أثرُ السَّماءِ الأُولَى

الفصل 10: تداخلات

✦✧ـــــــــــــــــــــــ✧✦ P . 10 ✦✧ــــــــــــــــــــــــــ✧✦

وقف كيڤن بتأهُّب وهو يدور بنظراته حوله، وينظر إلى كل الرجال المحيطين بهم. كانت سراب تحاول جاهدةً إيقاظ آش الذي كان لا يزال فاقدًا للوعي. لم تمر لحظات قبل أن يندفع الرجال نحوهم، ولم يفكر كيڤن كثيرًا.

كان هدفه واضحًا... حماية صديقيه.

في لحظة اندفاعهم نحوه أشار لسراب، ثم قفز مبتعدًا عندما توجهت إليه ضربة نارية من أحدهم.

وفجأة...

اجتاح ضبابٌ أسود المكان، مما جعل الرجال يسددون ضرباتٍ عشوائية بعد أن تعددت نسخ كيڤن حولهم. لم يعلموا أيُّ النسخ حقيقي، فصاروا يصوبون نحو أي نسخة، دون أن يدركوا أن تلك كانت حيلةً من سراب، وأنهم لا يقتلون نسخًا عديدة من كيڤن...

بل يقتلون زملاءهم بعد أن تلاعبت سراب بعقولهم وجعلتهم يرون زملائهم نسخ متعددة من كيڤن وبعد أن تلاشى الضباب، كان يقف رجلٌ واحد فقط من بينهم بثبات في أحد الزوايا، بعيدًا عن كل تلك الفوضى، ويداه مشتعِلتان، ونظراته مثبتة عليهم.

وكانت سراب تحمي آش بتكوين هالة زرقاء شفافة حولهما، مثل بالون شفاف أشبه بدرع يحيط بهما. نظراتها الحادة ثابته على آخر رجل هي الأخرى، بينما بدأ يقترب منهما، واللهب في يده يزداد اشتعالًا.

حتى وصل أمامها مباشرة، وكان ينظر إليها وهي جالسة على الأرض وآش خلفها، ولكن بدلًا من أن يهاجمها، ابتسم ببلاهة وهو يرفع يده وينظر إلى اللهب فيها كالطفل الذي وجد لعبة.

كيڤن: - لم أتوقع أن يكون ذلك الشعور ممتعًا هكذا.

تنهدت سراب بانزعاج واضح وهي ترخي دفاعها، لتتلاشى الهالة من حولها. ثم أعادت تركيزها إلى آش الذي بدأ يستعيد وعيه. أمسكت بذراعه وجعلته يتكئ عليها.

سراب: - آش، لا يوجد وقت، أرجوك حاول فتح أي بوابة.

حاولت جعله يجلس بشكل مستقيم وهي تدعم ظهره

- المزيد من الرجال في طريقهم إلينا.

أومأ بإرهاق، وهو يضع إحدى يديه على الأرض، وأغمض عينيه بقوة، ووضع يده الأخرى على جبهته. وبعد لحظات، فُتح ثقب أسود أخذ يتسع ببطء. عاد كيڤن إلى هيئته الحقيقية وهو يقترب منهما أكثر، ثم جثا على ركبتيه، وساعد آش حتى تتمكن سراب من دخول البوابة.

ثم، بهدوء، دفع آش ليدخل أيضًا.

وقبل أن يدخل هو، نظر حوله بتمعن في المكان، وكأنه يفكر في شيء ما.

على الجانب الآخر، هبطت سراب وآش في غابة كبيرة، تحيط بهما أصوات الطيور المتنوعة، والأشجار الضخمة من كل مكان. كانت سراب تنظر حولها باستغراب؛ فهي قالت له أن ينقلهم إلى مكان بعيد، لكنها لم تتوقع أن يكون ذلك المكان غابة. وقبل أن تسأله عن مكانهم، سمعت صوت انفجار من خلفها.

التفتت بسرعة هي وآش، وكان كلاهما ينظر بصدمة إلى البوابة التي لا تزال مفتوحة، ولم يدخل منها كيڤن بعد.

ولكن لم تمر ثانية واحدة حتى دخل بسرعة، والنيران تشتعل خلفه في ذلك المستودع، ثم أغلق آش البوابة بسرعة.

سراب: - عاد الرجال؟

هز كيڤن رأسه نافيًا، وهو ينفض الرماد عن شعره الأسود الفوضوي.

كيڤن: - لا، كنت أفجر المستودع فقط.

تنهدت وهي تسقط على ركبتيها اللتين لم تعودا تحملانها بعد الآن بسبب التوتر المستمر.

آش: - ماذا حدث يا سراب؟ وكيف وجدونا؟

جثا بجانبها وهو ينظر إليها بتمعن، مطمئنًا عليها بنظراته ليتأكد من انه لم يصبها اي اذى، بينما كان كيڤن مشغولًا بشيء آخر. كان ينظر حوله إلى المكان الذي كان جديدًا تمامًا بالنسبة له، حتى سقطت نظراته على مجموعة من قرود العواء فوق الشجرة.

سراب: - الملف كان مزيفًا... لم يكن إلا مجرد أداة لتحديد موقعنا.

ثم أكملت وهي تضع كلتا يديها فوق وجهها:

- كنت أعرف أن وجود ذلك الملف في مكان واضح ومكشوف خلفه شيء مريب... أشعر أنني غبية.

شعرت بيد تحيط أحد معصميها وتُنزِل يديها بعيدًا عن وجهها. وعندما نظرت إلى آش... كان الآخر ينظر إليها بابتسامة هادئة مطمئنة.

آش: - لا بأس، أنتِ فعلتِ ما بوسعك.

أبعد يديه عن معصميها بعد أن بادلته الابتسامة. قاطع الصمت بينهما صوت كيڤن:

- أين نحن؟

التفت كلاهما نحوه، لتتسع عينا سراب وينفجر آش ضاحكًا.

كان كيڤن متحولًا إلى شكل قرد من قرود العواء، وجالسًا بجانبهما بكل جدية لا تتماشى إطلاقًا مع مظهره.

سراب: - هل ضربت رأسك؟ أم أثّر الانفجار عليها؟

شهق وهو يقفز واقفاً ويضع يديه على صدره.

- هذه إهانة لكيانونتي يا فتاة!!

هدأ آش أخيرًا من نوبة الضحك وهو يقول بعد أن أخذ نفسًا عميقًا:

- نحن في الأمازون.

حدقت سراب وكأنها تلقت صفعة بعد أن سمعت كلماته، وهبّت تلتفت نحوه بسرعة وصدمة.

سراب: -الأمازون يا آش!!! من بين كل الأماكن نقلتنا إلى غابة الأمازون؟!

هز الاخر كتفه وهو يبرر تصرفة

آش: -لم اكن بكامل وعيي وانتيقلتي يجب ان يكون مكان بعيد

قاطعهما كيڤن بعد أن قفز بينها وبين آش، وهو لا يزال بهيئة القرد.

كيڤن: -أحسنت الاختيار!

رفع يديه الصغيرتين المملوءتين بالشعر وهو يمسك بياقة آش ويقول بجدية غريبة:

- أشعر بالانتماء هنا.

وضعت سراب إصبعها على رأسه الصغير وهي تقول بسخرية:

- كأن عقلك أصابه البراغيث بدلاً من فروتك؟

دفع كيڤن إصبعها وهو يقول بصرامة:

هذا قملٌ، وليس براغيث يا جاهلة!

ظهر تعبير متقزز على وجهها، ولكن فجأة فتح آش بوابةً صغيره تحت كيڤن ليسقط فيها، ثم فتح بوابة أخرى فوق أحد الأغصان، ليسقط فوقه مباشرة.

آش: ليلزم كلُّ قردٍ شجرته إذًا... لا أريد أن تُصاب تلك المسكينة بالقمل.

ضحكت سراب أخيرًا بعدما خف عنها التوتر. بينما كان كيڤن يعلو وجهه عبوسٌ كبير، وهو ينظر إليهما عالقًا فوق الشجرة. أما آش... فكان في عالمٍ آخر.

كان يبتسم وهو يتأمل وجه سراب وهي تضحك.

في باريس، وتحديدًا في حي الدائرة السادسة عشرة، فوق سطح بناية سكنية فاخرة مطلة على شارع أفينيو مونتين، جلس شاب بالكاد أتمَّ السادسة عشرة من عمره.

كان ينظر بتمعن إلى هاتفه وهو ينتقل من صورة إلى أخرى.

صورٌ من مراحل عمرية مختلفة تجمعه هو وأخته معًا؛ في كل صورة ابتسامة أو عبوس... ضحك أو بكاء... ولكن دائمًا جنبًا إلى جنب.

زحفت ابتسامة صغيرة إلى شفتيه دون أن يشعر، وهو يتأمل ملامح شقيقته الكبرى، قبل أن يقاطع لحظة سكينته اهتزاز الهاتف في يده معلنًا وصول اتصال.

كان الاتصال من رقم غير مسجل، لكن رغم ذلك كان يعرف ذلك الرقم جيدًا.

تلاشت ابتسامته، وعاد البرود إلى وجهه، ثم أغلق الاتصال، وأطفأ هاتفه تمامًا، وبعدها أخرج شريحة الاتصال ووضع الهاتف جانبًا.

وقف على حافة المبنى وهو يتأمل أضواء المدينة التي تعج بالحياة، وقبض بيده على تلك الشريحة. ثم، في لحظة واحدة، رماها بعيدًا بكل ما يملك من قوة. بدا وكأنه يرمي حياةً أُجبر على الدخول إليها... أُجبر على ترك كل ما يحبه خلف ظهره ليعيش في أفخم الأحياء السكنية، وفي بلدٍ بعيد عن موطنه، وبعيد عن كل من ينتمي إليهم.

ظل ينظر بشرود إلى الأضواء، يرتب أفكاره... ويرسم خطواته القادمة.

تراجع بضع خطوات إلى الخلف، والتقط هاتفه، ثم نزل من فوق الحافة لتستقر قدماه على أرضية السطح.

تقدم بخطوات بسرعة، والتقط حقيبة ظهره التي كان قد جمع فيها مسبقًا بعض ملابسه.

فتحها، وقلب محتوياتها حتى أمسك بمحفظته، ليتأكد أن المال الموجود فيها يكفيه ليبدأ من جديد... في مكان هادئ، بعيد.

أغلق حقيبته مجددًا، ووضعها فوق كتفيه، ثم فتح باب السطح ونزل مسرعًا وهو يركض. وبعد أن خرج من المبنى تمامًا، وضع القلنسوة فوق رأسه، وسار بخطوات سريعة، ممسكًا بطرفيها يسحبهما أكثر نحو وجهه ليخفي ملامحه عن أي كاميرا مراقبة قد تلتقطه.

خرج من الحي، وسار بين شوارع المدينة، واندس بين المارة حتى يضيع بينهم، وما إن سمع صوت سيارات الشرطة حتى أسرع أكثر.

وصل إلى أطراف المدينة، حيث البيوت المتشابهة والبسيطة جدًا مقارنةً بالحي الذي هرب منه، واتجه بخطوات محسوبة نحو أحد تلك البيوت.

التفت حوله ليتأكد أن لا أحد يتبعه، ثم طرق الباب. لم تمر دقيقة حتى فتح له شاب بدا في منتصف العشرينيات من عمره. ابتسم بمجرد أن رآه، وتنحى جانبًا ليدخل بسرعة.

ثيو: هل تبعك أحد؟

هز رأسه نافيًا، ثم دخل سريعًا وأغلق الباب خلفه.

ارتمي على أقرب مقعد ووضع حقيبة ظهره على الأرض. أما الآخر، فكان يبحث بين مجموعة من بطاقات الهوية المزورة، حتى أمسك بإحداها ورماها إليه.

التقطها الاخر، وأخذ يتأملها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اسم العائلة: بومون الاسم الأول: إليوت السن: 21 الجنس: ذكر الجنسية: فرنسية تاريخ الميلاد: 14 / 03 / 2005 مكان الميلاد: باريس، فرنسا الطول: 176 سم تاريخ الإصدار: 12 / 05 / 2023 تاريخ انتهاء الصلاحية: 11 / 05 / 2033 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ابتسم وهو ينظر إلى ثيو.

- لن أنسى لك هذا المعروف.

رد الآخر بجدية، وقد ظهر القلق واضحًا في كلماته.

ثيو: أنس... هل أنت متأكد من قرارك هذا؟

أومأ دون تردد، وهو يقف من على الكرسي ويقترب منه.

أنس: لم أكن متأكدًا من أي قرار في حياتي أكثر من هذا.

تنهد الآخر باستسلام. ورغم قلقه الواضح، كان يعلم أنه لا يستطيع إيقافه.

ثيو: إذا حدثت أي مشكلة، فلا تتردد للحظة في القدوم إلى هنا.

ابتسم أنس لتلك الكلمات، ومد يده ليصافحه.

أنس: لا تقلق... لم أعد صغيرًا.

نظر ثيو إلى يده الممدودة، وتنهد، ثم بدلًا من مصافحته جذبه إلى عناق، وربت على ظهره.

ثيو: انتبه لنفسك يا أخي.

تفاجأ أنس من العناق؛ فلم يتوقعه أبدًا، لكنه شعر أنه أفضل وداع يمكن أن يحظى به. بادله العناق، ثم ابتعد عنه، والتقط حقيبته، ووضع بطاقة هويته الجديدة في جيبه. التفت إلية وتبادلا ابتسامة أخيرة، ثم خرج أخيرًا، تاركًا ثيو وحده مرة أخرى في منزله.

كان يمشي في الشوارع شارد الذهن، يتذكر يومه الأول هنا... أول مرة فتح فيها عينيه بعد أن اختطفته عصابة استأجرتها أمه.

أمه...

التي اختفت لعامين بعد طلاقها من والده، ليكتشف بعدها أنها تزوجت رجلًا فرنسيًا ثريًا. وتذكر ذلك اليوم عندما بحث عن حساب والده ليتواصل معه...

ليُصدم بمنشور ينعى مقتله هو وزوجته على يد تلك العصابة، دون وجود أي معلومات واضحة عن أخته.

عاش كجسدٍ بلا روح. جسدٌ مُرفَّه يحصل على كل شيء...

وروحٌ معذبة بألم لا يستطيع أحد فهمه، ولا يستطيع هو نفسه أن يشرحه.

اشمئزاز.. غضب.. حزن.. كراهيه.. ألم..

الاف المشاعر تراودة بمجرد تذكر حقيقة امه انتشل نفسه من تلك الذكريات، وعاد إلى واقعه الحالي... هروبه اخيراً من منزل أمه وزوجها، حاملًا أقل ما يستطيع حمله... ومتجهًا نحو مستقبل مجهول ينتظره وهو عازم على العودة لوطنة بحثاً عن اخته مهما كلفة الامر.

في مختبرٍ ضخمٍ واسع، امتلأت أرجاؤه بأسطوانات زجاجية مملوءة بسائلٍ أسود قاتم، يجعل رؤية ما بداخلها شبه مستحيلة.

امتدَّ من كل أسطوانة عشرات الأسلاك لتتصل بجهازٍ ضخم، يتجمع بداخله سائلٌ أحمر قاتم يُستنزف من تلك الأسطوانات، ويمتزج بمركباتٍ أخرى، ثم يتجزأ ويتفرع إلى حاوياتٍ داخل الجهاز، قبل أن يُضخ من كل حاوية عبر أسلاكٍ أخرى، لتتفرع بدورها إلى خزاناتٍ صغيرة، وعلى كل خزان كُتب بخط عريض

"العمر" "الرؤية" "تأخير الزمن" "تقديم الزمن" "السرعة"

كانت كيرا تقف في منتصف الغرفة، تنظر بثبات إلى تلك الأسطوانات والأسلاك والسوائل الحمراء.

تقدمت بخطواتٍ بطيئة نحو إحدى الأسطوانات الزجاجية المعتمة.

وقفت أمامها ثم، بهدوء، رفعت يدها وأراحتها على الزجاج.

وبمجرد أن لامست يدها سطحه، اهتز السائل الداكن داخل الأسطوانة وتموج، ثم انحسر إلى الخلف، ليكشف ما بداخلها...

جسدًا.

جسدٌ هزيل لرجل، بدا وكأنه هيكل عظمي يطفو داخل السائل. ثم حدث الأمر نفسه في بقية الأسطوانات، لينحسر السائل داخل كل واحدةٍ منها، ويكشف ما تخفيه... أجسادًا لرجالٍ ونساء. همست كيرا، وكأنها تحدث نفسها، وهي تدير نظراتها بين جميع الأسطوانات المحيطة بها:

"عادت الألفا خاصتنا..."

ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة خافتة تُخفي معاني كثيرو وهي تهمس

"عاد عهدنا..."