أثرُ السَّماءِ الأُولَى

الفصل 8: تغير جذري

✦✧ـــــــــــــــــــــــ✧✦ P . 8 ✦✧ــــــــــــــــــــــــــ✧✦

اتجهت كيرا نحو الباب لتغادر، لكنها لم تكد تصل إليه حتى انفتح، ودخلت إيرونا إلى غرفة العلاج.

توقفت إيرونا للحظة عندما رأت كيرا داخل غرفتها الخاصة، وقد ارتسمت الدهشة على ملامحها، على عكس كيرا التي واصلت سيرها بهدوء، محاولة المرور من جانبها دون أن تنظر إليها حتى.

لكن إيرونا لم تسمح بأن يمر الموقف مرور الكرام.

فما إن أصبحت كيرا بمحاذاتها حتى أمسكت بذراعها.

لم تكن قبضتها قوية بما يكفي لتسبب لها ألمًا أو حتى شعورًا بعدم الراحة، لكنها كانت كافية لتجبرها على التوقف.

أظن أن وجودك هنا، وفي وقت كهذا، غير مناسب يا عرّافة.

نظرت إليها كيرا بطرف عينيها بصمت، ثم سحبت ذراعها بهدوء من بين أصابعها، وأكملت طريقها دون أن تنطق بكلمة، مما أشعل في داخل إيرونا شعورًا بالضيق والانزعاج.

إذا دخلتِ غرفة العلاج مرة أخرى، أقسم أنني سأجعلكِ ديكورًا متجمدًا لهذه الغرفة.

لم ترد كيرا، واستمرت في السير حتى وصلت إلى عتبة الباب، وهناك توقفت لثانية واحدة فقط قبل أن تقول دون أن تلتفت إليها:

ستون لم يمت... في ذلك الوقت. فقط عالجي الجرح... قبل أن تُفتح بوابة الجيل الأول.

ثم خرجت تمامًا، وأغلق الباب خلفها، تاركة إيرونا غارقة في حيرة خالصة.

ماذا تقصد؟

ستون كان يتناول العشاء منذ بضع دقائق فقط...

و...بوابة الجيل الأول؟

تشابكت الأفكار داخل رأسها بسبب كلمات كيرا الغامضة، حتى إنها لم تنتبه إلى إيلاف التي بدأت تفتح عينيها ببطء.

انتبهت أخيرًا عندما وصل إلى أذنها أنين خافت من خلفها، فاستدارت بسرعة، لتجد إيلاف تحاول الاعتدال والجلوس.

نسيت كل تلك الافكار فوراً

اقتربت منها على الفور، واحتضنتها بلهفة صادقة، الأمر الذي جعل إيلاف تتجمد في مكانها بدهشة من تلك المشاعر غير المبررة بالنسبة لها، لكنها سرعان ما ردت العناق هي الأخرى بصمت.

وما إن ابتعدت عنها إيرونا وجلست على حافة السرير، ممسكة بيدها، حتى قالت بابتسامة ارتياح

ما كل هذا النوم يا فتاة؟ ظننت أنكِ لن تستيقظي.

عقدت إيلاف حاجبيها باستغراب، وسألت بعفوية قبل أن تنتبه لما قالته

ليه؟... أنا نمت قد إيه؟

رمشت إيرونا عدة مرات، وقد اتسعت عيناها بدهشة من تلك الكلمات غير المفهومة.

أما إيلاف، فاستغرقت بضع ثوانٍ حتى استوعبت أنها تحدثت بعاميتها المصرية بدلًا من اللغة التي تفهمها إيرونا، فسعلت بخفة وقالت معتذرة:

آسفة... أقصد، كم من الوقت كنت نائمة؟

ابتسمت إيرونا بمكر وهي تميل برأسها قليلًا.

يا فتاة... أظن أن تلك الضربة أثرت في تركيزك.

ثم وضعت إصبعها على ذقنها، وكأنها تحاول التذكر، قبل أن تضيف بهدوء:

أو ربما... لأنكِ كنتِ نائمة منذ يومين.

اتسعت عينا إيلاف حتى كادتا تخرجان من محجريهما.

يومين؟! كيف؟!

هزت إيرونا كتفيها بلا مبالاة، وكأن الأمر لا يستحق كل هذا الذهول.

لا أعلم... لكن المهم أن لدي خبرًا لكِ. بعد ثلاثة أيام سنشارك في مهمة.

كانت إيلاف قد وضعت يدها فوق رأسها، بعدما بدأت آثار النوم الطويل تظهر عليها، وشعرت بصداع مزعج ينبض داخل رأسها.

أي مهمة؟

أجابتها إيرونا وهي تساعدها على الوقوف بهدوء:

شرحها سيطول قليلًا، وهناك أشياء يجب أن تتدربي عليها... أما الآن-

قاطعتها إيلاف بضجر واضح واحتجاج

مرة أخرى!!

ابتسمت إيرونا بتفهم، فقد كانت تعلم أن ما مرت به قبل يومين لم يكن بالأمر الهيّن.

أنتِ لا تدعينني أنهي كلامي أبدًا.

تنهدت بخفة، ثم أكملت:

أما الآن، فيجب أن ترتاحي جيدًا، حتى تستعيدي كامل قوتك...

وقبل أن تنهي جملتها، انفتح الباب مرة أخرى.

التفتت الفتاتان في الوقت نفسه، لتقع أنظارهما على لونغ، الذي وقف عند العتبة بهدوئه المعتاد، وملامحه الخالية من أي تعبير. لكن إيرونا كانت ترى ما لا يراه غيرها. كانت عيناه ثابتتين على إيلاف منذ اللحظة التي دخل فيها، وكأنهما ترفضان النظر إلى أي شيء آخر. ولم تكن تحتاج إلى الاقتراب أكثر لتدرك أن قلبه لم يكن أكثر هدوءًا من نظراته.

أما إيلاف، فما إن رأته حتى ارتسمت على وجهها ملامح ارتباك ممزوجة بالصدمة، وكالعادة... لم يخفَ ذلك على إيرونا، التي لاحظت اضطراب أنفاس تلك المسكينة من جديد.

أبعد لونغ نظره أخيرًا عنها، وخفض عينيه نحو الأرض، ثم قال بصوته الهادئ:

كيف حالها الآن يا إيرونا؟

أدارت إيرونا عينيها بسخرية، ثم ألقت نظرة جانبية على إيلاف، التي كانت هي الأخرى تتعمد النظر إلى أي مكان إلا إليه.

اسألها بنفسك.

قالتها، ثم تركت يد إيلاف واتجهت نحو الباب، قبل أن تضيف وهي ترفع كفيها بمحاذاة كتفيها في استسلام مصطنع:

لِمَ تسألني أنا؟ لستُ أنا من كان في غيبوبة لمدة يومين... ولستُ أنا من كنتَ تأتي كل دقيقة لتطمئن عليه.

وللمرة الأولى... ارتسمت الصدمة بوضوح على وجه لونغ. اتسعت عيناه قليلًا، وزحف احمرار خفيف إلى وجنتيه، بينما تجمد في مكانه غير قادر على الرد.

أما إيلاف، فلم تستطع هذه المرة كتم ضحكة قصيرة أفلتت منها، بعدما رأت ملامحه لأول مرة بهذا الارتباك.

ابتسمت إيرونا بانتصار، ثم خرجت من الغرفة وهي تكاد تضحك، وأغلقت الباب خلفها. ليعم الصمت المكان. وأصبح كلٌّ منهما ينظر إلى أي شيء...

إلا الآخر.

كانت إيلاف تقف مطأطئة الرأس، وعيناها معلقتين بالأرض، بينما كانت تعبث بأطراف ملابسها بتوتر، في حين اكتفى الآخر هو أيضًا بإبعاد نظراته عنها، وكأن كليهما يعجز عن كسر ذلك الصمت المحرج.

وأخيرًا كسر لونغ ذلك الصمت المحرج، وقال بنبرة حملت توترًا واضحًا رغم محاولته إخفاءه

أتشعرين بتحسن الآن؟

أجابت دون أن تنظر إليه، بينما بقيت نظراتها معلقة بالأرض

كنت نائمة طوال هذا الوقت... لم أشعر بشيء إلا الآن، وأظن أنني بخير.

رفع عينيه إليها أخيرًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة بالكاد تُرى.

لم أتوقع أن تنامي كل هذه المدة.

هزت كتفيها بعفوية وهي ترد، وبالكاد رفعت عينيها لتنظر إليه

ولم أتوقع أن يهمك الأمر... أو أن تقلق أصلًا.

عقد حاجبيه باستغراب من كلماتها، ورد بسرعة، وكأنه لم يمنح نفسه فرصة للتفكير:

إذا لم أقلق عليكِ... فعلى من سأقلق إذًا؟

توقفت نظراتها للحظة وهي تحدق في عينيه. حركت كلماته العفوية شعور دفين داخلها لكن...

لم يكن شعورًا بالحب كما كان يتوقع، بل أيقظت عشرات الأسئلة التي ظلت تدفنها طوال الأشهر الماضية.

رفعت رأسها أكثر، وقالت بنبرة واضحة ماعتبة، كادت تخلو من أي دفء:

إذًا... لِمَ لم تقلق عليّ عندما اختفيت لثلاثة أشهر؟ بدلًا من أن ترسل لي رسائل مهينة، وتحظرني... وتظن بي أسوأ الظنون؟

كانت كلماتها كصفعة باغتته. ظل يحدق بها لحظات في ذهول، لكن بدلًا من أن يبرر أو يسألها عما حدث، اشتعلت نبرة صوته فجأة

وهل كنتِ تتوقعين حتى أن أنتظر كالاحمق؟ كيف تتحدثين بكل هذه الاستحقاقية وأنتِ من خُنتِني، بينما كنت أفعل كل ما بوسعي لتصبحي لي؟

اتسعت عيناها بصدمة خالصة، وكأنها لم تستوعب ما سمعته للتو.

هل صدمت رأسك؟!... خيانة؟! أنا أخونك؟! هل حقًا ظننت أن هذا هو سبب اختفائي؟! كيف تجرؤ حتى على أن تظن بي هذا الظن؟!

اما هو... ارتفع صوته أكثر، ولم يعد يحاول إخفاء غضبه.

لست بحاجة لأن أظن... لأنني كنت متيقنًا أن هذا ما فعلتِه! لم أكن مخطئًا... وأنتِ لم تستحقي حتى أن أفكر بكِ يومًا كزوجة... أو كحبيبة حتى!

تسارعت أنفاسها بعنف، وأخذ صدرها يعلو ويهبط بسرعة، بينما كانت ضربات قلبها تتسارع حتى شعرت بها تدوي داخل أذنيها.

ولم تنتبه ان الغرفة بأكملها بدأت تهتز بالفعل.

صرخت بكل ما فيها من غضب:

اخرس... أيها القذر! من تظن نفسك؟!

وما إن خرجت كلماتها حتى اندفعت من جسدها هالة خفية، انفجرت في أرجاء الغرفة كصدمة غير مرئية، لترمي كل ما حولها بعيدًا، بما في ذلك لونغ، الذي اصطدم بقوة بالباب خلفه قبل أن يسقط على إحدى ركبتيه.

ظلت تنظر إليه بعينين تشتعلان غضبًا، غير مكترثة بما أصابه، بينما كان هو الآخر يحدق بها بصدمة ممزوجة بالغضب، يحاول استيعاب ما حدث للتو.

كان يرتكز بقبضته على الأرض، ولم يحول عينيه عنها لحظة بينما قبضتة المرتكزة على الارض بدأ يصدر من تحتها خيط من الدخان

وفجأة...

اشتعل جسده بالكامل باللهب.

اندفع نحوها بسرعة، لكن قبل أن يصل إليها اختفى من أمامها، وفي اللحظة نفسها اشتعلت الأرض من حولها، لترتفع ألسنة النيران مشكِّلة دائرة كاملة أحاطت بها من جميع الجهات.

أخذت تدور وتلتفت حولها بسرعة، تبحث عنه بين اللهب.

لكنها لم تراه.

حينها فقط دوى صوته من كل اتجاه، حتى بدا وكأن النيران نفسها هي التي تتحدث:

لست أنا الشخص القذر هنا يا إيلاف... لست الطرف الخائن... لست من تخلى عن كل شيء، وأفلت اليد أولًا... وحتى الآن، لست من هاجم الآخر أولًا.

كانت تستمع إلى كلماته وهي لا تزال تبحث عنه بعينيها، ثم توقفت فجأة. أغمضت عينيها. وأخذت نفسًا عميقًا مدركة ان غضبها ما كان الا ان يجعل الامر اسوأ ثم فتحت عيونها مجددًا بثبات أكبر.

م أخنك يومًا... ولم أفلت يدي. أنت لا تستحق حتى أن أبرر لك، أو أشرح لك ما مررت به.

سكتت لثواني وكأنها مترددة قبل ان تكمل بصوت شبة مرتعش

لا تستحق... لانك بدلًا من أن تكون اليد التي تنتشلني من كل ذلك... كنت أنت اليد التي دفعتني إلى ما هو فوق طاقتي.

تلاشت النيران تدريجيًا من حولها.

ليظهر لونغ أمامها مباشرة، يقف بكل هدوء، واضعًا كلتا يديه في جيبي بنطاله، وينظر إليها بعينيه الباردتين المعتادتين. رفعت رأسها قليلًا حتى التقت عيناها بعينيه.

لا أريد سماع تبرير... لشيء أعرف حقيقته بالفعل.

بقيت تنظر إليه بصمت، وهي تستمع إلى تلك الكلمات الخالية من أي حياة.

وفي تلك اللحظة... فُتح الباب فجأة.

دخل ستون وهو ينظر إلى أرجاء الغرفة بحيرة واضحة، بعدما رأى الأثاث مبعثرًا وآثار الدمار في كل مكان.

هل ضرب زلزال المكان؟

قالها دون أن ينتبه إلى الجو المشحون الذي دخل إليه، أو إلى الاثنين اللذين كانا يحدقان ببعضهما وكأنهما يخوضان حربًا صامتة.

وأخيرًا تحرك لونغ.

استدار دون أن ينطق بكلمة أخرى، واتجه بخطوات غاضبة نحو الباب، ثم دفع ستون بكتفه جانبًا وهو يمر، بينما بقي الآخر ينظر إليه مبتعدًا بعدم فهم، وقد ازدادت حيرته مما حدث داخل الغرفة

ما كاد يلتفت نحو إيلاف ليسألها عما حدث، ليتفاجأ بها هي الأخرى تتجه نحو الباب كالإعصار. وقبل أن يتنحى جانبًا، حركت يدها لترفعه عن الأرض، ثم قذفته إلى الخلف بقوة وهي تتمتم ببضع كلمات بلغة لم يفهمها.

غور انت كمان. داهية تشيلك انت والحيوان التاني.

خرجت من الغرفة، ليبقى ستون وحده معلقًا في الحائط بعدما تسببت الرمية في ارتطامه بالجدار، محدثة فجوة كبيرة علق داخلها.

فتح عينيه وهو مشوش مما حدث، ومن الإهانة التي تعرض لها. حاول التحرك وهو يدفع نفسه خارج ذلك التجويف، وبينما كان يحاول، دخلت إيرونا وهي تنظر حولها بصدمة.

كان السرير مقلوبًا رأسًا على عقب، ومعداتها الطبية متناثرة في كل مكان، وجهاز مراقبة نبضات القلب وجهاز التنفس محطمين، بينما انتشرت آثار التفحم على الجدران هنا وهناك.

وفجأة سقط شيء ما من الاعلى أمامها، مما جعلها تصرخ بفزع، لكن ما إن استوعبت أن الشيء الذي سقط أمامها هو ستون، حتى هدأت وأخذت نفسًا عميقًا.

آه... هذا أنت.

ثم رفعت رأسها، فوقعت نظراتها على الفجوة في الحائط، قبل أن تعيد نظرها لذلك الشاب الملقى أمامها على الأرض.

وفجأة ضربها الإدراك، واتسعت عيناها بصدمة بعدما استوعبت الموقف.

يالهي هذا أنت؟!!

جلست بسرعة على ركبتيها أمامه، بينما كان يئن ويحاول الجلوس واضعًا يده على ظهره.

توقفي عن الصراخ... تبًا، أشعر أن جمجمتي تحطمت.

دون تفكير، وضعت يديها على رأسه، وبعد ثوانٍ تنهدت بارتياح وهي تبعدهما.

كانت جمجمتك مشروخة فعلًا... ماذا فعلت؟

وضع يده على رأسه بعدما عالجته، وهو يشعر بتحسن الآن.

أقسم أنني لم أفعل شيئًا هذه المرة.

عقدت ذراعيها أمام صدرها بشك، وقالت وكأنها تستجوبه

لم تفعل شيئًا، وكنت معلقًا داخل الحائط، والغرفة تبدو وكأن إعصارًا ضربها؟

استدار قليلًا ليصبح ظهره في مواجهتها، وهو يشير إليه.

عالجي ظهري أولًا، وسأخبرك بكل شيء.

تنهدت وهي تهز رأسها باستنكار، ثم وضعت يديها على ظهره.

دعني أخمن... دخلت الغرفة عندما كان لونغ وإيلاف يتحدثان، ثم عبثت مع إيلاف، ففعل لونغ هذا بك.

تخمين خاطئ... إيلاف هي من فعلت بي هذا.

قالها مصححًا لها، مما جعلها ترتبك وتبعد يديها لثوانٍ، قبل أن تعيدهما مجددًا إلى ظهره.

تكذب؟

هز رأسه، وأخيرًا استعاد قوته ووقف على قدميه، لتقف إيرونا هي الأخرى وهي تنظر إليه بعدم فهم، بعدما أصبح يواجهها مباشرة.

أقسم أن هذا ما حدث. عندما دخلت، كان كلاهما يحدق في الآخر بطريقة غريبة، والغرفة كانت كما ترينها الآن، وعندما خرجا قامت إيلاف برفعي ورمتني على الجدار... وكأنني صرصور!!

قال وهو يمدد ذراعيه، ليتأكد أنه لم يعد مصابًا بأي إصابة أخرى.

وكانت تتمتم ببضع كلمات بلغة غريبة.

كانت تستمع إلى كلماته غير مصدقة لما تسمعه، وتحاول إيجاد أي تفسير. نظرت حولها إلى كل ركن في الغرفة، وبينما كانت تتأمل المكان قالت مصححة.

اللغة العربية... وبالتحديد اللهجة المصرية.

كان ينظر إليها بصمت، حتى وقعت نظراتها على دائرة سوداء كبيرة تحيط بهما، وتغطي معظم مساحة الأرض، مما لفت نظره هو الآخر.

هل أصبح أحدهم تابع لجماعة شيطانية ما مؤخرًا؟

تجاهلت تعليقه، وتقدمت بضع خطوات، تتبع الدائرة حتى انحنت، ووضعت أطراف أصابعها عليها تتحسسها بهدوء، ثم رفعت أصابعها أمام عينيها تتمعن الرماد.

كان الآخر يشاهد ما تفعله بصمت، قبل أن تقف مستقيمة مجددًا.

كان يحاصرها بدائرة من النار.

صُدم مما قالته، وتقدم نحوها بسرعة، وهو ينظر إلى الغبار الأسود المتفحم العالق بأصابعها.

هذه واحدة من حيله القتالية! هل جُنَّ ذلك المعتوه؟

نظرت إليه بطرف عينيها، ثم أمسكت بطرف قميصه ومسحت به إصبعها.

هل أنت غاضب لأنه كاد يهاجمها؟ أم منزعج لأنه فعل هذا بعدما هددك وكاد يحطم رأسك كي لا تقترب منها مجددًا؟

سحب طرف قميصه من يدها، وقال بانزعاج وتذمر

بالطبع السبب الثاني! كيف يهددني ويكاد يحطم رأسي، ثم يهاجمها هو؟! أشعر أنه مريض نفسي.

عقدت ذراعيها وهي تدير نظراتها في أنحاء الغرفة بريبة لم يلاخظها ستون.

إيرونا: كلنا مرضى نفسيون... بدايةً منك.

أدار عينيه باستياء، واستدار نحو الباب ليخرج.

على الأقل ليس لدي انفصام حاد في شخصيتي.

ثم تركها وحدها وخرج، بينما ظلت هي تبحث بنظراتها عن شيء ما.

بدت وكأنها تبحث عن شيء بعينه، وبقيت هكذا لبضع دقائق، حتى استقرت نظراتها على أحد أركان السقف. ظلت تحدق بثبات وتمعن، قبل أن تلاحظ نملة سوداء ثابتة في مكانها.

بقيت نظراتها معلقة عليها لبضع ثوانٍ، قبل أن تبعد عينيها أخيرًا.

ثم اتجهت هي الأخرى لتخرج، لكن قبل أن تضع قدمها خارج الغرفة، التفتت مجددًا إلى الزاوية نفسها، وضاقت عيناها بشك لثوانٍ وهي تحدق في تلك النملة، قبل أن تستدير وتغادر.

بعد خروجها أصبحت الغرفة خالية تمامًا. لا أثر لأي حركة...

باستثناء تلك النملة السوداء، التي لمع بريق عينيها بشكل غريب، أشبه بلمعان الزجاج، لا بعيني كائن حي.

في غرفة مظلمة، كان رجل لا تظهر ملامحه يجلس على كرسي واضعًا ساقًا فوق الأخرى، ينظر إلى الشاشة العملاقة أمامه.

كانت الشاشة تعرض كل ما حدث من منظور تلك النملة الزجاجية، التي لم تكن سوى أداة مراقبة.

تحدث رجل آخر يقف خلفه على بعد بضع خطوات.

ما أوامرك، سيدي؟

تحدث الرجل الجالس بصوت هادئ، لا يحمل أي نبرة توحي بالخير خلف تصرفاته.

ابحثوا عن أمها... وأخيها الأصغر.

أومأ الرجل، ثم استدار وخرج بسرعة ليبلغ الباقين.

وبينما كان يركض في الممر، فجأة ودون سابق إنذار، سحبته يد شخص ملثم إلى إحدى الغرف المظلمة.

وبحركة واحدة كسر رقبته، ثم بدل ملابسه بملابس الرجل...لم يغير ملابسة بل استنسخ الملابس ولم يكتفِ بذلك... بل غيّر وجهه وبنيته الجسدية، وكأن جسده قطعة من الصلصال يمكنها أن تتخذ أي هيئة يريدها، حتى أصبح نسخة مطابقة لذلك التابع.

وفجأة ظهرت فجوة في الأرض مثل سقف اسود، أخذت تتسع شيئًا فشيئًا حتى أصبحت كافية لابتلاع الجثة، فألقى بها داخلها، لتختفي تمامًا، ثم أُغلقت الفجوة من جديد.

خرج بعدها من الغرفة بكل هدوء. بينما كان يسير في الممر كان يسمع صوت شخص يحدثه، لكنه صوت لا يسمعه أحد غيره.

لم يكن عبر سماعة في أذنه...

بل كان يتردد مباشرة داخل عقله، عبر التخاطر.

سراب: أحضر الملف وانسحب... لا تلفت أي أنظار إليك.

رد الآخر دون أن يحرك شفتيه، مكتفيًا بالتفكير في الرد داخل عقلة.

كيڤن: هل أحضر الفتاة؟

سراب: لا... ليس الآن. فقط الملف.

كيڤن: اعتبري الأمر انتهى