ميسوپوتاميا_سيرة خوف

الفصل 32: أوهام الجذور_ القسم الاول

أوهام الجذور

القسم الأول____________________________________________

رغم أن غبار الخوف كان يملأ حلوقنا، ورغم غصة الحزن الطاحن الذي استقر في سويداء قلوبنا منذ كارثة "حي النهروان"؛ ذلك الجرح النادف الذي أفقدنا بيتنا القديم وجعلنا نخسر كل مدخراتنا وأثاثنا وأغراضنا التي جمعناها بعرق السنين، إلا أن النزوح المتكرر علّمنا كيف نختصر حياتنا في مساحات ضيقة. لم نعد نملك من حطام الدنيا سوى صناديق كرتونية معدودة، وبعض الملابس وحاجاتنا الضرورية البسيطة التي عشنا بها بالكفاف خلال الأشهر الأربعة الماضية في حي الحشود. كنا عائلة تسير بحقائب خفيفة، لكن بقلوب مثقلة بالهموم والسرائر المخبوءة. وسط هذا الركام النفسي، كان جلوسنا في حوض سيارة الحمل ينبض بحياة من نوع آخر. في تلك المساحة الضيقة المحشورة بين الصناديق وحقيبتي الشخصية التي تخبئ جحيم الكتاب الأسود، دارت أسطوانة الذكريات بين إخوتي لتكسر جمود الصمت المرير. كانت أختي "سهام" التي تصغرني بسنتين، و"وسام" الذي يصغرني بثلاث سنوات. يتناوبون بلهفة طفولية مشوبة بالمرارة على نقل تفاصيل ماضينا المفقود إلى "فراس" الذي يصغرني بخمس سنوات، وأخي الصغير "عامر"، الذي نضجت طفولته مبكراً وبلغ العاشرة من عمره الآن وسط ويلات البلد. كان عامر قد ولد في "حي الاستقلال" في بغداد، ولم يشهد اتساع بيوتنا القديمة، بل تفتحت عيناه على ضيق الشقة في تلك العمارة السكنية التي شهدت بدايات تشتتنا. أخذت سهام تصف له بصوت يحمل حنيناً دافئاً وتتنقل بين فترة التي عشناه في حي الاستقلال وفي قضاء الصواري. وكيف كنا نلعب في ممرات العمارة، وكيف كانت تفاصيل حياتنا مجتمعة تحت سقف واحد هنا وفي ضاحية النهروان. قبل أن تجرفنا أمواج التهجير الطائفي. كان وسام وفراس يتدخلان بين الحين والآخر ليضيفا نكهة طفولية بريئة على الذكريات. يضحكون تارة ويتنهدون تارة أخرى، وكأنهم يحاولون تشييد جدار من الكلمات يحميهم من قسوة المشهد الحالي. كنتُ أستمع إليهم وأنا ألوذ بصمتي المعتاد، غارقاً في عتمتي الباطنية واختلافي الذي يعزلني عنهم. متسائلاً إن كان "عامر" وأخوتي سيعرفون يوماً طعم الاستقرار الحقيقي، أم أن الأقدار كتبت علينا أن نكون ركاباً دائميين في قطار النزوح. ومع تزايد سرعة السيارة، بدأت الملامح المألوفة لبغداد تتلاشى، وبدأ قلبي ينبض بإيقاع مختلف. ها نحن نتوجه أخيراً نحو مسقط رأسي، نحو القرية الدافئة البسيطة التي شهدت أولى خطى طفولتي وعشت فيها أجمل سنين العمر قبل الفوضى. كان هذا القضاء يمثل لأبي شيئاً أكبر من مجرد سكن؛ إنه الأرض الأولى التي استلمها من الدولة السابقة كهدية وتكريم لخدمته العسكرية الطويلة والمخلصة في صفوف الجيش. أرض الذكريات والبدايات التي نبتت فيها جذورنا، والتي كنا نأمل جميعاً، والدي وأمي ونحن الإخوة، أن نجد في ترابها وبساتينها وبقرب أعمامي وجدي ذلك الملاذ الذي يقينا شرور العاصمة المشتعلة. دون أن ندري أن رحلتنا هذه قد تكون العبور الأخير نحو مواجهة أشد ضراوة مع ماضٍ ظننا أنه مات، وحاضر يستعد لتبديل جلوده أمام أعيننا. كانت سيارة الحمل تطوي الإسفلت المتعب، بينما المشهد من حولنا يزداد قسوة كلما ابتعدنا عن قلب العاصمة. ومع اقترابنا من بوابة قضاء الصواري والسيطرة الرئيسية، بدأت معالم التحول البصري والسياسي الحاد الذي طرأ على العراق بعد سقوط النظام تفرض نفسها بثقل على قلوبنا. لم تعد السيطرات العسكرية كما كانت في السابق بهيبتها الرسمية وجنودها النظاميين؛ بل تحولت إلى مراكز قوى جديدة تهيمن عليها الطائفة الشيعية وفصائلها المسلحة. كانت الرايات السوداء والخضراء المكتوب عليها شعارات مذهبية ترفرف بكثافة فوق كتل الإسمنت (الصبات) وفي مداخل البيوت المحاذية للطريق، مشهد لم يألفه والداي اللذان ترعرعا في كنف الدولة القديمة وقوانينها الصارمة. الأسلاك الشائكة والكهربائية كانت ممتدة بعشوائية بين أعمدة الكهرباء وهنا وهناك على جانبي الطريق، كأنها خيوط عنكبوت عملاقة تخنق أنفاس المارين. توقفت سيارة الحمل في الطابور الطويل بانتظار تفتيش السيطرة المتمركزة عند البوابة. كان الخوف صامتاً ومطبقاً في حوض السيارة؛ أبي يُخرج هويته المدنية ببديهية تلقائية مرتبكة، وأمي تضم الصغار إليها بقوة وهي تدمدم بأدعية صامتة تحت عباءتها، تخشى نظرة أو تدقيقاً قد ينهي رحلتنا قبل أن تبدأ. فالبلد كان يعيش أسوأ فترات الانفلات الأمني والتصنيف الطائفي على الهوية. كنتُ أراقب عيون المسلحين في السيطرة وهم يدققون في الوجوه؛ عيون يملأها الشك والترصد لكل غريب وعابر. في تلك اللحظة، شعرت بنبض دافئ وغريب في قاع حقيبتي الشخصية، كأن الكتاب الأسود الذي أصحبه معي يتغذى على طاقة الخوف المنبعثة من السيطرة والأعلام والأسلاك الشائكة. ليذكرني يميناً وشمالاً بأن الأمان الذي نبحث عنه في قضاء الصواري بين الأعمام والجذور، قد يكون مجرد وهم واهٍ، وأن العتمة الحقيقية أصبحت تسير معنا وتمر من خلف بوابات الحراس دون أن يلمحها أحد. بعد ان تجاوزت سيارة الحمل السيطرة أخيراً والتي بدت كأنها دهر من حبس الأنفاس. وحينما وصلنا إلى مشارف قضاء 'الصواري'، وتحديداً عند تلك البقعة الصغيرة التي تمتد بهدوء وعفوية مقابل المنطقة الصناعية؛ حيث لا يفصل بين صخب الورش وسكون القرية سوى الشارع الرئيسي العريض. انحرفت بنا السيارة نحو اليسار، تاركة الشارع العام، لتلج سبيلاً فرعياً يشق طريقه نحو عمق الصواري. كان الطريق صاعداً وهو يقطع هضبة ترابية مرتفعة، وعلى قمة تلك الهضبة، كانت تمتد سكة حديد القطار القديمة، بقضبانها الحديدية الصدئة التي شهدت عبور آلاف المسافرين والجنود عبر السنين. وأنا أنظر من حوض السيارة إلى السكة التي تعلو الصواري، شعرتُ وكأننا نعبر حدوداً جغرافية ونفسية جديدة. كأن تلك القضبان الحديدية هي الحد الفاصل بين جحيم بغداد الذي فررنا منه، وبين أرض الجذور التي عادت بي فجأة إلى ذكريات طفولتي. تذكرتُ حين أصابني حجرٌ وجرح جبيني بينما كنا نلعب مع أولاد القرية، منقسمين بين فريق يرمي الحجارة وفريق يختبئ هنا وهناك. كم بدت تلك الحرب الطفولية بسيطة أمام ما هربنا منه! غمرني الحنين وأنا آمل أن تمنحنا هذه الأرض ذاتها السكينة التي فقدناها. انحدرت السيارة صوب بيوت القضاء، وتوقفت أخيراً أمام تجمع عائلي كان ينتظرنا بلهفة. وهنا، كانت اللحظة المهيبة التي تمنيتُها وخفتُ منها طويلًا؛ لحظة اللقاء الأول بـ "جدي وجدتي وأعمامي. طوال سنوات عمري الماضية، لم يسبق لي أن رأيتهم أو التقيت بهم بسبب ظروف التنقل والابتعاد، لكني كنتُ أسمع عنهم الكثير في أحاديث أبي وأمي. كان جدي واثنان من أعمامي يُعدون من أشهر النجارين الذين يُشار إليهم. بنوا سمعتهم العريضة بـعرق الجبين في "حي الرايات" سابقاً، ونقلوا صنعتهم وإتقانهم الخشبي هنا إلى قضاء الصواري، حيث تحكي الأبواب والشبابيك وغرف النوم في بيوت القضاء قصة مهارتهم. أما عمي الثالث فقد كان شرطياً في القوة البحرية، تظهر على ملامحه حسم العسكر وهيبة الدولة، بينما كان عمي الرابع والأصغر لا يزال طالباً يتلمس خطواته الأولى في الحياة. كان اللقاء مشحوناً بعاطفة عراقية دافئة؛ عناق جدي الذي يفوح برائحة خشب الصاج القديم والوقار، ودموع جدتي التي احتضنت أمي وصغارنا كأنها تلم شتات عائلة كادت الحرب أن تبتلعها. رحبوا بنا بحرارة العشيرة والعزوة، وشعرتُ لأول وهلة بنوع من الدفء الاجتماعي الذي افتقدته خلف قناعي الصامت وعزلتي الباطنية. لكن ذلك الأمان المؤقت تبدد سريعاً حين رافقونا إلى بيتنا المستأجر الجديد، الذي يقع على مسافة قصيرة منهم. وقفنا أمام منزل صغير، لا تتجاوز مساحته مئة متر مربع، يتألف من طابق واحد. لم يكن كبيت الشيخ حميد الفاخر، كان يشبه البيوت التي سكناها في "حي النهروان"، بلا حديقة، يتقدمه فقط كراج صغير يكفي لسيارة واحدة. كان البيت حديث البناء، لكن صاحبه لم يطلهِ بعد؛ كانت جدرانه من الإسمنت الداكن الخشن، مما منحه مظهراً كئيباً وداكناً للغاية. حين خطوتُ خطوتي الأولى عبر العتبة، شعرت برطوبة غريبة تضرب صدري؛ كان البيت مظلماً، حتى في وضح النهار كانت زواياه تتشح بسواد رقيق لا تبدده النوافذ الضيقة. بينما كان أبي وأعمامي ينزلون الصناديق الكرتونية والحقائب وهم يتبادلون الضحكات والوعود بالمساندة، وقفتُ أنا في منتصف الصالة المظلمة، ويدي تلامس حقيبتي القماشية. حدقتُ في الجدران الإسمنتية الداكنة وشعرت بنبض حاد في إبهامي المجروح؛ كان هذا البيت المظلم ذو المئة متر يشبه في عتمته الباطنية غلاف الكِتاب الأسود تماماً.. كأننا لم نجد مأوى يحمينا، بل وجدنا القفص الإسمنتي المثالي الذي سيتخذه الكيان محراباً جديداً ليمارس فيه طقوس لعنته. مرت الأيام القليلة الأولى في قضاء الصواري مشغولة بالحركة وضجيج الترتيبات. كان أعمامي النجارون وجدي لا يتركوننا ليلة واحدة؛ يترددون علينا يمدوننا بما نحتاجه من قطع خشبية بسيطة لترتيب المنزل، ولم تكن جيتهم تكتمل إلا بزوجاتهم اللواتي يُقبلن حاملاتٍ الزاد والأكل المطبوخ بحب، يرافقهن صخب أطفالهم؛ فترى أولاد الأعمام يتراكضون ويلعبون مع وسام وفارس وعامر، وبنات أعمامي يلتففن حول أختي سهام. كانوا يحاولون جميعاً، بكل جهد، إشعار والداي بأن غربة بغداد قد انتهت، وأننا اليوم بين أهلنا وعزوتنا. لكن هذا الدفء العائلي المحيط بالبيت من الخارج، كان يتلاشى تماماً بمجرد أن أخطو عتبة بابنا الإسمنتي الداكن. انشغلتُ مع أمي بتفريغ محتويات الصناديق الكرتونية القليلة التي نجت معنا من حي النهروان وحي الحشود. كنا نضع الحاجات الضرورية في زوايا الغرف الضيقة. وحين جاء دور حقيبتي القماشية الشخصية، انتظرتُ حتى خلت الصالة من الجميع، وتسللتُ إلى مكاني الجديدة الصغير والمظلم. كانت جدران الغرفة الإسمنتية الرمادية الداكنة تمتص الضوء الشحيح القادم من النافذة الضيقة وتلونه بكآبة مفرطة. فتحتُ الحقيبة، ورفعتُ الملابس ببطء حتى ظهر الغلاف الخشن للكتاب الأسود. لم يكن غبار الرحيل قد غيّره، بل بدا وكأن نسيجه الجلد يزداد سواداً وتماسكاً. وضعته في أعمق زاوية داخل خزانة حائطية صغيرة، وشعرتُ حينها بندبة إبهامي تنبض بلسعة حارقة، كأن الكيان يثبت مساميره في أركان هذا البيت الجديد، معلناً أن المئة متر أصبحت عهداً جديداً للميثاق. مع حلول الليل في قضاء الصواري، يكتسي المكان بصلابة مرعبة لا تشبه صخب بغداد. هنا، في هذا البيت المحاذي للهضبة، كان السكون شديداً لدرجة أنك تسمع دبيب النمل على الإسمنت، وهو سكون مثالي لتبدأ اللعنة بتبديل جلودها واستعراض قوتها. عند منتصف الليل، يبدأ المشهد المرعب بالارتباط بـجغرافية المكان. كنتُ أستلقي على فراشي، أراقب السقف الإسمنتي العاري، وفجأة، أسمع صوت قطار قادم من البعيد. صوت دويّ العجلات الحديدية وهي تطحن قضبان السكة الحديدية فوق الهضبة (طق-طق.. طق-طق). كان الصوت يقترب ويقترب بشكل مرعب، لدرجة تخيلتُ معها أن القطار سيخترق جدار الغرفة الإسمنتية الداكنة. لكن المثير للرعب لم يكن صوت القطار نفسه. بل الهسيس الذي يتلوه؛ بمجرد أن يمر القطار وتخفت أصوات عجلاته، يبدأ صدى ضربات منتظمة على الجدار الخارجي للبيت، كأن هناك أحداً يصعد الهضبة الترابية ببطء، ويجر خلفه سلاسل حديدية تصطدم بالإسمنت الخشن لبيتنا. تكرر هذا الأمر عدة ليالٍ، وصرتُ أرى ظلالاً غريبة تتشكل على الجدران الإسمنتية المظلمة. ظلالاً لا تصنعها أضواء الشارع العابرة، بل كانت ترتسم على هيئة أيادٍ طويلة بأظافر حادة، تمتد من زوايا السقف وتتحرك ببطء نحو الحقائب والأغراض البسيطة التي رتبناها نهاراً. كان الكيان يبعث لي برسائل واضحة في عزلتي الغريبة وافكاري المكتومة: "لقد جئتَ بنا إلى أرض الجذور، وهنا.. جذورنا تمتد أعمق"!