أكاديمية الدم الملعون

الفصل 23: Part 23

Part 23

أغلق لوسيان باب غرفة الفتيان خلفه بهدوء مريب ، و كأن أي صوت إضافي قد يُفجِر ما تبقى من توازنه الداخلي ، خطواته كانت سريعة و غير منتظمة و كأن الأرض نفسها لا تُريحه ... الممر الحجري امتد أمامه طويلا مظلما إلا من مشاعل سحرية خافتة تنبض بضوء أزرق بارد ، رفع يده لا إراديا إلى عنقه و تحسس المكان الذي أخفى تحته الوشم ، مازال هناك ينبض و ينتظر ، زفر بحدة و هم بالإلتفات عند أحد التقاطعات لكنه توقف فجأة عندما جاءه صوت مألوف من الخلف. _ " كنت أعلم أنك ستهرب " تصلب جسده لثانية قبل أن يلتفت ، كان جاسون يقف خلفه ، مُستندا إلى أحد الأعمدة الحجرية ، ذراعاه معقودتان نحو صدره و صوته هادئ ، هدوء لا يشبه سخريته المعتادة ، قال لوسيان ببرود متصنع و هو يُحدِق في جاسون_ " لا أهرب ... أحتاج فقط إلى هواء ". إبتسم جاسون إبتسامة جانبية خفيفة لكنها لم تصل إلى عينيه ، و تقدم خطوة واحدة فقط نحو لوسيان و كأنه لا يريد إستفزازه ثم قال بنبرة خافتة_ " أنت لا تبحث عن هواء يا صديق ... أنت تحاول الهروب من نفسك و من حقيقة ما أنت عليه ". لم يرد لوسيان و أخفض بصره لينظر إلى الأرض ، ثم تابع السير لكن جاسون لحق به فورا ، خطوات هذا الأخير كانت متناسقة مع خطوات الآخر ، كأنهما يسيران منذ زمن طويل معا في نفس الطريق ، قال جاسون فجأة و كأنه إتخذ قرار_ " دعنا نذهب إلى نيكيتا ". توقف لوسيان هذه المرة بشكل كامل ، و إستدار إليه ببطء ، حاجباه معقودان و هو يسأل ... " و من تكون هذه ". رفع جاسون كتفيه بخفة لكن نبرة صوته حملت جدية واضحة ... " أصغر عرافة هنا ... و أذكرهم ذكاء و قوة " صمت لثانية ثم أضاف و هو يراقب تعابير وجه لوسيان ... " و صديقة مارغريت ". تغيرت ملامح لوسيان فورا و تصلب فكه ، و إنعكس شيء مظلم في عينيه ... " إذن ... هي مثلها ". ضحك جاسون هذه المرة ضحكة قصيرة خرجت تلقائية ... " كلا أبدا " تقدم خطوة للأمام حتى أصبح بمحاذاته ثم قال بنبرة أخف ... " نيكيتا مرحة و ساخرة ، لا تُحب السلطة و لا المجلس و تكره الصمت الطويل ". إلتفت إليه لوسيان بنظرة شك واضحة ... " و هل هذا سبب كاف لأثق بها ". أجاب جاسون دون تردد ... " لا " ثم مالت زاوية فمه بإبتسامة جانبية أكثر وضوحا و أضاف ... " لكنها سبب كاف لتقول لك الحقيقة دون أن لنصف الموت مثل مارغريت ". تابعا السير جنبا إلى جنب ، الممر أخذ ينحدر تدريجيا نحو الأجزاء الأقدم من الأكاديمية ، حيث الجدران أسمك و الهواء أثقل و كأن المكان نفسه يحتفظ بأسرار لا يُحب كشفها ، قال لوسيان بعد صمت قصير مُخاطبا جاسون_ " إن كانت عرافة ... فسترى ما في دمي ". هز جاسون رأسه ببطء و رد ... " هي ترى ما يسمح لها الدم برؤيته ". نظر إليه لوسيان بحدة ... " و ما الفرق ". توقف جاسون هذه المرة و أجبر لوسيان على التوقف أيضا ، إستدار نحوه و صوته إنخفض بشكل ملحوظ و كأنه يُخاطب نفسه و ليس لوسيان الواقف مقابلا له_ " الفرق أن بعض الدماء ... محجوبة ، مختومة أو محمية بشيء أقدم من الأكاديمية نفسها ". تذكر لوسيان و الذي كان عبارة عن تنين و كلمة ختم ، قال لوسيان ببطء ... " و أنت ... كيف تعرف كل هذا ". إبتسم جاسون لكن ابتسامته هذه المرة كانت غامضة و بعيدة عن السخرية ... " لأنني رأيت نتائج تجاهل هذه الأمور " عاد للسير و أكمل بنبرة حاسمة ... " نيكيتا لن تحكم عليك ، و لن ترفع تقريرا و أيضا لن تستدعي المجلس " توقف قليلا ثم أضاف ... " و إن شعرت بأن ما بداخلك خطر ... ستخبرك بذلك قبل أن يفعل أحد آخر ". سكت لوسيان طويلا ، كان يسمع دقات قلبه و يشعر بنبض الوشم تحت جلده ، و يستحضر نظرة مارغريت الأخيرة له ، أخيرا قال بصوت خافت لكنه ثابت_ " دُلني ". إبتسم جاسون إبتسامة حقيقية هذه المرة ... " كنت أعلم أنك ستقولها ". انحرفا معا نحو درج حلزوني ضيق يقود إلى جناح غير مأهول كثيرا ، في الأعلى ... كان ضوء بنفسجي خافت يتسلل من بين الأبواب الحجرية ، قال جاسون و هو يصعد أول درجة_ " فقط تحذير صغير " إلتفت إليه و أضاف بنبرة ساخرة عادت أخيرا ... " نيكيتا قد تكون مرحة ... لكنها ترى أشياء لا تُمحى من الذاكرة ". شد لوسيان قبضته و عيناه تلمعان بعزم جديد ... " بعد اليوم ... لا شيء مما أراه سيكون أسوأ مما أشعر به ". واصلا الصعود نحو جناح العرافين حين كان الدرج الحلزوني بضيق مع كل خطوة يُضيفانها عليه ، و الجدران القديمة تزداد قربا كأن الأكاديمية نفسها تحاول الإصغاء لخطواتهما ، تقدم جاسون أولا بينما تبعه لوسيان بصمت ثقيل ، و عيناه تنتقلان بين النقوش الغريبة المنحوتة في الحجر . رموز لم تُدرس في أي كتاب داخل فالينور ، قبل أن ينعطفا عند الممر المؤدي إلى جناح العرافين ، جاءهما صوت مألوف ، بارد و ثابت و يحمل في نبرته سلطة لا تُجادل _ " إلى أين ؟ " توقف الإثنان في آن واحد ، إستدار لوسيان ببطء بينما زفر جاسون و كأنه كان يتوقع هذا اللقاء منذ اللحظة الأولى ، كانت مارغريت تقف عند نهاية الممر و عباءتها السوداء تنسدل بثقل ، شعرها يلمع تحت ضوء المشاعل البنفسجية و عيناها كانتا مُثبتتين على لوسيان لا على جاسون ، قالت بنبرة هادئة لكنها مشحونة بالتحذير_ " لا أظن أن هذا المسار مُخصص لنزهات ليلية ". فتح جاسون فمه ليتحدث لكن مارغريت رفعت يدها قليلا ، إشارة صامتة أوقفته فورا ، في تلك اللحظة تغير الجو و تجمد جسد مارغريت فجأة ، و حدقت في شيء ما خلف لوسيان شيء لم يره هو لكنه شعر به . رعشة خفيفة تسللت إلى عموده الفقري ، رفعت مارغريت يدها الأخرى و أغمضت عينيها لثانية واحدة فتشكل السحر ، المزهرية المعلقة أعلى الجدار و التي بدت عادية ، مملوءة بنباتات زينة متدلية ارتجفت فجأة ثم تمددت ظلالها بطريقة غير طبيعية . و في ومضة تشكل داخلها كيان صغير و شفاف محاصر بين الجذور و الأغصان ، صرخة مكتومة خرجت منه لتفتح مارغريت عينيها ، و نبرة صوتها إنخفضت إلى حد مُرعب تسبب في سيران قشعريرة في جسد لوسيان و جاسون_ " من طلب منك التجسس علي أيها الجني ". إرتجف الكائن داخل المزهرية و أجنحته الشفافة إرتطمت بجدرانها السحرية دون جدوى .... " لا ... لم أقصد الأذى ". قاطعته ببرود مُخيف ... " أجِب ". تردد للحظة ثم قال بصوت مرتجف ... " لوكاس ". تجمد الجو و لوسيان رفع رأسه فجأة ، بينما ضاق نظر جاسون أما بالنسبة لمارغريت فلم تتفاجأ و كأنها إعتادت على مثل هذه الأمور من لوكاس ، سألت و نبرتها هذه المرة كانت أخطر هادئة جدا_ " لماذا ". قبل أن يُجيب الجني جاء صوت آخر من خلفهم ، أعمق و أكثر صلابة و غطرسة ، يحمل ثقل سلطة رسمية ... " لأنني أدين بأنك بدأت تتلاعبين من وراء الأكاديمية يا ... فتاة ". إلتفت الجميع ليجدون لوكاس يقف عند بداية الممر ، طويل القامة و معطفه الداكن يحمل شارة مجلس الأكاديمية ، و عيناه تلمعان ببرود حسابي ، خلفه كان الهواء مضطربا دليل على وجود حراس آخرين غير مرئيين . إقترب خطوة واحدة فقط و بات مقابلا لمارغريت لا يفصل بينهما سوى بضع سنتيمترات_ " تحركات غير مصرح بها " _ " طالب يحمل دما غير مصنف " _ " و تواصل مع عرافة خارج إشراف المجلس " نظر إلى مارغريت مباشرة و رفع إصبعه نحوها ... " و هذا ليس صدفة ". إبتسامة مارغريت إبتسامة صغيرة خالية من أي دفء لتردف قائلة ... " أنت تراقبني إذن ". صحح لوكاس ببرود و غطرسة ... " أحمي الأكاديمية ". رفعت يدها قليلا فإنكمش الجني أكثر داخل المزهرية ، صوته يكاد يُسمع ... " أنا ... أنا أُطيع الأوامر فقط ". قالت مارغريت دون أن تنظر إليه ... " الأوامر لا تُعفي من العار " ثم نظرت إلى لوكاس مجددا ... " و أنت ... منذ متى يُراقب أعضاء المجلس دون قرار رسمي ". إقترب لوكاس خطوة أخرى و نظر إليها بإزدراء ... " منذ أن بدأت بإخفاء معلومات تتعلق بتوازن العالم ". تدخل جاسون أخيرا و صوته مشدود ... " هذا تجاوز يا ... لوكاس ". نظر لوكاس إليه ببرود و تعالِ ... " و أنت فيما لا يعنيك " أما لوسيان فكان صامتا ، لكن الوشم تحت جلده نبض بقوة كأنه إستجاب للتوتر فلاحظت مارغريت ذلك فورا ، قالت و هي تُخفِض يدها قليلا فتبقى المزهرية محكمة الإغلاق_ " ما تفعله الآن ... لوكاس ، سيُسرع ما تخشاه ". سأل بسخرية خفيفة مُقلدا صوت مارغريت ... " و ما الذي أخشاه ". إقتربت منه حتى أصبح بينهما مسافة نفس واحد ، صوتها كان همسا لكنه وصل للجميع ... " أن يكتشف هذا الفتى الحقيقة من شخص آخر غير المجلس ". ساد الصمت ثم نبس لوكاس ببطء ... " إن خطوت خطوة أخرى خارج الحدود ... سأرفع الأمر رسميا ". أجابت بهدوء قاتل ... " و أما سأفعل ما يجب ، سواء أعجب المجلس ذلك أم لا " إلتفتت إلى جاسون و لوسيان ... " إذهبا ". تردد جاسون لحظة ثم هز رأسه ، أما لوسيان فنظر إلى مارغريت نظرة إمتنان مشوب بالخوف ثم تابع السير ، قال إن يبتعدو قال لوكاس بصوت مرتفع كي يسمعوه_ " هذا الدم ... لن يبقى سر طويل ". توقفت مارغريت دون أن تلتفت ... " و لا شيء خطير يبقى مخفيا إلى الأبد ". تابعا طريقهما تاركين خلفهم ممرا مشحونا و مواجهة لم تنته بعد بل بدأت للتو ، مواجهة خطيرة بين مارغريت و لوكاس. ~~~~~~~~~~~~~

- جناح العرافين -

كان جناح العرافين مختلفا عن أي مكان آخر في أكاديمية فالينور ، بمجرد أن تخطو داخله حتى تشعر و كأنك عبرت حدود الواقع ذاته ، الجدران كانت من حجر أبيض مائل للفضة محفور عليه دوائر متداخلة و رموز نبوءات قديمة تتوهج بخفوت . كأنها تتنفس و السقف مرتفع و تتدلى منه كرات بلورية شفافة ، داخل كل واحدة دوامة ضوء بطيئة الحركة ، الأرضية من زجاج داكن تعكس الوجوه لا كما هي بل كما تُخفيه. دخل لوسيان أولا و خطواته لم تكن ثابتة كما في الممر فمنذ أن إقترب من الجناح و هو يشعر بشيء ما يضغط على صدره ، نداء خفي و قديم و بدائي ، حتى جاسون لاحظ ذلك فورا فهمس_ " هل أنت بخير ". هز لوسيان رأسه لكن عينيه كانتا معلقتين بإحدى الكرات اابلورية التي بدأت تتوهج بلون أحمر قاتم فور دخوله ، تمتم بصوت منخفض_ " هذا المكان ... و كأنه يراني ". قبل أن يُضيف شيء ، انفتح باب جانبي ببطء دون أن يلمسه أحد و خرجت منه فتاة ذات شعر أسود قصير و عينين بلون العقيق المضيء ، كانت ترتدي عباءة بنفسجية أقصر من عباءات بقية العارفين و تضع في أذنها أقراط فضية صغيرة على شكل هلال ، إبتسمت إبتسامة واسعة خفيفة لا تُشبه كآبة المكان إطلاقا_ " تأخرتم ". رفع جاسون حاجبه و قال ... " نيكيتا ". إقتربت بخطوات مرنة و نظرت مباشرة إلى لوسيان ، لا خوف و بلا رهبة لتقول بمرح ... " أنت صاحب الضوضاء ... دمك يصرخ ، هل تعلم ؟ ". تصلبت عضلات لوسيان و سأل بفضول ... " يصرخ ؟ ". أومأت ... " ليس بصوت ... بل بإحساس ، شيء لا يعرف كيف يبقى ساكنا ". و قبل أن يرد ، تغير الجو فجأة حيث الضوء داخل المكان خفت و الرموز على الجدران بدأت تتحرك ، تدور و تنفصل ثم تعود لتتشكل من جديد ، إحدى الكرات البلورية إنفجرت بصوت مكتوم و تناثر منها ضوء أحمر قاتم . وضع لوسيان يده على عنقهون وعي حيث الوشم ، بدأ وشم التنين ينبض بقوة كأنه يحاول الخروج من جلده ، حرارة مفاجئة إجتاحت جسده ، تبعتها قشعريرة عنيفة نادت نيكيتا لكن صوتها بدا بعيدا بالنسبة للوسيان ... " لوسيان ". ركع على ركبة واحدة ، أنفاسه تسارعت و رؤيته تشوشت ثم بدأ التحول ، اول علامة ظهرت كانت العينان حيث تغير لون بؤبؤيه تدريجيا إلى ذهبي متوهج ، تحيط به حلقة سوداء حادة ، شهق جاسون و تراجع خطوة إلى الوراء من هول المنظر_ " لا ... هذا ليس دم مصاصي الدماء ". أجابته نيكيتا و هذه المرة بلا مزاح ... " و لا دم سحرة ". أصدر لوسيان زفيرا خشنا كأنه زئير مكبوت ، عروقه لم تعد تتوهج بالأحمر بل بلون داكن يميل إلى البني الفضي ، بدأت أظافره تطول و تتحول إلى مخالب حادة ، و الجلد عند عنقه و كتفيه شد نفسه بقوة ، كأن شيئا تحته يحاول شق طريقه للخروج ، قال بصوت متقطع و أجش و هو ينحني على ركبتيه_ " أشعر ... بشيء يريد السيطرة ". تراجعت نيكيتا خطوة واحدة فقط ، ثم رفعت يديها و دوائر سحرية شفافة تشكلت حولهما ، قالت بتركيز ... " جناح العرافين لا يكبح القوة ... هو يكشفها ". إنحنى ظهر لوسيان فجأة و ارتفعت عظام كتفيه بشكل غير طبيعي ، ثم عادت لتستقر لكن أثرها بقي واضحا ، علامات المستذئبين ظهرت بجلاء : خطوط داكنة تشبه الوشوم البدائية امتدت من عنقه إلى أعلى صدره . أنفاسه أصبحت أعمق و أشبه بأنفاس مفترس ، حاسة السمع لديه تضاعفت حتى أصبح يسمع دقات قلب جاسون و نبض نيكيتا ، صرخت إحدى البلورات عندما إقترب منها دون قصد و تحطمت ليُتمتم جاسون_ " اللعنة ... مارغريت كانت محقة ". نظرت نيكيتا إلى لوسيان بعينين متسعتين لا خوف فيها بل دهشة خالصة ثم قالت ببطء ... " هذا ليس تحولا كاملا ... إنه إستدعاء " رفع لوسيان رأسه بصعوبة ... " إستدعاء ماذا ". إبتسمت إبتسامة صغيرة لكنها هذه المرة كانت جادة تماما ... " المستذئب لا يظهر إلا عندما يشعر بأن مكانه مهدد ... أو عندما يدرك أن وقته للاختباء انتهى ... أو حين يكون موعد بلوغ التحول قد وصل ". إنفجر الضوء حوله فجأة ثم سكن ، توقف التحول عند حد خطير لا إنسان و لا وحش كامل و سقط لوسيان على الأرض ، يلهث و جسده يرتجف لكن عينيه ظلتا ذهبيتين ، إقتربت نيكيتا منه ببطء و جلست أمامه ، مدت يدها و لمسته على جبينه و همست_ " الآن تأكدت ... دمك ليس فقط ملعونا بل مُطارد ". و قبل أن يسألها المزيد اهتز الجناح كله و تردد في الأرجاء صوت إنذار قديم لم يُسمع منذ عقود ، لم يكد صدى الإنذار القديم يخفت حتى تشقق الهواء نفسه داخل جناح العرافين ، لم يكن بابا يفتح و لا ظلا يزحف بل حضور يفرض نفسه بالقوة. إنطفأت الرموز على الجدران دفعة واحدة ، و سكنت البلورات كأن شيئا ما أمرها بالصمت ثم سُمع خطوات واحدة فقط ، هادئة و ثابتة و لا تتعجل ، رفعت نيكيتا رأسها ببطء و عينيها اتسعتا و هي تهمس_ " هي هنا ". لم يحتج جاسون أن يفهم من تقصد ، فلقد فهم بأنها تتحدث عن مارغريت التي وقفت عند مدخل الجناح ، و ثوبها الطويل ينسدل خلفها كظل حي ، شعرها ساكن و عيناها كانتا أبرد من أي مرة سابقة ، لم يكن تركيز مارغريت على المكان بل على لوسيان. إقتربت بخطوات محسوبة و كل خطوة كانت تُشعر لوسيان بأن الضغط على صدره يزداد ، كأن دمه يتعرف عليها قبل أن يراها بوضوح ، ركعت أمامه دون تردد و وضعت يدها الأولى على صدره مباشرة ، فوق موضع امتداد الوشم حيث كان قلبه يخفق بعنف غير طبيعي ، ثم رفعت يدها الثانية و إستقرت على جبينه ، أصابعها باردة لكنها لم تكن قاسية. في تلك اللحظة التي لمسته فيها ، توقف كل شيء : الزئير المكبوت في صدره خفت ، الحرارة الجامحة بردت فجأة ، حتى نبضه الذي كان يُهدد بتمزيق أضلعه ، بدأ يعود إلى إيقاع يمكن احتماله ، فتح لوسيان عينيه بصعوبة و كان مارغريت قريبة جدا ، قريبة لدرجة أنه رأى انعكاس عينيه الذهبيتين في عينيها ، قالت بصوت منخفض لكنه نافذ_ " إهدأ ". لم تكن كلمة كانت أمر ، إرتجف جسده بعنف للحظة ثم خضع ، إنسحبت علامات المستذئبين تدريجيا و إنكمشت الخطوط الداكنة و عادت أنفاسه ببطء إلى طبيعتها ، لكن الوشم لم يختفِ بل ظل متوهجا كأنه يراقب . سحبت مارغريت يدها عن جبينه ببطء لكنها أبقت الأخرى على صدره للحظة اطول و كأنها تتأكد أن ما في داخله قد سكن فعلا ، نهضت أخيرا و استدارت ، في تلك اللحظة فقط أدرك الجميع أن نبرة الجو تغيرت ، لم تعد مجرد أزمة طالب فقد السيطرة بل شيء أكبر و أخطر ، قالت مارغريت دون أن تنظر إلى نيكيتا أو جاسون_ " جناح العرافين لم يُختر صدفة ". أجابت نيكيتا بنبرة جادة لم يعتادوها منها ... " الدم إستجاب للمكان ... كأن أحد يناديه ". شدت مارغريت فكها قليلا و ردت ... " أعرف " ثم أضافت ببرود قاتل ... " و لهذا جئت قبل أن يسمع النداء من لا يجب أن يسمعه ". تقدم جاسون خطوة ... " الإنذار ... هل يعني أنهم شعروا به ". لم تجبه مباشرة بدل من ذلك رفعت رأسها قليلا و نظرت إلى الفراغ ، ليس إلى سقف الجناح بل إلى ما وراءه ، قالت بهدوء ثقيل_ " هناك من يراقب منذ زمن ... لكنهم اليوم بدأوا يتحركون ". ساد صمت خانق حتى البلورات بدت و كأنها تحبس أنفاسها ، قالت نيكيتا بعد تردد ... " مجلس الظلال ؟ ". لم تنفِ مارغريت و لم تُؤكد ، بل اكتفت بجملة واحدة كانت كافية لزرع القلق في صدورهم ... " فالينور ليست الوحيدة التي تحمي توازن العالم ". ثم إلتفتت إلى لوسيان مجددا ، كان قد جلس و هو يستند إلى الجدار و وجهه شاحب لكن عينيه عادتا إلى لونهما الطبيعي ، نظر إليها و صوته خرج مبحوح_ " ماالذي أنا عليه حقا ؟ ". تأملته لثانية طويلة ، لم يكن في عينيها تقييم بل تحذير ، قالت ببطء ... " شيء لا تريد الأكاديمية أن تراه المجالس الأخرى ... و شيء لن يسمح مجلس الظلال بأن يبقى خارج قبضته " ثم أضافت بنبرة أكثر حدة ... " و من هذه اللحظة ... لم تعد هذه مجرد دراسة داخل الأكاديمية ". إستدارت فجأة و عباءتها تحركت خلفها كستار أسود ... " هذا صراع نفوذ ... فالينور ضد من يعمل في الخفاء " و قبل أن تغادر الجناح توقفت و قالت دون أن تنظر خلفها ... " و أنت يا لوسيان ... أصبحت النقطة التي قد تُشعل الحرب ". إختفت من حيث أتت و بقي جناح العرافين غارقا في صمت أثقل من أي ضجيج ، نظر جاسون إلى لوسيان بقلق صريح و نظرت نيكيتا إليه و كأنها ترى نبوءة تمشي على قدمين ، أما لوسيان فوضع يده على صدره مرة أخرى حيث لا يزال الوشم ينبض ببطء . الآن باتت مارغريت تعرف حقيقة لوسيان الكاملة : لوسيان لم يكن بشري أو ساحر فقط ... بل مصاص دماء ، مستذئب ، بشري و ساحر.