القسم الثاني_ الختم المستيقظ
وقف ساري مذهولًا مما رآه، واضعًا يديه على رأسه، بينما كانت الذكرى الأخيرة لا تزال عالقة في ذهنه. قال بصرامة:"أجبني... هل أنت من قتل والدي؟" نظر إليه واروين بهدوء وقال:"ولماذا تسأل هذا السؤال؟" أجاب ساري:"لأن من حقي أن أعرف. أجبني، فقد نفد صبري." هز واروين رأسه وقال:"كلا، أنا لم أقتله." رد ساري بسرعة:"كاذب." تنهد واروين ثم قال:"لست كاذبًا. هل لديك دليل على أنني قتلته؟ هل رأيتني وأنا أفعل ذلك؟" صمت ساري للحظة، ثم قال:"لا... لم أرك." أجاب واروين:"إذًا هذه هي الحقيقة." خفض ساري رأسه قليلًا، ثم قال:"ربما... لكنني سأعرف الحقيقة كاملة." ابتسم واروين بسخرية خفيفة وقال:"حسنًا، عرفنا أنك ستعرف يا ذكي." ثم أضاف ساري:"يوجد سؤال آخر." _"تفضل." قال ساري بهدوء:"رأيت شخصًا في الذكرى." انعقد حاجبا واروين:"أين؟" أجاب:"كان يقف بعيدًا خلف شجرة، وسط الظلام." قال واروين:"غريب... لم أره. هل رأيت شكله؟" هز ساري رأسه:"لا. كان المكان مظلمًا جدًا... لكنني رأيت عينيه." _"وما المميز فيهما؟" قال ساري بثقة:"كانتا حمراوين." ضحك واروين بخفة:"ربما من شدة الخوف تخيلت ذلك." لكن ساري رد بانفعال:"كلا... لم يكن خيالًا." نظر إليه واروين طويلًا:"وما الذي يجعلك متأكدًا؟" أجاب ساري:"لأنني رأيت هاتين العينين من قبل." تغير وجه واروين فجأة، وفتح الباب بعنف من شدة صدمته:"ماذا قلت؟! أين رأيتهما؟!" تراجع ساري خطوة متفاجئًا من ردة فعله:"تمهل... ما بك؟" اقترب واروين منه وقال بحدة:"أجبني." تنفس ساري ببطء وقال:"لا أذكر متى بالضبط... لكنني رأيتهما منذ بداية كل ما مررت به." أخذ واروين نفسًا عميقًا وقال:"هل أنت متأكد؟" _"نعم. لماذا؟" صمت قليلًا ثم قال:"لا شيء." لكن ساري لم يقتنع. كان واضحًا أن سؤاله أيقظ شيئًا دفينًا في داخله. قال:"لا... هناك شيء تخفيه." تنهد واروين وقال:"قلت لك لا شيء." _"إذًا لماذا ارتبكت عندما أخبرتك عن العينين؟" ساد الصمت للحظات. ثم قال واروين:"لأنني سمعت عنهما من قبل." تجمد ساري في مكانه:"ممن؟" _"من والدك." اتسعت عينا ساري:"والدي؟" أومأ واروين برأسه:"نعم. قبل اختفائه بفترة قصيرة. كان يتحدث عن شخص يراقبه دائمًا من بعيد... شخص لا يظهر وجهه أبدًا." همس ساري:"ولماذا لم تخبرني بهذا؟" أجاب واروين:"لأنني لم أكن متأكدًا إن كان ما رآه حقيقيًا أم لا." _"والآن؟" رفع واروين نظره نحوه وقال:"الآن بدأت أشك أن الأمر كان حقيقيًا أكثر مما توقعت." خفض ساري رأسه مفكرًا. ثم قال:"هل تعتقد أن لهذا الشخص علاقة باختفاء والدي؟" نظر إليه واروين طويلًا قبل أن يجيب:"هذا ما أخشاه." وفجأة دوى صوت عميق من أعماق القاعة. توقفت الهمسات. واهتزت جدران غرفة الذاكرة من جديد. التفت الاثنان نحو الحوض الأسود. كان سطح الماء يتحرك وحده. ثم بدأت صورة تتشكل ببطء فوقه. اتسعت عينا ساري:"مستحيل…" قال واروين:"ماذا ترى؟" أجاب بصوت مرتجف:"أرى والدي." ساد الصمت في القاعة. اقترب واروين من الحوض بحذر:"ماذا ترى؟أخبرني." لكن ساري لم يجب. كانت عيناه مثبتتين على المشهد الذي يتشكل فوق الماء. ظهر سيزار واقفًا وسط غابة كثيفة تحت ضوء قمر أحمر. كان متعبًا، وثيابه ملطخة بالدماء والتراب. لكنه لم يكن وحده. قال ساري:"هناك شخص معه." سأل واروين بقلق:"من هو؟" ضيق ساري عينيه محاولًا الرؤية بوضوح. ثم قال:"إنها... طفلة." ارتبك واروين:"طفلة؟!" أومأ ساري. كانت طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها ثماني سنوات. شعرها أبيض كالثلج، وعيناها زرقاوان تلمعان بصورة غير طبيعية. وفجأة ركعت على الأرض وهي تبكي. سمع ساري صوتها:"لقد اقتربوا... لن نستطيع الهرب أكثر." نظر سيزار إليها بحزن. ثم خلع قلادة فضية من عنقه ووضعها بين يديها. وقال:"استمعي إلي جيدًا... إذا حدث لي شيء، فابحثي عن ابني." تجمد ساري:"ابنه؟! يقصدني أنا؟" رفعت الطفلة رأسها وسألته بخوف:"وماذا عنك؟" ابتسم سيزار ابتسامة متعبة وقال:"لقد انتهى دوري." وفجأة... استدار ببطء. ونظر مباشرة نحو ساري. توقف قلبه للحظة. كان والده ينظر إليه عبر الذكرى. وقال بصوت خافت:"إذن وصلت إلى هنا أخيرًا…" تراجع ساري للخلف:"مستحيل…" أما واروين فقد شحب وجهه:"ماذا هناك؟" لكن ساري لم يستطع الإجابة. لأن الظل الطويل ظهر من جديد. صاحب العينين الحمراوين. لكن هذه المرة لم يكن يراقب من بعيد. بل كان يقف خلف سيزار مباشرة. ابتسم الظل. وقال بصوت جعل الماء الأسود يرتجف: "لقد تأخر كثيرًا... وريث الدم." وفي اللحظة نفسها انفجر الحوض الأسود. وغرق كل شيء في ظلام دامس. ثم سمع ساري صوتًا واحدًا يتردد في كل مكان:"لقد استيقظ الختم…" لم يعلم أحد حينها أن قصة سيزار قد انتهت إلى الأبد، وأن فصلًا جديدًا من حياة ساري قد بدأ. استيقظ ساري على فراش من الحرير. كانت النقوش الغريبة تغطي سقف الغرفة، بينما انعكس ضوء القمر فوق بحيرة الأماني خلف النافذة الزجاجية العملاقة.فتح عينيه ببطء وقال بصوت متعب:"أين أنا؟ وكيف وصلت إلى هنا؟" التفتت جوانا نحوه بسرعة وقد ارتسمت الراحة على وجهها:"لقد استيقظت أخيرًا." مسحت دمعة سالت على خدها ثم قالت:"لقد فقدت وعيك في غرفة الذاكرة... فنقلناك إلى غرفتك." رفع رأسه وقال باستغراب:"غرفتي؟" _"نعم... غرفتك. من الآن فصاعدًا ستعيش معنا. نحن عائلة واحدة." ضحك ساري بمرارة:"عائلة؟ ما معنى العائلة بالنسبة لكم؟" نظرت إليه جوانا بصمت. لكن ساري أكمل:"أرى أنكم تهتمون بالعائلة كثيرًا... فلماذا لم تعتبروني جزءًا منها عندما كنت أضيع داخل اللعنات التي طاردتني؟" حاولت جوانا التحدث، لكنه لم يمنحها الفرصة. _"كدت أموت أكثر من مرة... وأنتم تشاهدون كل شيء." ثم تنهد وقال:"تحملت كل هذا لأعرف من أكون... ولأجد عائلتي... ويا ليتني لم أفعل." كانت كلماته كالسكاكين. وخلف الباب كان واروين يسمع كل شيء. دخل الغرفة وقال:"لم نكن نستطيع التدخل. هذا هو الطريق الذي رسمه لك القدر." ساد الصمت. صمت أثقل من كل ما مر بهم. ثم تذكر ساري آخر ما سمعه في غرفة الذاكرة. فقال:"لقد سمعت صوتًا يقول: لقد استيقظ الختم." تبادل واروين وجوانا النظرات بصدمة. ثم قالا معًا:"هل أنت متأكد؟" أجاب:"نعم. لماذا؟" قالت جوانا:"لأنك بذلك كشفت سرًا لم يكن أحد يعرفه." _"وكيف ذلك؟" قالت:"الختم لا يستيقظ إلا عند ظهور الوارث الشرعي للحكم... وعندما يكون جديرًا بحمل التاج." وأضاف واروين:"إذًا يجب أن نبدأ الاستعدادات فورًا. لا يمكن تأجيل الأمر." عقد ساري حاجبيه:"أي استعدادات؟" أجاب:"استعدادات تتويجك ملكًا." تجمد مكانه:"ومن قال إنني أريد الحكم؟" قال واروين:"الأمر ليس اختيارًا." وأضافت جوانا:"الختم هو من يختار... وقد اختارك أنت." في تلك اللحظة، لم يجب ساري. اكتفى بالصمت، بينما كانت الكلمات تتردد في رأسه كصدى بعيد لا يريد أن ينتهي. "ملك". كم بدت هذه الكلمة غريبة عليه. قبل أيام قليلة فقط، كان يحاول النجاة من منزل مهجور، ثم من مقبرة ملعونة، ثم من متاهة من الأسرار والذكريات. أما الآن، فالجميع يتحدث وكأن مصيره قد حُسم، وكأن الطريق الذي سيسلكه قد رُسم منذ زمن طويل. اقترب ببطء من النافذة العملاقة. كانت بحيرة الأماني تمتد تحت ضوء القمر كمرآة فضية هادئة، بينما انعكست أبراج القصر الزمردي على سطحها الساكن. ومن بعيد كانت أضواء المملكة تتلألأ بين الأشجار السوداء والجبال الحمراء التي تحيط بالمكان. لأول مرة منذ وصوله إلى هنا، أدرك حجم هذه المملكة. أدرك أن كل تلك البيوت، والطرق، والقصور، والساحات... تنتظر منه شيئًا. لكن السؤال الذي كان يطارده لم يكن: هل أستطيع أن أكون ملكًا؟ بل كان:"هل أريد ذلك أصلًا؟" أغمض عينيه للحظة. فعادت إليه الوجوه التي رافقته في رحلته. فيديل... ليرا... العملاق الأسود… وأصدقاؤه الذين تركهم خلفه. ثم عادت صورة أخرى. العينان الحمراوان. شعر بقشعريرة تسري في جسده. لم يكن ذلك الظل مجرد ذكرى، ولم يكن جزءًا من الماضي فقط. كان هناك شيء يخبره أن صاحب تلك العينين ما زال موجودًا... وأنه يراقبه حتى الآن. فتح عينيه بسرعة ونظر إلى البحيرة. وللحظة قصيرة جدًا... ظن أنه رأى انعكاس شخص يقف خلفه. استدار فورًا. لكن الغرفة كانت فارغة. اختفى الشعور سريعًا، إلا أن قلبه لم يهدأ. شعر أن الأحداث تتسارع من حوله، وأن الحقيقة التي يسعى إليها أصبحت أقرب من أي وقت مضى. ومع ذلك… كلما اقترب منها، ازداد خوفه مما قد يجده في النهاية. نظر ساري نحو النافذة. كان القمر ينعكس فوق مياه البحيرة الهادئة. أما داخله... فلم يكن هادئًا أبدًا. فبينما كان الجميع يفكر في تتويجه ملكًا... كان هو يفكر في شيء آخر تمامًا. في أصدقائه. في العالم الذي جاء منه. وفي اللعنة التي لم تنتهِ بعد. وفي تلك العينين الحمراوين اللتين عادتا للظهور مرة أخرى. في تلك الليلة لم ينم ساري. بقي مستيقظًا حتى الفجر. يراقب انعكاس القمر فوق الماء... ويفكر في طريقة يهرب بها من التاج... ليعود إلى الحقيقة التي لم تكتمل بعد.