أثرُ السَّماءِ الأُولَى

الفصل 1: سطوع شمس اول يوم

✦✧ـــــــــــــــــــــــ✧✦ P . 1 ✦✧ــــــــــــــــــــــــــ✧✦

بدأ كل شيء في يومٍ بدا وكأنه يوم عادي، مثل أي يوم آخر. الشوارع المزدحمة، والكل منشغل بحياته ومسؤولياته. كانت "إيلاف" طالبة جامعية مصرية في عامها الأول، تبدأ حياة جديدة، ومرحلة جديدة، وتجربة جديدة في عالمٍ فقدت فيه بالفعل كل ما لديها، إلا شخصًا واحدًا كان بمثابة الدافع لها لتحيا حياةً شبه طبيعية.

ميار: - ما كفاية نوم يا بنتي بقى!

جلست بهدوء اخيراً على طرف السرير وهي تلتقط أنفاسها، وتنظر إلى وجه "إيلاف" العابس النعسان،

كيف لا تعبس بعد ان كان سريرها يهتز بقوة بسبب تلك الفتاة التي لعبت دور البهلوان واخذت تقفز فوق السرير لإيقاظها

ميار: - ايه الوش اللي على الصبح ده كمان؟

قالت ببراءة وهي تلتفت خلفها نحو المكتب، وأمسكت هاتفها وفتحته وهي تمرر أصابعها فوق الشاشة بسرعة فيما بدا انها تبحث عن شئ ما، بينما حاولت "إيلاف" الجلوس وهي تتثاءب وتتمدد قليلًا ليستعيد جسدها ولو جزءًا من نشاطه.

إيلاف بتثاؤب: - ماله وشي؟ اللي يسمعك يقول دي بتصحيني بصينية فطار وبتقوليلي اصحي يا بيبي. مش كنتي هتجيبيلي ارتجاج مخ وانتي عاملالي فيها لاعبة جمباز

متجاهلةً كلمات "إيلاف"، وضعت "ميار" الهاتف أمام وجهها، حيث تظهر صورة لواجهة ومدخل الجامعة، وقالت بحماس شديد متجاهلةً أن إضاءة الهاتف وقربه الشديد كادا يعميان "إيلاف".

ميار: - بصي التحفة دي! أنا هلففك لف النهارده وهوريكي كل حاجة، وبالذات الأكل هناك... تحفة، تحفة بجد!

أبعدت "إيلاف" الهاتف عن وجهها وهي تفرك عينيها وتسب بهمس، ثم قالت بتجهم وهي تدفع "ميار" لتسقط من فوق السرير.

إيلاف: - طب يلا بره، وانتي همك على بطنك. يلا عايزة ألبس.

صرخت "ميار" وهي تسقط ليعم الصمت لثوانٍ بعد ارتطام رأسها بالأرض، ثم بدأت سلسلة من الشتائم والسب غير المبررة من وجهة نظر "إيلاف"، ولم يقاطعها سوى دخول زوجة عمها. عم الصمت بينما قالت زوجة عمها "سارة" باستعجال وحدّة:

سارة: - انتوا بتهببوا إيه؟ انتوا الاتنين هتتأخروا. يلا يا ميار، سيبي إيلاف عشان تلبس واطلعي.

تجهمت "ميار" وخرجت من الغرفة مع أمها، تاركتين "إيلاف" جالسة تنظر بشرود إلى خزانة الملابس، تفكر كأي فتاة:

ماذا سترتدي في يومها الأول بالجامعة؟

تنهدت ووقفت بهدوء وهي تتمدد قليلًا، وخرجت من غرفتها لتغتسل وتستعيد نشاطها استعدادًا لبداية اليوم.

وقفت "إيلاف" في غرفتها أمام المرآة تمشط شعرها بشرود وهي تنظر إلى انعكاسها. وقعت نظراتها على كتفها الأيمن، أو بالأحرى على ندبة قديمة. توقفت يدها فجأة وهي لا تزال في حالة شرود، تنظر بعمق إلى تلك الندبة وكأنها تنظر إلى ذكرى، أو شريط فيديو لا يراه أحد غيرها. فجأة اختفت كل الأصوات من حولها، سواء زقزقة الطيور أو أصوات السيارات أو أي ضوضاء أخرى، وتبدل ضوء الشمس الذي كان يتسلل من النافذة بعتمة غريبة. لم تعد ترى انعكاسها، بل بدت المرآة وكأنها تحولت إلى شاشة عرض. ترى بوضوح ما حدث في ذلك اليوم الملعون...

صراخ مكتوم لفتى في الرابعة عشرة من عمره يُجر بعنف بواسطة رجلين ضخمين... رجل وامرأة ملقيان على الأرض، غارقان في بركة من الدماء...

ثقلت أنفاسها، وشحب وجهها، وشعرت ببرودة تتسلل إلى أطرافها رغم حرارة الجو من حولها. كانت تسمع بوضوح نبضات قلبها وكأنها طبول تدق داخل أذنيها. قطع كل ذلك دخول "ميار" المفاجئ دون طرق الباب، مما جعل "إيلاف" تنتفض، وتهرب منها صرخة ذعر وكأنها استعادت صوتها فجأة بعد أن نسيت كيف تتكلم. عادت الضوضاء من حولها، وعاد ضوء الشمس المشرق المتسلل من النافذة. نظرت "ميار" إلى "إيلاف" بارتباك وقلق وعدم فهم، وهي تقترب منها بهدوء بعدما رأتها تلهث محاولة التقاط أنفاسها.

ميار: - مالك يا إيلاف؟ انتي كويسة؟

وضعت "ميار" يدها على كتف "إيلاف"، تحديدًا فوق تلك الندبة، وهي لا تزال تنظر إليها بقلق. استعادت "إيلاف" اتزانها ونظرت إليها بهدوء، ثم قالت بصوت ساخر مازح محاولةً تخفيف التوتر:

إيلاف: - مسمعتيش عن حاجة اسمها استأذن قبل ما أدخل؟ ده انتي قطعتيلي الخلف يا شيخة!

أدارت "ميار" عينيها بسخرية، بينما تسللت ابتسامة ساخرة إلى شفتيها، وقالت وهي تبتعد عنها وتعيد تركيزها إلى هاتفها:

ميار: - طب البسي الجاكت ويلا يا بتاعت الاستئذان، هنتأخر.

ابتسمت "إيلاف" وهي تتابع ابنة عمها بنظراتها حتى خرجت من الغرفة وتركتها وحدها. وبعد ثوانٍ أعادت نظراتها إلى انعكاسها في المرآة، وأطلقت تنهيدة طويلة، ثم أشاحت بعينيها بعيدًا، والتقطت جاكتها وهاتفها، وتبعت "ميار" لتبدأ أول يوم لها في الجامعة.

بعد ساعتين من المشي في الجامعة، كانت "إيلاف" تشعر بالفعل بإرهاق شديد. فهي لم تتوقع أن تنفذ "ميار" كلامها بالمعنى الحرفي وتأخذها في جولة شاملة داخل الجامعة. التفتت "إيلاف" لتنظر إلى "ميار" بغيظ، والتي كان كل تركيزها منصبًا على الهاتف في يدها وهي تحرك أصابعها فوق الشاشة، بينما تعلو وجهها ابتسامة بلهاء. لم تحتاج "إيلاف" إلى محقق لتعرف سبب تلك الابتسامة. أدارت عينيها بسخرية وهي تنظر حولها، ثم قالت بضجر:

إيلاف: - انتي مش بتزهقي بجد من البني آدم ده؟

التفتت إليها "ميار" وهي لا تزال تبتسم، وقالت بمكر وسخرية وهي تمازحها:

ميار: - متغاظة ليه انتي كمان؟ منا قولتلك أشوفلك ابن عمته. ده حتى معاه عربية وشقته جاهزة وبيَدَوَّر على عروسة يا هبلة.

كان عبوس كبير يزين وجه "إيلاف" بينما توقفت عن السير واتكأت بمرفقيها على الترابزين، ونظرت إلى الأسفل بوجه متجهم وقالت معاتبة:

إيلاف: - أيوه بقى، وشغل كلميه الأول واتعرفي عليه والهبل ده تاني؟

هزت "ميار" رأسها برفض وقالت باستنكار وهي تقف بجوارها وتضع هاتفها فوق الترابزين:

ميار: - يا بنتي بقى بطلي التعقيد اللي انتي فيه ده. منا بقولك أهو عايز يخطب، فيها إيه لو اتكلمتوا فترة الأول؟

نظرت إليها "إيلاف" بوجه منزعج من كلماتها وتبريرها الذي كان عذرًا غبيًا بالنسبة لها، وقالت بحدة طفيفة:

إيلاف: - وليه ما يجيش على طول يعني؟ دا لو افترضنا اني وافقت على العبث دا اصلاً، وإيه "نتكلم فترة" دي؟ صحوبية صالونات وكده؟ فترة الخطوبة قصرت في إيه؟ انتوا عايزين أي حاجة حرام وخلاص. وبعدين أنا أصلًا مش مرتاحة للعجل اللي بتكلميه ده، تقومي تجبيلي قريبه كمان!

وضعت "ميار" يديها فوق رأسها وهي تطلق صرخة ساخرة خفيفة محاولة إيقاف "إيلاف" عن تذمرها المستمر.

ميار: - يا لهوااااي! خلاااص، أنا غلطانة. اكتمي!

رفعت "إيلاف" حاجبها الأيسر وهي تنظر إلى "ميار" بصمت محاولة تمالك أعصابها. وبينما كانت "ميار" تستمر في كلامها محاولة منع "إيلاف" من الرد، اهتز الترابزين بسبب الحركة، مما تسبب في انزلاق الهاتف وسقوطه. استوعبت "ميار" ما حدث متأخرًا، حيث كان الهاتف يهوي في الهواء متجهًا نحو الأرض. صرخت بصدمة، فهما تقفان في الطابق الثاني، والهاتف بمجرد ملامسته الأرض سيتحول إلى أشلاء. ولكن قبل أن يلامس الأرض بلحظات... توقف الهاتف فجأة. ظل معلقًا في الهواء على بعد بضع بوصات فقط من الأرض، وكأن قوة خفية تمسكه. ثم بدأ يرتفع ببطء حتى استقر في يد "إيلاف"، التي كانت ترمق "ميار" بنظرات منزعجة. بينما كانت "ميار" تنتشل هاتفها العزيز من يدها وتعانقه وكأنه طفلها، قالت "إيلاف":

إيلاف: - نخف هبل بقى، واحمدي ربنا إن محدش كان موجود في المكان.

نظرت "إيلاف" حولها لتتأكد أن أحدًا لم ير ما حدث، ثم أعادت نظراتها إلى "ميار". قالت "ميار" بامتنان شديد وهي لا تزال تعانق هاتفها:

ميار: - ده أنا حسيت روحي طلعت لكام ثانية! متقلقيش، محدش شاف حاجة.

تنهدت "إيلاف" بارتياح، ثم قالت وهي تبتعد عن الترابزين وتبدأ بالسير:

إيلاف: - أشوفك بعدين، عندي محاضرة.

ودعتها "ميار"، والتي كان تركيزها قد عاد بالفعل إلى هاتفها لتتأكد أنه لم يصبه أي خدش. كانت "إيلاف" تسير بخطوات هادئة متجهة إلى قاعة المحاضرات وهي شاردة الذهن. نظرت لثوانٍ إلى يديها، وفجأة مرت أمام عينيها ذكرى مشوشة.

ظلام... رؤية ضبابية... جسدان ملقيان على الأرض... دماء... صراخ...

أغمضت عينيها بقوة وهزت رأسها بعنف، وكأنها تحاول العودة إلى الواقع. ثم وضعت يديها في جيبيها وأسرعت خطواتها متجاهلة نظرات من حولها. دخلت القاعة بصمت وهي تبحث بعينيها عن مكان هادئ، أو بمعنى أدق مكان منعزل. حتى وجدت مرادها، فاتجهت إليه وجلست بصمت وهي تحاول جاهدة إبقاء تركيزها على ما يدور حولها. لكن صوت الدكتور الذي بدأ شرح المحاضرة قطع محاولتها.

بعد ساعة ونصف خرجت من القاعة وهي تخرج هاتفها من جيبها، لتجد إشعارًا بمحاولة اتصال منذ نصف ساعة. وكان المتصل "ميار". ابتسمت "إيلاف" وهي تعيد الاتصال. وبعد أقل من خمس ثوانٍ ردت "ميار":

ميار: - خلصتي المحاضرة؟ إيلاف: - أيوه، لسه خارجة حالًا من القاعة. انتي فين؟ ميار: - أنا سبقتك على البيت لما لقيتك هتتأخري. حاولي تيجي بسرعة عشان هنخرج سوا نجيب شوية حاجات. يلا، مستنياكي. إيلاف: - طيب طيب، المهم عمتو عملت أكل إيه؟ أنا هموت من الجوع. ميار: - مين دلوقتي اللي همه على بطنه؟

ضحكت "إيلاف" و"ميار"، وبعد انتهاء المكالمة بدأت "إيلاف" تسير بسرعة لتخرج من الجامعة وتستقل سيارة أجرة عائدة إلى المنزل.

بعد خمس عشرة دقيقة كانت السيارة تقف بالفعل أمام المبنى. خرجت منها "إيلاف" ودخلت إلى العمارة. وبمجرد دخولها شعرت بشيء غريب. ارتباك مفاجئ وغير مبرر. لكنها تجاهلت ذلك الشعور حتى وصلت أمام الشقة وطرقت الباب. انتظرت بضع ثوانٍ. لا إجابة. طرقت مرة أخرى بقوة أكبر قليلًا. انتظرت دقيقة كاملة. ولا شيء. هنا بدأ الخوف يتسلل إلى قلبها. فهذا الأمر غير اعتيادي. دائماً ما يفتح لها احدهم ولا تحتاج حتى لإستخدام مفتاحها أخرجت المفتاح بعد ان طال انتظارها وفتحت الباب.

دخلت لتتفاجأ بأن جميع الأضواء مطفأة، والعتمة تخيم على كل ركن من أركان المنزل. ازداد شعورها بالخوف أكثر. أغلقت الباب خلفها وأشعلت الأنوار، ثم بدأت تبحث عن "ميار" أو أي شخص آخر. لكن الصمت والهدوء المخيفين كانا يسيطران على المكان. سارت بخطوات سريعة وهي تنادي بصوت مرتفع متجهة نحو غرفتها المشتركة مع "ميار".

إيلاف: - ميار! انتي نايمة ولا إيه؟!

دفعت الباب ودخلت بسرعة. لكنها لم تجد أحدًا. ازداد خوفها أكثر، وبدأ الذعر يتسلل إليها. حاولت أن تهدأ وأخرجت هاتفها لتتصل بـ"ميار". وبمجرد أن وضعت الهاتف على أذنها... سمعت صوت رنين هاتف "ميار". تجمدت في مكانها. التفتت حولها بسرعة وهي تبحث عن مصدر الصوت. حتى اكتشفت أنه قادم من أسفل السرير. وكأن الهاتف سقط من يد "ميار".

ازاي؟ حتى لو هي مستعجلة مستحيل تنساة او يقع من ايديها.

فكرت وهي تشعر بأنفاسها تتسارع. وحاولت الاتصال بعمها أو زوجته. لكن وهي تبحث في جهات الاتصال

سمعت صوتًا خشنًا، لكنه هادئ، يقول بلغة ليست لغتها: ؟؟؟: - مرحبًا بعودتك... إيلاف.