القسم الثاني
على الرغم من حبي للمدرسة والتعلم، لم أكن أشعر أنني مثل بقية الأطفال. كنت أصغرهم حجمًا تقريبًا، أنحفهم، وأكثرهم هدوءًا. كنت أرتدي نظارة طبية سميكة نسبيًا بسبب ضعف بصري، وكنت أشعر أحيانًا أن النظارة وحدها تكفي لتجعلني مختلفًا عن الجميع. لهذا كانت المعلمات يطلبن مني دائمًا الجلوس في المقعد الأمامي حتى أرى السبورة بوضوح. كنت أجلس هناك بينما بقية التلاميذ يملؤون المقاعد خلفي، وأشعر أحيانًا أن ظهري مكشوف لنظراتهم وهمساتهم. كان أحدهم يتأفف حين يطُلب منه تبديل مكانه, واخر يتنهد بضيق. في البداية لم أكن أفهم الأمر. كنت أسمع ضحكات خافتة أحيانًا، أو همسات لا ألتقط منها سوى كلمات قصيرة: _"مدلل المعلمات... " _"نظاراته..." _"شوف عيونه..." ثم ضحكٌ سريع ينقطع حالما ألتفت إليهم. لم أكن أعرف لماذا يضايق بعض الأولاد شخصًا فقط لأنه مختلف قليلًا، لكن الطفل داخلي بدأ يتعلم مبكرًا أن العالم لا يرحم دائمًا من يبدو أضعف من غيره. وحين كان أحدهم يرفض تبديل مكانه للجلوس خلفي، كنت أشعر بشيء ثقيل يهبط داخل صدري، ليس حزنًا كاملًا... بل ذلك الإحساس القديم نفسه، الإحساس الذي يشبه وقوفك وحدك وسط مكان مليء بالناس. ومع ذلك، كنت أحب المدرسة. أحب رائحة الدفاتر الجديدة، وصوت الطباشير على السبورة، والخرائط المعلقة على الجدران، وحتى ضوء الشمس الذي يدخل من النوافذ الطويلة ويرسم خطوطًا فوق الأرضية القديمة. كنت أشعر أن الكتب تخبئ شيئًا أكبر من الكلمات، وأن القراءة ليست مجرد دراسة، بل باب صغير نحو عالم آخر لا يشبه العالم الحقيقي تمامًا. أحيانًا، بينما تنشغل المعلمة بالشرح، كنت أسرح للحظات وأنظر عبر النافذة نحو البساتين البعيدة. وفي بعض الحصص التي تأتي بعد الفسحة مباشرة، كنت أجد صعوبة في التركيز أحيانًا. فبعد دقائق من الركض واللعب، كان الجسد ما يزال يريد البقاء في الساحة بينما يجلس العقل داخل الصف. كنت أجلس قرب النافذة، أستمع إلى شرح المعلمة، لكن جزءًا مني كان ما يزال في الخارج. أسمع أصوات الأولاد القادمين من الصفوف الأخرى، وأرى العصافير التي تحط على الأشجار القريبة، وأشاهد ضوء الشمس وهو يتحرك ببطء فوق أرض المدرسة. وفي بعض الأيام كنت أراقب الغيوم البعيدة أكثر من اللازم. كانت بعض الغيوم تتخذ أشكالًا غريبة في عيني طفل كثير الخيال. مرة رأيت غيمة تشبه حصانًا يركض. ومرة أخرى بدت لي كأنها طائر ضخم يفرد جناحيه فوق البساتين. وفي إحدى المرات بقيت أحدق طويلًا في غيمة بيضاء شعرت للحظة أنها تشبه ملاكًا كما كانت تظهر الملائكة في الرسوم المرسومة داخل بعض الكتب القديمة. اختفى الشكل بعد دقائق مع حركة الريح، لكنني بقيت أفكر فيه بقية ذلك اليوم. كانت الأشجار تتحرك ببطء مع الريح، لكنني كنت أشعر أحيانًا... وكأن شيئًا ما يراقب من هناك. لم أكن أرى أحدًا فعلًا. مجرد إحساس غريب. إحساس قصير يمر داخلي ثم يختفي، لكنه كان يترك خلفه ارتباكًا لا أفهمه. كنت أعود بسرعة إلى الدرس وكأن شيئًا لم يحدث، لكن ذلك الشعور ظل يتكرر معي في أماكن كثيرة لاحقًا، حتى أصبحت أميز حضوره دون أن أفهم معناه. كنت أسمع ضحكاتٍ خافتة خلفي، وأشعر بحرارةٍ تصعد إلى وجهي كلما التفت أحدهم نحوي. كنت أعدّل نظارتي بيدي الصغيرة وأحاول أن أبدو طبيعيًا، أن أتصرف وكأنني لا أسمع شيئًا، لكن الطفل داخلي كان يسمع كل شيء حتى لو تظاهر بالعكس. كنت أحيانًا أخفض رأسي وأتجنب النظر في عيون الآخرين، ليس خوفًا منهم تمامًا، بل خوفًا من ذلك الشعور الذي يتسلل إليّ كلما طال نظرهم نحوي. شعور غريب يجعلني أحس أن هناك شيئًا خاطئًا بي، شيئًا لا أستطيع فهمه ولا تسميته. وحين أعود إلى البيت مساءً، كنت أقف أحيانًا أمام المرآة الصغيرة قرب غرفة أمي وأتأمل وجهي بصمت. أقترب أكثر من الزجاج، أعدل النظارة فوق أنفي، وأحدق طويلًا في عينيّ وكأنني أبحث عن السبب الذي يجعلني مختلفًا عن بقية الأطفال. كنت أكره شكلي، و كنت أشعر أنني لا أنتمي بالكامل إلى المكان الذي أقف فيه. ومع ذلك، لم تكن المدرسة بالنسبة لي مجرد صفوف ودفاتر وواجبات منزلية. كان هناك أصدقائي أيضًا. "أسامة"، و"موسى"، و"صفاء“. كانوا أقرب الأصدقاء إلى قلبي في تلك السنوات. لا أتذكر كيف بدأت صداقتنا بالضبط. فالأطفال لا يحتاجون أسبابًا كبيرة ليصبحوا أصدقاء. يكفي أحيانًا أن يجلسوا في الصف نفسه، أو يتشاركوا قطعة حلوى، أو يضحكوا على الموقف نفسه، لتبدأ صداقة تستمر سنوات. كان "أسامة" أكثرنا حركة وكلامًا. دائم الابتسام تقريبًا، ويعرف أغلب أولاد المدرسة. أما "موسى" فكان أكثر هدوءًا، لكنه كان من أول الأشخاص الذين يقفون بجانبي إذا حدثت مشكلة أو شجار بين الأولاد. أما صفاء فكان من الأصدقاء الذين أشعر معهم بالراحة دون حاجة للكلام الكثير. كنا نجلس أحيانًا معًا قبل بدء الدوام، أو نتبادل الأقلام والممحاة والدفاتر حين ينسى أحدنا شيئًا في البيت. وفي وقت الفسحة كانت المدرسة تتحول إلى عالم مختلف تمامًا. ما إن يُقرع الجرس حتى تنفتح أبواب الصفوف كأنها أطلقت أسرابًا من الطيور. يركض الجميع نحو الساحة الترابية الواسعة، وتختلط الأصوات والضحكات والصراخ في كل مكان. كان بعض الأولاد يلعبون كرة القدم. وبعضهم يركضون خلف بعضهم في ألعاب المطاردة. وآخرون يتجمعون قرب الأشجار أو قرب سور المدرسة يتبادلون الأحاديث والحلوى. أما نحن فكنا ننتقل بين هذا وذاك بحسب مزاج ذلك اليوم. أحيانًا نشارك في اللعب، وأحيانًا نجلس تحت الظل نتحدث عن الرسوم المتحركة أو المعلمين أو الأشياء التي تبدو مهمة جدًا للأطفال. وكثيرًا ما كنا نعود إلى الصف بعد انتهاء الفسحة وملابسنا مغطاة بالغبار والتراب.كانت المعلمات يوبخن بعض الأولاد أحيانًا بسبب الركض أو الشجار أو تمزيق الملابس، لكن ذلك لم يكن يمنعنا من تكرار الأمر في اليوم التالي. وفي بعض الأيام كنا نتقاسم ما نحمله معنا من الطعام. قطعة خبز. بسكويت. أو بعض الحلوى التي اشتريناها من الدكان قبل الذهاب إلى المدرسة. أشياء بسيطة جدًا، لكنها كانت تجعلنا نشعر أننا نملك العالم كله. أتذكر تلك الأيام الآن فأبتسم. ففي زمن الحروب والخوف وقلة المال، كانت الصداقة واحدة من أجمل الأشياء التي امتلكتها طفولتي. وربما لهذا السبب بقيت أسماء "أسامة" و"موسى" و"صفاء" عالقة في ذاكرتي حتى اليوم، رغم مرور كل تلك السنوات. كنت أحب المدرسة بطريقة غريبة, أحب صوت الطباشير فوق السبورة، ورائحة الدفاتر الجديدة، وأحب تلك اللحظة التي تفتح فيها المعلمة كتاب القراءة وتبدأ الحروف والكلمات بالتحول داخل رأسي إلى صور كاملة. كنت أشعر أن الكتب تخفي شيئًا أكبر من القصص نفسها، كأن بين السطور أبوابًا صغيرة لا يراها الجميع. لهذا كنت أجلس دائمًا في المقعد الأمامي، ليس فقط لأن المعلمات يطلبن ذلك بسبب ضعف بصري، بل لأنني كنت أريد أن أرى كل شيء بوضوح؛ الكلمات، الخرائط، الرسومات، وحتى تعابير وجه المعلمة وهي تشرح الدرس. وفي إحدى المرات، بينما كانت المعلمة تكتب على السبورة، شعرت بذلك الإحساس الغريب يعود إليّ فجأة. ذلك الإحساس القصير الذي يشبه مرور نسمة باردة داخل الصدر دون سبب واضح. رفعت رأسي نحو النافذة تلقائيًا، فرأيت البساتين البعيدة تتحرك ببطء مع الريح، وأغصان الأشجار تتمايل تحت ضوء الشمس الصباحي. لم يكن هناك شيء واضح. ومع ذلك… شعرت للحظة وكأن أحدًا يقف هناك بين الأشجار ويراقب المدرسة بصمت. اختفى الإحساس بسرعة، فعُدت أنظر إلى السبورة محاولًا التركيز، لكن قلبي بقي مضطربًا للحظات دون أن أفهم السبب. ذات مرة، وأثناء الاستراحة بين الحصص، جلست جانبًا أقرأ وحدي بينما كان الجميع يركضون نحو الساحة. كان الجو دافئًا، والهواء يحمل رائحة التراب والشمس وأوراق الأشجار اليابسة. كنت غارقًا في القراءة لدرجة أنني لم أنتبه لما يحدث حولي. فجأة شعرت بضربة قوية قرب رأسي. شيء صغير ارتطم بي بسرعة، ثم سقط الحجر قرب الدفتر المفتوح على الأرض. لم أفهم ما حدث في البداية، لكنني حين وضعت يدي قرب رأسي رأيت الدم. نقطة صغيرة أولًا. ثم ثانية. ثم بدأ اللون الأحمر ينتشر فوق أصابعي ببطء. تجمدت مكاني للحظة. لم يكن الجرح خطيرًا، لكن منظر الدم أخافني بطريقة لا أستطيع وصفها حتى الآن. شعرت وكأن العالم كله أصبح صامتًا فجأة، وكأن الأصوات ابتعدت عني للحظات قصيرة. سمعت بعدها صراخ أحد الأولاد: “أستاذة! سليم ينزف!” اقتربت المعلمة بسرعة، وانحنت نحوي بقلق. أتذكر جيدًا رائحة عطرها الخفيف وصوت أساورها وهي تتحرك حين أمسكت بيدي. كانت تعرف أمي جيدًا، فمعظم المعلمات في المدرسة كنّ يعرفنها لأنها كانت خياطة معروفة في منطقتنا، تخيط الملابس للنساء والبنات، وكثيرًا ما كانت المعلمات يطلبن منها تفصيل الفساتين والعباءات. لهذا تغير وجه المعلمة فورًا حين رأت الدم. _“يالهي هل أنت بخير؟” كيف لطفلٍ صغير أن يشرح شعورًا لا يفهمه هو نفسه؟ قالتها بخوفٍ حقيقي، ثم أخذتني بسرعة إلى غرفة المعلمين ومنها إلى المستوصف الصغير القريب من المدرسة. كان المستوصف يقع قرب الشارع الرئيسي المقابل لسكة القطار، مبنى صغيرًا بطلاء أبيض باهت ورائحة دواء قوية تختلط برائحة المعقمات القديمة. كنت أمشي معها بصمت، واضعًا يدي على رأسي، بينما أشعر أن دقات قلبي أعلى من أصوات الناس والسيارات حولي. وحين جلست داخل المستوصف لتنظيف الجرح، بقيت أنظر إلى الدم فوق أصابعي وأشعر بشيء غريب يتحرك داخلي. لم يكن خوفًا من الألم… بل ذلك الإحساس القديم نفسه، الإحساس الذي يمر فجأة ثم يختفي، وكأن شيئًا غير مرئي يقترب مني للحظات قبل أن يعود إلى مكانه المظلم من جديد. خرجنا بعد ذلك عائدين إلى البيت. عبرنا الطريق الترابي الطويل، ثم صعدنا التلة الصغيرة فوق سكة القطار، بينما كانت الشمس تميل ببطء نحو الغروب، ولون السماء يتحول تدريجيًا إلى برتقالي باهت. كنت أمشي بصمت خلف "وسام" و"سهام"، لكنني التفت للحظة نحو السكة. لا أعرف لماذا. إلا أنني شعرت للحظة قصيرة جدًا… وكأن شيئًا ما كان يقف هناك بعيدًا، يراقبنا من خلف الضوء والغبار، ثم اختفى قبل أن أستطيع التأكد إن كان موجودًا أصلًا… أم أنني كنت أتخيل فقط. بعد أن خيط الطبيب الجرح، عدتُ إلى البيت باكيًا. حتى بعد أن توقف النزيف، بقي رأسي يؤلمني بطريقة خفيفة ومزعجة، وكان وجهي يرتجف كلما تذكرت لحظة ارتطام الحجر بي. لم يكن الألم وحده ما أخافني... بل المفاجأة نفسها، ذلك الشعور الذي يجعل الطفل يكتشف فجأة أن الأذى قد يأتيه من أي مكان دون سابق إنذار. في ذلك اليوم، أخبرتني أمي ألّا أذهب إلى المدرسة، وسمحت لي بالبقاء في الغرفة والراحة. أتذكر أنني بقيت مستلقيًا بصمت أغلب الوقت، أراقب ضوء الشمس وهو يتحرك ببطء فوق الجدار، بينما كانت أمي تدخل بين حين وآخر لتتفقد الجرح وتسألني إن كنت أشعر بدوار أو ألم. كنت أشعر بشيء من الخجل أيضًا، كأن الحادثة كلها حدثت أمام العالم كله وليس أمام بضعة أطفال فقط. وحتى بعدما هدأ الألم، بقي داخلي ذلك الإحساس الغريب الذي يزورني أحيانًا؛ الإحساس بأن شيئًا غير مفهوم يقترب مني ثم يختفي بسرعة قبل أن أراه بوضوح. مرت الأيام بعدها، وأصبحت في الصف الثالث الابتدائي. كنت أكبر قليلًا، لكنني ما زلت ذلك الطفل الهادئ الذي يراقب أكثر مما يتكلم. في صباحٍ جميل، خرجت أنا وسهام ووسام من البيت مسرعين كعادتنا، كنا متأخرين هذا اليوم، نحمل حقائبنا المدرسية فوق ظهورنا. كانت الشمس قد بدأت ترتفع، والهواء الصباحي يحمل رائحة التراب والنخيل والخبز الخارج تواً من التنور. أتذكر أن أمي نادت علينا قبل أن نبتعد: "أنتبهوا على أنفسكم." ثم عادت إلى داخل البيت، بينما أكملنا سيرنا نحو المدرسة. كانت الحقائب ثقيلة بالكتب والدفاتر وكانت تبطئنا، لذا اقترحت سهام ان نسلك الطريق المختصر للمدرسة. كانت الطريق المختصرة تمر بين البساتين، طريقًا يعرفه أغلب أولاد المنطقة. كنا نسلكه أحيانًا بدل الشارع الطويل لأنه يوفر علينا وقتًا أطول، رغم أن المكان كان هادئًا أكثر من اللازم، خصوصًا في الصباح الباكر حين تكون البساتين شبه فارغة إلا من أصوات العصافير وحفيف الأشجار. وعلى الجانب الأيمن، بين البستان والنهر الصغير، كان هناك ممر ضيق يقود إلى ساقية ماء بعرض بضعة أمتار فقط. فوقها وُضع لوح خشبي قديم يستخدمه الناس للعبور من جهة إلى أخرى. كان اللوح يهتز قليلًا تحت الأقدام، خصوصًا إذا مرّ أكثر من شخص فوقه، لكننا اعتدنا عليه حتى صار جزءًا من الطريق اليومي.