✦✧ـــــــــــــــــــــــ✧✦ P . 13 ✦✧ــــــــــــــــــــــــــ✧✦
نظرت لها بذهول لثوانٍ، وهي تقول بلا وعي:
- أنتِ كيرا؟
ابتسمت الأخرى، التي كانت تقف أمامها مباشرةً بثبات، ونظراتها مثبتة على عينيها، قبل أن تنزلهما ببطء إلى الإبرة المستقرة بين أصابع إيلاف، ثم أعادت نظراتها إلى عينيها مرة أخرى.
- لِمَ قد تحتاجين دافعًا خارجيًا...
كانت إيلاف لا تزال في حالة شرود، ضائعة في أفكارها، لتجفل فجأة وينتفض كتفاها بشكل طفيف عندما شعرت بيد كيرا تستقر فوق الإبرة التي في يدها.
- بينما أنتِ تمتلكين دافعًا داخليًا بالفعل.
أمسكت الإبرة منها وسحبتها بعيدًا برفق، أما الأخرى فلم تقاوم، بل تركتها فقط تأخذها بعيدًا عنها، كما لو كانت تنتظر أي شيء يمنعها، حتى إذا كان لديها القدرة مسبقًا على الاعتراض والثبات على موقفها.
في اللحظة التالية أغلقت كيرا يدها بقوة لدرجة أن الجزء الزجاجي انكسر، وبعض شظايا الزجاج سببت خدوشًا في يدها، وانهمر السائل القرمزي فوق يدها. اتسعت أعين إيلاف ومدت يدها في حركة تلقائية.
- ما الذي فعلتِه!
ولكن فجأة مدت كيرا يدها المصابة والملطخة بالدم الذي كان داخل تلك الإبرة، وأمسكت معصم إيلاف، ليحدث تموج من حولهما، واندفع الهواء بقوة، ومعه تلاشى كل شيء وتغير المشهد. كانت آلاف المشاهد تتغير أمام عينيها، آلاف الوجوه، آلاف الملامح والتعابير؛ منهم الضاحك، ومنهم الباكي، وحتى منهم المذعور والمصدوم.
تنظر إلى كل المشاهد أمامها، ذكريات لأشخاص عشوائيين، بدا أنهم من عصور مختلفة؛ منهم من يعيش داخل خيام رديئة، والآخر بدا ذا سلطة وجاه، يعيش داخل خيمة أكبر حجمًا بكثير، ذات خامات أغلى وأجود، وتوالت العصور أمامها حتى تبدلت الخيام بالبيوت الطينية والقصور الشاهقة. ولكن ما وضح لها هو شيء يتكرر، ولكن بصور مختلفة؛ الرغبة في السيطرة وبسط النفوذ رغم أنف القوى المحيطة. عشائر داخل صراعات ومعارك دامية راح ضحيتها أتباع ليس لهم أي استفادة تُذكر من الفوز في كل هذه الفوضى.
دماء وأشلاء متناثرة في كل مكان، أشخاص يقتلون ويتقاتلون بكل وحشية، وكأنهم خُلقوا فقط للقتال والقتل وسفك الدماء. شعرت بنيران تشتعل في صدرها، وتنفسها مضطرب بشدة. لم تعلم أكان هذا من فظاعة المشاهد التي تراها، أم بسبب أنها الآن مجرد كيان طائف في زمنٍ لقرون مضت. رفعت يدها ووضعتها فوق صدرها، لتشعر بنبضات قلبها تدق بقوة لدرجة أنها شعرت وكأن قلبها سيخترق صدرها ويفر هاربًا. أخفضت نظراتها لتجد جسدها بالكامل عبارة عن ظل أسود.
اتسعت عيناها بذهول وهي ترفع ذراعيها وتتأملهما. كانت شفافة تمامًا، ولكن كانت ترى نقاطًا مضيئة بوضوح متناثرة في ذلك الظل الشفاف، وكأنها نجوم. بدت وكأن جسدها كان قطعة من الفضاء انتُزعت منه وأُلقيت داخل عوالم متداخلة.
أعادت تركيزها أمامها بعدما رأت مشهدًا لرجل يمسك بسيف ويهوي به فوق رقبة رجل آخر ملقى أرضًا، ذو جسد مشتعل بنيران سوداء قاتمة.
جفلت وانتفض جسدها بعدما رأت رأسه ينفصل عن جسده، وتهدأ النيران ليتحول إلى جسد عادي.
كانت تقف مباشرةً أمام هذين الرجلين، ليمسك المنتصر الرأس الذي قطعه توًا ويرفعه في الهواء أمامها... كانت تنظر بعيون مذعورة، وهي تشعر وكأن شيئًا دفينًا بداخلها يشجع ما حدث للتو، بل ويفتخر به، رغم ذعرها وخوفها من كل ما تراه... أشاحت بنظرها بعيدًا وهي تلتف للخلف عندما شعرت أن ذلك الرأس لم يكن يُرفع لتراه هي...
لتجد، بمجرد أن التفتت، آلاف الرجال يرتدون ملابس قتالية، وبعضهم مصاب، يسقطون أسلحتهم ويهتفون لدرجة أن صوتهم جعل صورة المشهد تهتز أمامها، وآلاف الرجال الذين كانوا يرتدون ملابس قتالية بشكل آخر ويمسكون سيوفًا وأسلحةً أخرى كلها مشتعلة بنيران حمراء قاتمة، يقفون في ذهول وصدمة بعد رؤية رأس قائدهم أمامهم. اشتعل جسد كل واحد منهم وهم يحاوطون انفسهم بيديهم بعد ان اختفت الاسلحة المشتعلة وتلاشت، وبمجرد اختفاء اللهب كان الشخص نفسه اختفى، وكأنه تبخر.
- كان هذا قدرنا الذي وقف ضده الجميع.
سمعت صوت كيرا بعد أن تلاشى المشهد أمامها وظهرت أخيرًا، وهي بنفس مظهر إيلاف - ظل أسود شبه شفاف ومرصع بالنجوم - وكلتاهما الآن يحيط بهما السواد المرصع بالنجوم، وكأنهما في أحد الأكوان.
- لماذا جعلتِني أرى كل هذا؟
سألت بحيرة، وهي لا تزال تشعر بأثر ذلك الشعور الذي اجتاح صدرها سابقًا رغم ذعرها.
- أنا فقط أريكِ ماضينا، أريكِ العهد الذي كُتب علينا من بعده الذل والإهانة ممن هم أقل منا.
قالت كيرا، وبدا في صوتها حقد لذلك الماضي الذي لا يزال يطاردها.
- بعد أن فرض ألفا العهد الثاني سيطرته على كل النبضات، بل وعلى كل الأكوان، وقتل كل من وقف في طريق إمبراطوريتنا، أصابنا المذنب بلعنة الدم. بعد أن كان مصدر قوتنا، أصبح مصدر ضعفنا إذا كان دماء لشخص حدث بيننا وبينه ترابط، سواء أخوة أو صداقة، وخاصة... الحب.
قالت آخر كلمة وهي تضيق عينيها، وكأنها تشير إلى شيء بعينه.
- لم يمحُ المذنب الألفا كما ادعى ذلك المدعو رييس، بل استغلت كل قبيلة عادتنا، أو فقدت الألفا خاصتهم على أيدينا، تلك النقطة اللعينة، وتسببوا في محو الألفا من الوجود، وكل قائد سعى من بعده لإعادة إحياء إمبراطوريتنا، وكُتب علينا الذل.
سمعت ايلاف كل كلمة وهي تشعر بعد كل حرف بزيادة الحرارة بداخل صدرها لدرجة مؤلمة تقريباً ولكن في كل مرة يتراود على ذهنها ذلك المشهد لألفا العهد الثاني وهو يرفع رأس ألفا اللهب تشعر بنشوة تسري في روحها
- خُلقنا لنحكم ونهيمن، لا لنُستعبد ونهان.
قالت بغضب مكبوت خلف كلماتها وهي تشد على قبضتيها بجانبها
- نحن أقوى نبضة وُجدت، وسبب هزيمتنا هو ضربة أتت من ظهرنا، وليس لخسارتنا في معركة وجهًا لوجه... قُتل الألفا وانتهى عهدنا بسبب إحدى ملاعين عشيرة المتحولين، التي أوقعت به وأوهمته بشيء يسمى الحب، واستغلت دماءها القذرة لتضحي بنفسها، ويُستخدم كل قطرة من دمائها لمحوه تمامًا من الوجود، لا لقتله فقط وتركه كجسد هامد.
تبدل المشهد واختفت كيرا مرة أخرى، ليظهر مشهد آخر. عشرات الأشخاص المدنيين يقاتلون بكل قوتهم ضد آخرين اقتحموا ديارهم، قبل أن تصيبهم جميعًا رعشة سرت في أجسادهم، ويسقطون واحدًا تلو الآخر، سواء نساء أو رجال، وهم يجاهدون للوقوف. وبعدها دوى صوت شخص يصيح بكل ما أوتي من قوة:
- قُتل ألفا الزمن!
حاول الآخرون الوقوف، ولكن المقتحمين بدؤوا بقتل الرجال وخطف النساء، أو قتل بعضهم، وكل من بدا عليه القوة. اتسعت أعين إيلاف بصدمة واضحة ورفض لكل ما تسمعه وتراه. شعرت بنيران تدفعها للتقدم ومحاولة التدخل، غير مستوعبة أنها لا تزال مجرد كيان لا تأثير له لما قد حدث سابقًا قبل قرون. ركضت بسرعة في محاولة لضرب أحد هؤلاء الدخلاء، ليتلاشى المشهد مرة أخرى، وهي تتنفس بسرعة وغضب، وترى مشاهد أخرى لكل من تم اختطافه من بيتا الزمن، وهو يُعامل بكل إهانة. ولم يسبب كل هذا إلا لتعزيز النيران المشتعلة بداخلها، ومع كل امرأة ينعتها الآخرون بكلمة "عرافة"، تشعر وكأن هناك صفيرًا مزعجًا يدوي داخل رأسها... وضعت كلتا يديها على أذنيها وهي تحاول منع نفسها من سماع أو رؤية أي شيء آخر، وسقطت على ركبتيها.
ولكن حتى محاولتها لسد أذنيها لم تكن كافية لمنع ذلك الصفير المزعج، الذي بدأ يتحول شيئًا فشيئًا إلى همسات بعيدة تقترب ببطء حتى أصبحت واضحة وكأن شئ ما يحاول التواصل معها رغماً عنها.
" شي چيان... "
فتحت عينيها بسرعة وهي تشهق بهد سماعها لذلك الصوت الاشبه بالفحيح، لترى أنها عادت إلى الساحة، جالسة على ركبتيها، وتغطي أذنيها بكلتا يديها.
- شي چيان
قالت بلا وعي وهي تبعد يديها عن أذنيها، وبعدها استوعبت أن كيرا لا تزال أمامها، ومدت يدها لها بالفعل لتحاول مساعدتها على الوقوف. أمسكت إيلاف بيدها، ووقفت مرة أخرى على قدميها، وهي لا تزال تشعر بتضارب آلاف المشاعر وتداخلها مع بعضها، ولكن الآن كل ما نطقت به...
- انتِ شي چيان... لستِ عرافة
اعتلت شفتي كيرا ابتسامة بدت وكأنها ابتسامة انتصار عندما سمعت إيلاف تقول لها لقب بيتاع الزمن الذي لم يعرفة احد سواهم... بعد ان محاه الزمن ولاحقهم ذلك اللقب اللعين الذي اطلقه عليهم نبضات العهد الثاني -العرافات- وكأنه وصمة عار او تحديد لهويتهم الجديده
- وهذا أول تواصل لكِ مع الكيان الساكن بداخلكِ
- ألفا...
ابتسم شخص يقف بعيداً عنهم وتحديدا وفوق سطح المبني الرئيسي وهو يراقب المشهد امامه بينما يتصاعد خط رفيع من دخان السيجارة التي يضعها بين شفتيه قبل ان يخرجها ويلقيها ارضا ويدوس عليها
- الان حقا اشعر بالشفقة على كيڤن
هربت ضحكة ساخرة من شفتية وهو يدير ظهره لذلك المشهد ويرحل.
تحت الساحة بأمتار، كان يقبع في جوف الأرض عدة طوابق شُيِّدت بإتقان لكي لا تتأثر بكل الفوضى التي تحدث أثناء التدريبات وغيرها. وتحديدًا في أحد تلك الطوابق، كانت إحدى الغرف مضاءة بضوء خافت غير مريح للبصر، وجدران ذات ألوان باهتة مصنوعة من المعدن الخالص.
كانت امرأة على الأرض مقيدة بأصفاد حديدية، وذراعاها خلف ظهرها، وقدماها مضمومتين إلى بعضهما، وهي فاقدة للوعي، ويحيط بعينيها قطعة من القماش لتعيقها عن الرؤية إذا استعادت وعيها في أي وقت.
وقف أمامها الرجل ذاته، المدعو بالألفا، والذي يهابه الجميع. وقف بصمت وهو يراقبها فاقدة للوعي تمامًا بعد أن تم اختطافها من فرنسا وأحضرها أتباعه.
رييس: - هل ستتم عملية التصفية هنا أم بالأعلى، سيدي؟
لم يُجب الآخر فورًا، وبدلًا من ذلك استمر بتحديقه بتلك المرأة لبضع لحظات، قبل أن يرد أخيرًا وهو يشيح بنظراته بعيدًا.
- أريدها حية.
قال دون أن ينظر إلى رييس، الذي كان يقف بصمت يسمع ذلك الأمر المريب، الذي تلاه أمر أغرب جعله في حيرة من أمره حول رغبات رئيسه.
- بالكاد حية