الفصل الأول_ما وراء الظلال
القسم الأول_ المنزل على سفح الجبل________________
الرياح على ذلك الجبل لم تكن تعزف ألحانًا، بل كانت تصرخ كأرواحٍ معذبة تُساق إلى حتفها. كان الصعود نحو القمة كمن يتسلق جثة عملاق حجري غارق في القطران. الشجر على جانبي الطريق الضيق كان عاريًا، أغصانه المشتبكة تتدافع تحت وطأة الهواء البارد كأيدٍ نحيلة تحاول القبض على أي غريب يجرؤ على الاقتراب. كان الهوّاء محملاً برائحة رطوبة قديمة ومزيج خفيف من العفن وعشب متعفن منذ سنوات. ليلةٌ مظلمة، لا ضوء فيها… حتى القمر غادر السماء تلك الليلة. في أعلى سفح الجبل يقف منزل مهجور. لم يكن متهالكًا ولا من طرازٍ قديم، بل كان حديثًا وفخمًا، لكنه خالٍ تمامًا من الحياة. فجأةً دوّى صرير بابٍ يُفتح. كان إلياس يبحث عن مصدر الصوت، حتى وجده في غرفةٍ مظلمة. اقترب من الباب بحذر، وقلبه ينبض بسرعة. كانت أصابعه المرتجفة تتشبث بمقبض الكشاف البارد لدرجة ألمتها. نبرات قلبه لم تكن مجرد دقات، بل كانت لكمات متتالية يصدم بها صدره من الداخل، كأن كائناً حبيساً بداخله يحاول الهرب قبله. تساءل في تلك الثواني القاتلة عن اللحظة التي أخطأ فيها التقدير؛ ما الذي دفعه لخوض هذه الخاطرة؟ هل هو الفضول الأعمى، أم أنه كان يستدرج حتفه بقدميه دون أن يدري؟ صرير الهواء تحت أقدامه كان يذكره بثقل الخطوة التي لا يمكن التراجع عنها. وما إن مدّ يده نحوه حتى انفتح الباب ببطء… وفجأةً سقط الكشاف من يده على الأرض. تدحرج الضوء على الأرض، يرسم دوائر مرتجفة على الجدران الباردة. تجمّد إلياس في مكانه حين سمع خلف الباب نفسًا بطيئًا… كأن البيت نفسه يستيقظ من سباتٍ طويل. وحين رفع عينيه نحو الظلام أدرك الحقيقة المرعبة: لم يعد وحده في ذلك المنزل. بدأت أنفاسه ترتجف، فقد أدرك أن قراره بالمجيء إلى هنا قد يكون الموت بعينه. رفع نظره ببطء نحو الظلام، فرأى جسدًا يتأرجح يمينًا ويسارًا. كان جسد رجلٍ متهالك، مشوّه الوجه، بلا عينين. شقوق فمه امتدت حتى أذنيه، كأنها ابتسامة خرجت من عالم الموتى. لم يكن التشوّه في وجهه مجرد ندوب، بل كان كأن الجلد نفسه قد تم تمزيقه وإعادة حياكته بأيدي خياط مريض. موضع العينين الغائبتين لم يكن مجرد تجويفين فارغين، بل كان يفرز ظلامًا كثيفًا، كأنك تنظر إلى بئر بلا قاع. الرائحة التي رافقت اقترابه كانت رائحة الأرض الخصبة بعد المطر ولكن امتزجت بلمحة حادة من الحديد الصدئ والحصى المحترق. كل حركة يتأرجح بها ذلك الجسد المتهالك كان يرافقها صوت طقطقة طفيفة، كأن عظام مفاصله تحتك ببعضها دون زيوت حياة. كان ذلك المنظر كافيًا ليزعزع ما تبقى من شجاعة في قلب إلياس. تراجع إلى الخلف بخطواتٍ متعثرة، يبحث عن مهربٍ من العالم الذي اقتحمه. ركض من حيث أتى… لكن الصدمة كانت أكبر مما تخيّل. لم يجد باب الخروج، لم يجد الباب الذي دخل منه عندها أدرك الحقيقة: هذا المنزل ليس ككل المنازل… بل هو بوابة للأرواح. وقف إلياس مذهولًا. ما الذي جاء به إلى هنا؟ يقولون إن الموت يبحث عن صاحبه… لكنه هو من جاء يبحث عن هلاكه. تذكر في تلك اللحظة المشحونة بالرعب تلك الرسالة القديمة والمغلف الأصفر المهترئ الذي عثر عليه بين مقتنيات عائلته. الملاحظات المكتوبة بخط يد مرتبك كانت تشير بوضوح إلى هذا البيت القابع على قمة الجبل، مؤكدة أن السر الذي ظلت العائلة تخفيه لعقود يقبع خلف أبوابه المغلقة. لقد أقسم حينها ألا يعود أدراجه حتى يكشف الغموض الذي خيّم على طفولته. ودفع المقربين منه إلى مصائر مجهولة. لكنه الآن، وهو يواجه الظلمة الكثيفة ويشعر بقسوة البرودة تسري في جسده، أدرك أن الحقيقة لم تكن مجرد سرّ تاريخي يُكشف، بل كانت فخاً مظلماً يتغذى على فضول الأحياء ويستدرجهم نحو الحتف. كيف سيخرج من هذا المكان؟ كل شيء هنا كان يناديه… يجذبه نحو الهاوية. اللوحات على الجدران بدت كأنها عيون متربصة، والثريا المعلقة في الأعلى… هل تلك عيون بشرية عالقة بها؟ تسمرت عيناه وهو يتفحصها. نعم… كانت حقيقية لم تكن تلك العيون الملتصقة بالثريا زجاجية أو مجرد حليّ مزخرفة، بل كانت تتحرك بحركات دقيقة ومضطربة، ترمش على فترات متباعدة وكأنها تحاول التكيف مع الضوء الضعيف. كانت جفون تلك العيون متيبسة، وتنقط منها قطرات زججة خفيفة تسقط على الأرضية بصوت مكتوم يُحدث طنينًا في أذن إلياس. أما اللوحات المعلقة، فكانت ألوانها الزيتية تتداخل وتتغير في الظلام؛ الوجوه المرسومة فيها لم تكن ثابتة، بل كانت ملامحها تتلوى ببطء كأن الشخصيات المحبوسة داخل إطارات الخشب تسعى للخروج لتنفس الهواء، وتتابع خطواته المرتجفة بنظرات ملؤها الشماتة والرجاء في آنٍ واحد. ثم وقع بصره على كومة من العظام في زاوية الغرفة. يبدو أنها لأشخاص كانوا هنا قبله. هل هذه نهايته؟ لكن في كل مرة يظن أن حتفه قد اقترب، تحدث فاجعة أخرى… كأن الحياة ترفض أن تتركه يرحل بسلام. وفجأة… سمع أصوات همسات خافتة. كلمات متقطعة… وضحكات مكتومة بدأت ترتفع. تراجع خطوة إلى الخلف، لكن الأصوات ازدادت، عرقه بلّل الأرضية. وقلبه سقط في جوفه. لم تكن تلك الهمسات قادمة من اتجاه واحد، بل كانت تتسرب من شقوق الجدران، ومن تحت بلاط الأرضية البارد، وحتى من الفراغ الذي يحيط برأسه. كانت الأصوات تتداخل بلغات غير مفهومة، ألسنة قديمة تتحدث بنبرة مبحوحة تشبه حفيف الأوراق الجافة في مقبرة مهجورة. كل همسة كانت تترك في عقله أثرًا يشبه الوخز بالإبر، تجعله يشك في حواسه وفيما إذا كان ينظر إلى الواقع أم أن عقله بدأ ينهار تحت وطأة الفزع. شعر بركبتيه تخورانه، وأصبحت أنفاسه ثقيلة كأنه يستنشق رمالاً ساخنة تجرح حنجرته مع كل شهيق. وفجأة… عاد من صدمته عندما رأى ذلك الكائن المرعب يقترب منه. وفجأة هبت رياحٌ قوية فتحت النافذة بعنف. استغل إلياس الفرصة وقفز منها بسرعة، لكن الصدمة كانت أشد قسوة. شعر ببرودة الهواء الخارجي تلطم وجهه للوهلة الأولى، وتخيل لثانية خاطفة أن جاذبية الأرض ستأخذه إلى الأسفل نحو الشجيرات والأرض الصلبة حيث الخلاص. أغمض عينيه واستعد للصدمة على الأرضية الحجرية. لكن الاصطدام لم يكن بسطح التراب والركام، بل كان بألواح خشبية صلبة ومغبرة ينبعث منها ذات الغبار العفن. حين انفتح جفناه باحتضار، لم يَرَ النجوم ولا سفح الجبل، بل رأى سقف الغرفة ذاته والظلال المتراقصة نفسها. كانت النافذة التي قفز منها مجرد شق في جدار المتاهة، تعيد الغريب إلى نقطة الصفر كلما توهم أنه اقترب من الحافة. حين رفع رأسه… وجد نفسه داخل المنزل مجددًا. مهما حاول القفز والهرب، كان يعود إلى المكان نفسه. وكأنه عالق في متاهة لا نهاية لها، ارتبك إلياس وخاف بشدة. ماذا يفعل الآن؟ التفت ببطء خلفه… فرأى الرجل المظلم لا يزال واقفًا هناك، ينظر إليه بابتسامة كريهة ومرعبة، كأنها تقول له: إلى أين ستذهب… لا مخرج لك مني. بقي إلياس واقفًا مذهولًا وفي تلك اللحظة، حين ظن أن الخوف بلغ أقصاه، أدرك الحقيقة المرعبة. لم يكن ذلك الكائن يحرس المنزل… بل كان ينتظر ساكنه الجديد. تقدم الرجل المشوّه خطوة أخرى، فاهتز الظلام حوله كأن الليل نفسه يطيعه. ثم خرج صوته خافتًا، كهمسٍ قادم من قبرٍ قديم: "كلُّ من دخل هذا البيت… أصبح جزءًا منه." ارتجفت الجدران، وانطفأ الكشاف أخيرًا، وغرقت الغرفة في ظلامٍ كامل وفي اللحظة التي حاول فيها إلياس الصراخ… لم يخرج من فمه سوى صمتٍ بارد. لكن فجأة… بدأ يشعر بخطوات الكائن تقترب أكثر. ارتفعت الدماء إلى رأسه، وارتجفت أطرافه، ولم يعد قادرًا على الحراك. شعر أن النهاية قد اقتربت… لكنه لم يكن يعلم أن تلك النهاية ستكون بداية لعالمٍ آخر. مدّ الكائن يده ولمس أطراف يد إلياس. لم تكن اللمسة دافئة، ولا حتى باردة بالمعنى الطبيعي؛ كانت كأنها تجريد كامل لكل دفء في جثته. سرت برودة كهرومغناطيسية من أطراف أصابع الكائن لتخترق جلد إلياس، تجري في أوردته بدلاً من الدم. يتوقف الزمن كلياً عند تلك نقطة الالتقاء، واندفعت الأصوات من حوله لتبدو كأنها تُعزف تحت الماء العميق. لم يعد يرى الغرفة ولا الجدران، بل شعر بالسطح الخشبي تحت قدميه يذوب ويتحول إلى سائل أسود يبتلعه ببطء، بينما المسافة بين عقله وواقع الجسد تتسع وتتمزق. وفي لحظةٍ واحدة… انتقل إلياس إلى عالمٍ آخر أشد رعبًا. تمنى في تلك اللحظة لو بقي مع رعب المنزل، مقارنة بما رآه أمامه. فما رآه كان أكبر مما يتصور عقله. شعر بدوار شديد، وسقط أرضًا. أثناء سقوطه، لم يشعر بالهواء يمر بجانبه، بل شعر كأنه يغوص في سائلٍ لزج وبارد يسحبه نحو أسفل لا نهاية له. كانت الأفكار تتلاشى من رأسه واحدة تلو الأخرى، ولم يتبقَ في وعيه سوى طنين حاد يتردد في أذنيه وصوت ضربات قلبه المتباعدة التي بدأت تبطئ شيئًا فشيئًا كأنها تستعد للتوقف النهائي. الغيبوبة التي ألمّت به لم تكن راحة، بل كانت تحولاً قسريًا في ادراكه. حيث امتحت معالم العالم الذي يعرفه كليًا ليحل محلها فراغ أسود خالٍ من الأكسجين، ليحس بعظام جسمه تتيبس وتتهيأ لاستقبال شيء أشد قسوة من الموت نفسه. وعندما استيقظ… وجد نفسه محاطًا بظلامٍ كثيف، وهياكل عظمية متحركة بعيونٍ متوهجة. وكأنه انتقل إلى عالم الموتى. لم تكن الأرض تحت جسده تراباً ولا خسباً، بل كانت مادة هشة تشبه الرماد الناعم المحترق. الرائحة هنا لم تكن مجرد عفن، بل رائحة كبريت واحتراق أزلي يملأ الحلق بمرارة قاسية. من حوله، لم تكن الهياكل العظمية مجرد بقايا جثث هامدة، بل كانت تتحرك بإيقاع بطيء ومنتظم، كأنها مسيرة أسرى أزليين. كان في تجاويف أعداقها أطياف ضوء ضبابي أحمر كالجمر المشتعل، تتطلع نحو إلياس بنظراتٍ لا ترتد، ينبعث منها صوت حفيف كاحتكاك الجليد بالحديد. استشعر إلياس في تلك اللحظة أن الموت لم يكن نهاية المطاف، بل كان سجناً أوسع، وأن بوابة المنزل لم تكن سوى مدخل لجهنم أرضية لا يخرج منها أحد.