده بدت صغيرة جدًا... لكنها كانت كافية لتجعله يشعر أن جسده لم يعد ملكه بالكامل. لم تكن تؤلمه. لكن وجودها وحده كان مزعجًا. شيء دخل إلى دمه دون إذنه... واستقر هناك بهدوء. مرّر أصابعه قرب اللاصق الطبي، ثم أبعد يده ببطء. كانت بشرته أبرد مما توقع. أما إليان، فبقي واقفًا قرب النافذة، يحاول أن يبدو هادئًا. لكنه كان يعرف سليم جيدًا، ويعرف أن هذا الصمت ليس طبيعيًا. كان هناك شيء ثقيل يتحرك داخل الغرفة منذ استيقاظهما. شيء لا يُقال. أبعد سليم نظره عن والدة إليان. لم يكن يخاف من العملية نفسها. أو هكذا كان يقنع نفسه. الخوف الحقيقي كان أقدم من ذلك.أقدم من المرض. أقدم من المستشفى. ذلك الشعور القديم... الذي كان يسبقه دائمًا قبل حدوث شيء سيئ. قبل السقوط. قبل الغرق. قبل الألم. ذلك الإحساس الغامض الذي يبدأ خفيفًا داخل الصدر، ثم يتمدد ببطء... كأن الروح نفسها تسمع شيئًا لا تسمعه الأذن. طرقٌ خفيف على الباب. ثم دخلت الممرضة. شابة شقراء، ملامحها هادئة، تحمل ملفًا أزرق صغيرًا. ابتسمت ابتسامة مهنية سريعة، ثم قالت بالألمانية شيئًا لم يلتقطه سليم كاملًا. ترجم إليان بهدوء: "حان وقت التجهيز." شعر سليم بشيء يهبط داخله فجأة. ليس خوفًا مباشرًا... بل إحساس ثقيل بأن اللحظة التي حاول تجاهلها طوال الأيام الماضية... وصلت أخيرًا. اقتربت الممرضة من السرير، تفقدت الكانونة، ضغطت عليها بخفة، ثم دوّنت شيئًا في الملف. قالت بهدوء: "سنأخذك بعد قليل. أومأ سليم فقط. خرجت الممرضة، وبقي الباب نصف مفتوح للحظات، قبل أن يعود الصمت ويتمدد من جديد. نظر إليان نحوه محاولًا الابتسام: "كل شيء سيكون بخير." لكن سليم لم يُجب مباشرة. كان ينظر إلى الأرض. ثم قال بصوت منخفض: "الغريب... أنني لا أخاف من الموت نفسه." رفع إليان حاجبيه قليلًا: "إذًا ممَّ تخاف؟" رفع سليم عينيه ببطء: "أخاف من تلك اللحظة... التي يفصل فيها الإنسان بين شيئين... ولا يعرف إلى أين يذهب." ساد الصمت للحظات. حتى والدة إليان رفعت نظرها نحوه للحظة، ثم خفضته مجددًا. وقف سليم أخيرًا. بدأ يخلع ملابسه ببطء. ليس لأنه متردد... بل لأنه كان يشعر أن كل قطعة يخلعها تأخذ معها شيئًا من هويته. الكنزة. ثم القميص. ثم البنطال. كل شيء بدا فجأة شخصيًا جدًا. حين ارتدى ملابس المستشفى الزرقاء، الواسعة والباردة، نظر إلى نفسه للحظة قصيرة. لم يشعر أنه هو. الجسد بدا أضعف. أخف. ومكشوفًا أكثر مما ينبغي. استلقى فوق السرير المتحرك بعدما طلبت منه الممرضة ذلك. وحين وضعت يدها على حافته وبدأت العجلات تتحرك... فهم شيئًا مخيفًا جدًا: أنه لم يعد يذهب بإرادته. بل يُؤخذ. بدأ السرير يتحرك ببطء داخل الممر الطويل. السقف الأبيض فوقه مباشرة. أضواء طويلة متكررة تمر فوق عينيه واحدة تلو الأخرى. ضوء. ثم فراغ صغير. ثم ضوء آخر. ومع كل ضوء... كان شيء ما يفتح داخله. لم تكن ذكريات واضحة. بل إحساسات متقطعة. ماء بارد يبتلع صدره. تراب خشن تحت يديه. أنفاس كلب قريبة من وجهه. صوت ارتطام حجر. ودم يسقط فوق صفحة كتاب مفتوح. لم يرَ المشاهد بوضوح... بل شعر بها. كأن جسده نفسه... يتذكر. كان الممر طويلًا أكثر مما ينبغي. أو ربما بدا كذلك لأن الوقت داخله لم يكن يتحرك بشكل طبيعي. العجلات تصدر صوتًا خافتًا فوق الأرضية اللامعة، والممرات تتشابه حتى كأن المستشفى كلها تدور في دائرة واحدة لا تنتهي. أحيانًا كانوا يمرّون قرب أبواب نصف مفتوحة. غرف بيضاء. أجهزة تصدر أصواتًا منتظمة. مرضى نائمون. وممرضات يتحركن بسرعة هادئة كأنهن اعتدن رؤية الخوف كل يوم. أما سليم... فكان يشعر أن العالم يبتعد عنه تدريجيًا. التفت بعينيه بصعوبة. رأى إليان يسير قرب السرير. كان يحاول أن يبدو طبيعيًا، لكن خطواته كانت سريعة أكثر من المعتاد. أما والدة إليان، فكانت تمشي خلفهما بصمت، تضم حقيبتها الصغيرة إلى صدرها هذه المرة، وكأنها تتمسك بشيء يمنعها من الانهيار. مرّوا قرب نافذة طويلة. لثانية قصيرة، رأى سليم انعكاسه فوق الزجاج. وجه شاحب. عينان متعبتان. وشخص يبدو أكبر من عمره الحقيقي. ثم اختفى الانعكاس سريعًا مع حركة السرير. كل شيء كان يتحرك... إلا داخله. هناك... كان شيء ثابت ينتظر. حين وصلوا إلى الباب الكبير، توقفت الممرضة. بابان أبيضان عريضان. فوقهما ضوء أحمر صغير. غرفة العمليات. شعر سليم فجأة بجفاف في حلقه. التفت نحو إليان. نظر الاثنان إلى بعضهما لثوانٍ طويلة دون كلام. ثم قال سليم بهدوء غريب: "إذا حدث شيء..." قاطعه إليان فورًا: "لن يحدث شيء." لكن سليم أكمل وكأنه لم يسمعه: "أخبر أمي أنني كنت أحاول... فقط." ارتجفت ملامح إليان قليلًا. ثم اقترب ووضع يده على كتف سليم: "ستخرج بعد ساعات وتضحك على كل هذا." ظهرت نصف ابتسامة على وجه سليم. ابتسامة صغيرة... متعبة. ثم فُتح الباب. ودخل. وأُغلق العالم خلفه. كانت غرفة العمليات مختلفة عما تخيله. لم تكن مرعبة بشكل مباشر. وهذا ما جعلها أكثر رعبًا. كل شيء فيها منظم أكثر مما ينبغي. بارد أكثر مما ينبغي. هادئ أكثر مما ينبغي. الأجهزة مصطفة بدقة، الشاشات مضيئة بخطوط خضراء متحركة، والأطباء يتحركون بثقة أشخاص يفعلون الشيء نفسه كل يوم. لكن بالنسبة لسليم... لم يكن هذا "كل يوم". كان يشعر أنه دخل مكانًا لا يعود الناس منه كما كانوا. ساعدوه على الانتقال إلى سرير العمليات. الضوء فوقه كان قويًا جدًا. أبيض... حاد... بلا رحمة. بدأت الأصوات حوله تختلط. مصطلحات طبية. أدوات معدنية. صوت فتح علب بلاستيكية. احتكاك القفازات. ثم اقترب طبيب التخدير. رجل في منتصف العمر، عيناه هادئتان بشكل غريب. نظر إلى الكانونة في ذراع سليم، ثم قال شيئًا بالألمانية. فهمها سليم سريعًا: — ستشعر بالنعاس فقط. النعاس. فكر سليم للحظة أن الكلمة بسيطة جدًا مقارنة بما سيحدث. اقترب الطبيب أكثر. ثم بدأ السائل بالدخول إلى وريده. وفي اللحظة الأولى... شعر بالبرودة. ليست برودة الجلد. بل برودة تسير داخل الدم نفسه. بدأت من ذراعه... ثم تحركت ببطء داخل جسده. باردة. هادئة. وواثقة. بدأت الأصوات تبتعد. الأضواء تتمدد. الوجوه تفقد حدودها. لكن السقف بقي واضحًا. كان يحدق فيه كأنه آخر شيء يربطه بالعالم. ثم... بدأ يتغير. شيئًا فشيئًا... لم يعد سقفًا. تحول إلى فراغ. فراغ عميق بشكل لا يمكن وصفه. وشعر سليم فجأة... أنه يسقط. ليس بجسده... بل بشيء أعمق. كأن وعيه نفسه انفصل وبدأ يهوي داخل مساحة بلا نهاية. حاول أن يتشبث بشيء. بصوت. بفكرة. بذكرى. لكن كل شيء كان يبتعد بسرعة. ثم رأى الماء. ليس نهرًا واضحًا. ولا بحرًا. مجرد ظلام مائي يتحرك ببطء. وفي عمقه... دوائر. دوائر سوداء تتسع بهدوء. وشيء بعيد... كان ينتظره هناك. لم يكن يعرف إن كان يحلم... أم يتذكر... أم يموت فعلًا. كل شيء فقد شكله الطبيعي. الزمن لم يعد يتحرك بخط مستقيم، بل صار يتشظى إلى لحظات قصيرة متداخلة، كأن حياته كلها تُفتح أمامه دفعة واحدة ثم تُغلق بسرعة. رأى باب بيتهم في ضواحي بغداد. مفتوحًا قليلًا. الريح تحرك الستارة القديمة قرب المدخل. ثم اختفى المشهد. رأى الماء مرة أخرى. رأى نفسه صغيرًا، ينزل ببطء في عمق نهر دجلة، الضوء يتكسر فوق رأسه، والأعشاب المائية تتحرك حوله كأنها أصابع طويلة. ثم... صوت بعيد. "شحن!" اهتز الظلام للحظة. لكن السقوط استمر. رأى الحفرة الصغيرة قرب الهيكل الحجارة في قضاء العاصمة. كانت أعمق الآن. أعمق بكثير مما يجب. وشعر أن شيئًا ينظر إليه من داخلها. ثم اختفى كل شيء دفعة واحدة. في الخارج... فتحوا صدره. القلب كان ظاهرًا تحت الضوء الأبيض القاسي. ينبض. منتظمًا. حقيقيًا. ثم توقف. في تلك اللحظة، لم يتوقف القلب وحده. كان هناك شيء آخر توقف معه. شيء لا يظهر على أي شاشة. بدأت الأجهزة تصدر أصواتًا مختلفة. الأطباء تحركوا بسرعة أكبر. الأيدي أصبحت أسرع. النظرات أطول. والهدوء... بدأ يتكسر. — الضغط ينخفض! — النزف يزداد! — بسرعة! صوت الأجهزة ارتفع. ثم ظهر ذلك الصوت. الصوت الطويل الحاد. الممتد بلا نهاية. كأنه خط مفتوح بين عالمين. وفي مكان لا يشبه أي مكان... كان سليم واقفًا. لا أرض تحت قدميه. ولا سماء فوقه. ولا جسد يشعر بثقله. فقط... وجود. وشعور غريب بالخفة. أمامـه كان هناك شيء. ليس بابًا. وليس نورًا كما تصف القصص. بل حضور. شيء هائل... لا يمكن رؤيته كاملًا. لكنه كان هناك. وشعر سليم فجأة بكل شيء دفعة واحدة. كل خوف حمله منذ الطفولة. كل مرة شعر فيها أنه مختلف. كل الأماكن التي تركها. بيته في ضواحي بغداد. ناحية القضاء بعد انتقالهم. السطح في بغداد. غرفة المستشفى. كلها كانت داخله في اللحظة نفسها. ثم سمع صوتًا. لم يكن صوتًا حقيقيًا. بل معرفة ظهرت داخله فجأة: "لم ينتهِ الأمر بعد." وفي اللحظة نفسها— "شحن!" ارتفع جسده بعنف فوق سرير العمليات. ثم سقط. — مرة أخرى! — لا تفقده! — الآن!! الصدمات الكهربائية اخترقت جسده. الأطباء يتحركون بسرعة. العرق بدأ يظهر رغم برودة الغرفة. أحدهم ضغط على صدره بقوة. آخر يراقب الشاشة. الخط الأخضر ارتجف فجأة. ثم عاد للحظة قصيرة. ضعيفًا. مترددًا. كأنه لا يريد أن يقرر... هل يبقى؟ أم يرحل؟ وفي ذلك الفراغ الغريب... شعر سليم بشيء يشده بقوة. ليس إلى الأمام. بل إلى الخلف. كأن خيطًا خفيًا ما زال مربوطًا بجسده. ثم— انفجار. ليس صوتًا. بل صدمة هائلة اجتاحت وعيه بالكامل. كأن شيئًا انكسر داخله... أو عاد بالقوة. وفجأة— عاد الألم. عاد الثقل. عاد الصوت. عاد الجسد. الهواء البارد. الأجهزة. الضوء الأبيض. كل شيء عاد دفعة واحدة بعنفٍ لا يُحتمل. وفي الشاشة... ظهر الخط الأخضر من جديد. ارتفع... انخفض... تردد... لحظة طويلة... معلقة بين عالمين. ثم... "بييب..." "بييب..." "بييب... بييب..."
هل مات... أم عاش؟
إذا أردت أن تعرف... عليك أن تفهم... وإذا أردت أن تفهم... فعليك أن تبدأ من البداية.