أخر الشتاء
القسم الأول__________________________
أول ما أتذكره من الحياة لم يكن شمسًا. كان صوتًا. صوتًا يهزّ الجدران كأن البيت كله يرتجف من الداخل، وكأن الليل لم يكن ليلًا عاديًا، بل كائنًا ضخمًا يضغط على النوافذ والجدران ويحبس أنفاسنا معه. كنا ننام في الحمّام. كان كبيرًا وواسعًا وفي آخر البيت، قالوا إنه أكثر أمانًا، وأنا كنت صغيرًا بما يكفي لأصدق كل ما يقوله الكبار، لكنني كنت أشعر أن الأمان نفسه كان خائفًا معنا. كنت أستيقظ على ارتجاج الأرض، وأرى أمي تضمّ أخي الرضيع إلى صدرها بقوة. كان "فراس" ما يزال صغيرًا جدًا، يلتصق بها كأنه جزء منها، كأنه لا يعرف من الدنيا إلا رائحة جسدها ودفء ذراعيها. كانت تجلس على الأرض معنا، ملفوفة بالبطانيات، وعيناها لا تستقران في مكان واحد. لم تكن تصرخ، ولم تكن تبكي، لكنها كانت تراقب الباب والجدار والسقف في وقت واحد، كأنها تخشى أن يأتي الخطر من أي جهة. كنا نجلس على الأرض، ملفوفين بالبطانيات، ننتظر أن يهدأ الليل. الخوف كان في العيون، لكن لا أحد يصرخ. كان الصمت أثقل من الصوت، وكانت أنفاسنا الصغيرة تختبئ بين ارتجاجٍ وآخر. لم أكن أفهم الحرب، ولم أكن أعرف أسماء الطائرات أو المدافع، لكنني كنت أفهم شيئًا واحدًا: أن الليل ليس دائمًا للنوم، وأن البيوت لا تحمي أصحابها دائمًا، وأن صوتًا واحدًا بعيدًا يمكن أن يجعل قلب الطفل يكبر فجأة. حين يأتي الصباح، نخرج بحذر. لم يكن خروجنا يشبه خروج الناس إلى يوم جديد، بل كان أقرب إلى تفقد الناجين لما بقي من عالمهم. أحيانًا نجد زجاج النوافذ مكسورًا، وشظايا متناثرة قرب الجدران، وأمي تجمع ما تستطيع وهي تتمتم بكلمات لا أفهمها. كنت أنظر إلى الزجاج اللامع على الأرض كأنه قطع صغيرة من سماء تحطمت ليلًا وسقطت في بيتنا. وعلى الطريق الترابي، كانت الطلقات الفارغة تلمع تحت الشمس. كنت أراها صغيرة، ساكنة، لا تشبه الصوت الذي جاء منها. كنت أنحني أحيانًا لأتأملها من بعيد، لكن شيئًا داخلي كان يمنعني من لمسها. ربما كان خوفًا، وربما كان ذلك الإحساس القديم الذي لم أكن أملك له اسمًا بعد؛ إحساس يقول لي إن بعض الأشياء، حتى لو بدت ميتة، قد تحمل داخلها بقية نار. قريتي في ضواحي "بغداد" لم تكن قرية هادئة تمامًا. كان فيها معسكر قديم، ودبابات معطلة تقف كأجساد معدنية محروقة، ساكنة على أطراف المكان كأنها حيوانات ضخمة ماتت ولم يدفنها أحد. كنا نراها من بعيد، وكان لونها الصدئ يختلط بالغبار والشمس، فتبدو كأنها خرجت من حربٍ قديمة وما زالت تنتظر حربًا أخرى. أحيانًا يذهب بعض الأولاد للعب هناك، يضربون الصواريخ المهجورة بالعصي، أو يحاولون فتحها لاستخراج البارود. كنت أراهم يضحكون ويتنادون، كأنهم يلعبون قرب كنز، بينما كنت أشعر أن المكان كله ينظر إليهم بصمت. كنت أخاف الاقتراب، لكنني كنت أعرف أن الأشياء المتروكة لا تكون دائمًا بريئة، وأن بعض المعادن تنام وفي داخلها لعنة صغيرة. كنت أخاف الاقتراب. لم أكن أعرف لماذا أخاف أكثر من غيري، ولماذا كانت قدماي تتوقفان قبل أن أصل إلى حيث يصلون. كنت أظن أنني جبان، لكن شيئًا في داخلي كان أعمق من الجبن. كان كأنه يد صغيرة خفية تمسكني من الخلف وتقول: لا تقترب. الأرض التي بُني عليها بيتنا كانت من نصيب أبي بعد سنوات خدمته في الجيش. كانت قطعة أرض حصل عليها كما يحصل الرجل المتعب على وعدٍ صغير بعد عمرٍ من التعب، ثم بنى عليها هو وأمي بيتنا حجرًا حجرًا، لا كجدران فقط، بل كحلمٍ يريد أن يثبت في مكانه. بناها عام سبعة وسبعين. كانا يبنيان البيت كما لو أنهما يبنيان مستقبلنا نحن، غرفة بعد غرفة، وجدارًا بعد جدار. لم أكن هناك حين بدأ البناء، لكنني كنت أشعر لاحقًا أن الجدران تعرف أيديهما، وأن البيت لم يكن مجرد بيت، بل تعب أبي وصبر أمي ورائحة الطين حين يتحول إلى مأوى. بعد سنوات قليلة فقط من بناء البيت، اندلعت الحرب بين العراق وإيران سنة 1980، واستمرت ثماني سنوات كاملة لحد 1988، طويلة وثقيلة كأنها لن تنتهي أبدًا. كانت الحرب موجودة في كل شيء؛ في نشرات الأخبار، في وجوه الرجال، وفي القلق الذي يسكن البيوت حتى في الأيام الهادئة. ولدتُ أنا سنة 1985، بينما كانت الحرب ما تزال مستمرة. وبعدي بسنتين وُلدت أختي "سهام"، ثم بعد سنة جاء أخي "وسام"، في الأيام التي كان الناس يقولون فيها إن الحرب انتهت أخيرًا، وإن البلاد ربما ستتنفس قليلًا بعد ثماني سنوات من الخوف والتعب. وحين انتهت الحرب سنة 1988، ظن الناس أن الحياة ستعود أخيرًا كما كانت، وأن السنوات الثقيلة مضت وانتهت. بدأ الهدوء يعود تدريجيًا، وعادت بعض الضحكات إلى البيوت، لكن الهدوء لم يدم طويلًا. كبر البيت، وولدنا وكبرنا داخله. بعدها بعامين فقط، جاءت حرب الخليج سنة 1990: كنت وقتها في الخامسة من عمري تقريبًا، حين ولد أخي "فراس" وما يزال رضيعًا صغيرًا. حينها بدأت أولى الذكريات الحقيقية التي بقيت عالقة داخلي؛ أصوات القصف، وها نحن ننام في الحمّام، وعيون الكبار التي كانت تحاول أن تبدو مطمئنة وهي خائفة مثلنا. لم أكن أفهم معنى السياسة ولا سبب الحرب، لكنني كنت أفهم التعب. كنت أراه في وجه أبي حين يعود، وفي طريقة جلوسه الصامتة أحيانًا، وفي نظرات الكبار عندما يذكرون الجبهة أو أسماء المدن البعيدة. بعدها بسنة تقريبأ، أنتهت حرب الخليج سنة 1991، وبمرور الأيام عادت الحياة الطبيعية او بالأحرى شبه طبيعية واختفى القصف من ذاكرتي تدريجيًا، لم يختفِ تمامًا، بل تراجع إلى مكان عميق داخلي، مثل وحشٍ نام ولم يمت. أول ما وعيتُ للحياة كان صباحًا مشمسًا وجميلًا. كنت أسمع صوت الصحون يتداخل مع رائحة الفطور والشاي. كانت أمي تتحرك بين الموقد والطاولة، ورائحة البيض المقلي والخبز الحار تملأ البيت، فتدفع الخوف القديم إلى الخلف قليلًا. كان الضوء يدخل من النوافذ كأنه يغسل ما تركه الليل فينا، وكنت أشعر، دون أن أعرف معنى الشعور، أن البيت في تلك اللحظات كان يشبه حضنًا كبيرًا. كانت الحياة تعود ببطء إلى طبيعتها بعد الحرب، أو هكذا بدت لي وأنا طفل. لم أكن أفكر في السياسة ولا في الأخبار ولا في كل ما كان يشغل الكبار. كان عالمي أصغر بكثير؛ بيتنا، والشارع الترابي أمامه، والبساتين الممتدة حول القرية، والأصوات التي تتكرر كل يوم حتى تصبح جزءًا من الذاكرة. في الصباح الباكر كنت أستيقظ أحيانًا على أصوات الدجاج قبل أن أستيقظ على أصوات الناس. أصوات متداخلة تأتي من حدائق البيوت ومن الساحات الصغيرة خلف الجدران. كانت أغلب العائلات تربي الدجاج وبعض الحيوانات، لذلك لم تكن القرية تستيقظ على صوت السيارات بقدر ما كانت تستيقظ على أصوات الحياة نفسها. وكانت هناك عادة أخرى ننتظرها جميعًا بفارغ الصبر. كل أسبوعين تقريبًا، أو مرتين في الشهر، كان جدي يزورنا. وما إن نراه يدخل من الباب حتى نلتف حوله كالعصافير الصغيرة. لم يكن يأتي خالي اليدين أبدًا. كان يحمل معه نقودًا معدنية قليلة، لكنه كان يرتبها بطريقة خاصة لا أنساها حتى اليوم. يضع القطع المعدنية فوق بعضها على شكل عمود صغير يشبه الإصبع، ثم يلفها داخل قصاصة من ورق الجرائد حتى لا تتبعثر. كان يخرجها من جيبه بابتسامة هادئة، ويوزعها علينا واحدًا تلو الآخر. لم تكن مبالغ كبيرة أبدًا. لكن بالنسبة لنا كانت كنزًا حقيقيًا. كنا نفرح بها أكثر مما يفرح الأطفال اليوم بالأشياء الكبيرة. وما إن نحصل عليها حتى نبدأ بالتخطيط مباشرة لما سنشتريه من الدكان القريب. بعضنا يشتري المصاصات، وبعضنا يشتري العلكة أو البسكويت أو الحلوى الملونة الموضوعة داخل مرطبانات زجاجية كبيرة خلف واجهة المحل. وكنت أحيانًا أبقي النقود في جيبي لبعض الوقت قبل أن أنفقها، فقط لأشعر أنها ما تزال ملكي. أتذكر أنني كنت أحب النظر إلى يد جدي كثيرًا. كانت يدًا خشنة ومتعبة، مليئة بالتجاعيد وآثار السنين، لكنها كانت دائمًا دافئة حين تربت على رأسي. في تلك السنوات، كانت السعادة أبسط مما نتخيل. قطعة حلوى. زيارة من الجد. كأس لبن بارد في ظهيرة حارة. أو صباح هادئ لا تسمع فيه أصوات القصف. كانت تلك الأشياء الصغيرة تكفي لتجعل العالم يبدو جميلًا وكاملًا في عيني طفل لم يكن يعرف بعد كم يمكن للحياة أن تتغير. أختي الكبرى "هيام" كانت تخرج من البيت كل صباح وهي تبحث عن حقيبتها بعجلة، لأن مدرستها الثانوية كانت بعيدة عن بيتنا، لذا كان عليها دائمًا أن تغادر مبكرًا لتلحق بالحافلة. كنت أراقبها أحيانًا وهي تربط شعرها بسرعة قرب المرآة الصغيرة المعلقة على الجدار، ثم تختفي خلف الباب تاركة وراءها رائحة صابون خفيفة وصوت خطوات يتلاشى في الزقاق الترابي. أما أخي الأكبر "عاصم"، فقد ترك المدرسة مبكرًا وبدأ يعمل في ورشة لتصليح السيارات المقابلة للشارع الرئيسي لقريتنا، في مجمع صغير يسمونه “الصنايع”. كان يعود أحيانًا ويداه سوداوين من الزيت، ورائحة الحديد والمازوت تسبقه إلى البيت قبل أن يدخل. كنت أراه رجلًا كبيرًا رغم أنه لم يكن كبيرًا فعلًا، وربما لأن الحرب جعلت الأولاد يكبرون أسرع مما ينبغي. أما أبي، فكان يضع إبريق الشاي في كيس صغير ويأخذه معه إلى المقهى في “الصنايع”. حيث يجلس الرجال منذ الصباح الباكر يتبادلون الأخبار والهموم وكأنهم يحاولون فهم الحياة بفناجين الشاي والدخان. كنت أراه أحيانًا من بعيد، يجلس بصمت أكثر مما يتكلم، يحضر الشاي ويسمع الراديو، ويحدق في الفراغ كأن جزءًا منه ما يزال عالقًا في سنوات الحرب. وكان لي أخ آخر يكبرني بسنتين، "هاشم"، لكنه لم يكن يسكن معنا. كان يعيش مع جدي وأخوالي، يعمل معهم في صناعة الحلويات وكعك الأعياد والمعجنات بأنواعها. كنت أحب زيارتهم أحيانًا فقط لأجل الرائحة؛ رائحة الطحين والسكر الساخن والسمسم، كأن المكان عالم مختلف تمامًا عن أصوات الحديد والحروب والورش. وأنا… كنت أراقب كل شيء بصمت الطفل الذي يشعر أنه يرى أكثر مما يجب. لأول مرة شعرت بدفء البيت الحقيقي بعيدًا عن أصوات الحرب. ضحكاتهم حول سفرة الفطور المفروشة على الأرض، والتلفاز القديم يعرض “افتح ياسمسم”، بينما كان وسام وسهام يجلسان قريبين مني بعيون واسعة يتابعون افلام الرسوم المتحركة وكأن العالم لا يحمل أي خوف. كنت أشعر بدفء البيت… دفء لا أعرف له اسمًا. ربما لأن كان ذلك اليوم من أوائل الأيام الفصل الدراسي وانا اصبحت في الصف الثالث الأبتدائي وكنت سعيدأ... دون أن أعرف لماذا. أو ربما لأن الطفل داخلي كان يتشبث بأي لحظة هادئة خوفًا من أن تختفي فجأة كما اختفت أشياء كثيرة من قبل. جلست قريبًا من أمي، أراقب حركتها أكثر مما أراقب الطعام. كانت الغرفة كلها تبدو أكثر أمانًا حين تكون موجودة. حتى لو لم أفهم معنى الأمان آنذاك. حتى صوت الملاعق والصحون كان يملك طمأنينة غريبة، كأن البيت يتنفس من خلالها. لكن ذلك الشعور لم يكن كاملًا دائمًا. في بعض اللحظات، وبدون سبب واضح، كنت أشعر بشيء غريب يمر داخلي بسرعة خاطفة… إحساس قصير يشبه الارتباك أو الخوف، ثم يختفي فجأة كأنه لم يكن. لم أكن أفهمه وقتها، ولم أكن أعرف لماذا أشعر أحيانًا أن هناك شيئًا غير مرئي يراقب العالم بصمت من مكان بعيد. حين انتهى الجميع من الفطور، تباعًا، وانشغل كلٌّ بأمره، انتبهتُ إلى صوت أمي وهي تنادينا بعجلة: "هيا بسرعة، لقد تأخرتم عن المدرسة." قالتها أمي وهي تضع بعض الطعام داخل أكياسنا المدرسية، ثم تساعد "سهام" في ارتداء حقيبتها، وتشـد حزام "وسام"، وتنظر إليّ وكأنها كانت تعرف أنني أفكر كثيرًا أكثر من طفلٍ بعمري. وكأنها تتأكد أنني لم أنسَ شيئًا. خرجنا مسرعين بعد وداع سريع، وقُبلٍ طائرة في الهواء. وقبل أن نغادر التفتُّ للحظة نحو البيت. لا أعرف لماذا فعلت ذلك. لكنني أتذكر جيدًا أنني شعرت في تلك اللحظة القصيرة أن البيت لم يكن مجرد بيت… بل شيء حيّ، يراقبنا بصمت بينما نبتعد عنه نحو يوم جديد لا نعرف ماذا يخبئ لنا. كان الطريق إلى المدرسة في "الصواري" طويلًا بالنسبة لطفلٍ بعمري. كنا نمشي بين بيوتٍ صغيرة متفرقة، بعضها مبني من الطابوق الأحمر، وبعضها ما يزال نصف مكتمل، كأن القرية كلها كانت تكبر ببطء معنا. من أمام القرية تمتد سكة القطار، وعلى اليسار بساتين ونخيل وأراضٍ ترابية مفتوحة، بينما يقودنا الطريق الترابي الضيق شيئًا فشيئًا نحو الشارع الرئيسي. قبل الوصول إلى المدرسة بقليل، كان الطريق يرتفع إلى تلّة صغيرة تمر فوق سكة الحديد. كنت أحب الوقوف هناك للحظات أحيانًا، وأنظر إلى القضبان الممتدة بعيدًا. وحين يمر القطاربين الحين والأخر، كانت الأرض تهتز تحت أقدامنا، ويخترق صوته الصباح كله كأنه وحشٌ معدني طويل يشقّ العالم نصفين ثم يختفي. فأشعربشيء يشبه الدهشة. وعلى جانب السكة، كان الطريق ينحدر بعدها باتجاه المدرسة الواقعة بين البساتين. كنا نسير مسافة طويلة على الأقدام، وسام وسهام وأنا أحيانًا، بينما الهواء الصباحي البارد يلامس وجوهنا، ورائحة التراب المبلل والزرع تملأ المكان. كانت أشجار التكي والرمان والنخيل تحيط بالممرات الترابية، وأصوات العصافير تختلط بصوت خطوات الطلاب بالنزول تدريجيأ من الأرتفاع, إلى المدرسة الواقعة بين البساتين. كان صباحًا عراقيًا هادئًا وجميلًا. الشمس دافئة وليست حارقة بعد، والنسيم خفيف يتحرك بين الأشجار، حتى إن الحياة في تلك اللحظات كانت تبدو طبيعية تمامًا، وكأن الحروب التي مرّت فوق البلاد لم تترك خلفها شيئًا. لكن داخلي لم يكن هادئًا دائمًا.