شبكة8العقول - ما بين الأصوات

الفصل 13: القسم الرابع_ ارتباك المسافات

القسم الرابع_ ارتباك المسافات

لم تكن الساعة قد تجاوزت منتصف الليل عندما توقفت سيارة سوداء بلا لوحات أمام مبنى إداري ضخم في إحدى المناطق الصناعية في برلين. كان المبنى غارقًا في الظلام، باستثناء مصابيح الطوارئ التي تلقي أضواءً باهتة على الواجهة الزجاجية. بدا المكان ساكنًا إلى درجة توحي بأنه مهجور، لكن سليم كان يعرف أن أكثر الأماكن هدوءًا تخفي أكبر أنظمة الحماية. أغلق "جوليان" باب السيارة بهدوء، ثم فتح صندوقها الخلفي. داخل الصندوق، كانت حقيبتان سوداوَان تحتويان على أدوات اقتحام دقيقة، ومصابيح صغيرة، وأجهزة لنسخ الإشارات، وقفازات لا تترك أثرًا. قال "جوليان" وهو يناوله حقيبته: "لدينا ثلاثون دقيقة فقط." رفع "سليم" نظره إليه: "وابن عمك؟" _ "سيصل مع رجاله بعد ذلك." _ "إذن نحن لا نسرق." ابتسم جوليان: "بل نفتح لهم الباب." لم تعجبه الجملة. لكن الوقت لم يكن مناسبًا للنقاش. بعد دقائق... كان الباب الخارجي قد فُتح بواسطة النسخة التي صنعها "فيكتور" من المفتاح الأصلي. انزلق الاثنان داخل المبنى كظلين. لم يصدر عنهما صوت. اجتازا الممرات حتى وصلا إلى المصعد المخصص للموظفين، ثم نزلا إلى الطابق السفلي. هناك... كانت غرفة الخزائن. جدران خرسانية سميكة. كاميرات تدور ببطء. أجهزة استشعار. وباب فولاذي يقف في نهايتها كأنه جزء من جدار واحد. ابتسم "سليم" ابتسامة خفيفة: "هذا أجمل." جلس القرفصاء أمام لوحة القفل. أخرج سماعة صغيرة ووضعها فوق أذنه اليمنى. ثم ثبت مجسًا معدنيًا داخل ثقب القفل. أغلق عينيه. بدأ يستمع. تك. تك... تك... كل أسطوانة داخل القفل كانت تصدر صوتًا مختلفًا. كان يميزها كما يميز الموسيقي النغمات. رفع إصبعه قليلًا... ثم أدار الأداة ببطء. فجأة... اخترق أذنه صوت صفارة شرطة بعيدة. فتح عينيه بسرعة. التفت نحو جوليان: "هل سمعتها؟" نظر إليه "جوليان" باستغراب: "ماذا؟" _ "الشرطة." أنصت جوليان. لم يسمع شيئًا: "لا توجد أي صفارات." عاد "سليم" إلى القفل. لكن الصفارة ازدادت وضوحًا. لم تكن صفارة ألمانية. كانت مختلفة... أعلى قليلًا. وحادة. ثم تبعها صوت جهاز لاسلكي بلغة عربية. تجمدت يداه. في تلك اللحظة... كانت سيارة الشرطة تشق شوارع الموصل بسرعة جنونية. أضاءت صفارتها الأزرق والأحمر واجهات الأبنية القديمة، بينما كانت "ميرين" تنظر من النافذة الأمامية، تحاول تحديد مصدر إطلاق النار. أمسك "سامر" المقود بإحكام: "البلاغ يقول إن الاشتباك ما زال مستمرًا." ردت وهي تراقب الشارع: "هناك مدنيون؟" _ "غير معروف." ارتفع صوت الصفارة. وفي اللحظة نفسها... سمعها "سليم" داخل أذنه بوضوح تام. حتى إنه استطاع سماع صوت محرك سيارة الشرطة. ارتبك. ابتعد عن الخزنة. قال: "جوليان..." _ "ماذا؟" _ "هناك دورية قادمة." تنهد جوليان بانزعاج: "قلت لك... لا يوجد أحد." في إسطنبول... كانت "آيلين" قد وصلت إلى شقتها. خلعت معطفها، وأغلقت الباب خلفها. كان الصداع لا يزال يضغط على رأسها، لذلك أعدت كوبًا من الشاي وجلست على الكرسي القريب من النافذة. فتحت كتابًا كانت تحاول قراءته منذ أسبوع. وضعت سماعاتها. شغلت مقطوعة هادئة للبيانو. تنفست بارتياح. بدأت تقرأ. لكن... بعد ثوانٍ... اختفى صوت البيانو. وحل محله... تك... تك... تك... فتحت عينيها. التفتت نحو باب الشقة. تكرر الصوت. تك... تك... تك... شعرت أن أحدًا يقف خلف الباب ويحاول فتح القفل بمفتاح معدني. حبست أنفاسها. نزعت السماعات. لكن الصوت استمر. اقتربت ببطء من الباب. وضعت عينها على العدسة. لا أحد. ومع ذلك... استمرت تسمع صوت المعدن وهو يدور داخل القفل. رفعت يدها نحو المقبض. وفي اللحظة نفسها... كان "سليم" في برلين يدير أداة فتح الخزنة. كل حركة يقوم بها... كانت "آيلين" تسمعها. تراجعت خطوة وهي تهمس: "هناك أحد..." توقفت سيارة الشرطة أمام مبنى قديم نصف متهدم. أطفأ "سامر" الصفارة فورًا. ساد الصمت. لكن رائحة البارود كانت لا تزال عالقة في الهواء. قال بهدوء: "جاهزة؟" أخرجت "ميرين" مسدسها: "دائمًا." نزلا من السيارة. كان المبنى مظلمًا. نوافذه مكسورة. والدرج الإسمنتي مغطى بالغبار والزجاج. تقدما بحذر. كل خطوة كانت تصدر صريرًا خافتًا. رفع "سامر" يده. إشارة بالتوقف. سمعا حركة. ثم... أنينًا: "ساعدني..." نظر الاثنان إلى مصدر الصوت. كان فتى صغيرًا، لا يتجاوز الحادية عشرة من عمره. يجلس مستندًا إلى الحائط. يده تضغط على بطنه. والدم ينزف بين أصابعه. ركضت ميرين نحوه. جثت على ركبتيها: "لا تتحرك." فتح الصغير عينيه بصعوبة: "لا... تتركوني..." وصل "سامر". نظر إلى الوشم الصغير على ذراع الفتى. ثم قال ببرود: "اتركيه." رفعت رأسها نحوه: "ماذا؟" _ "إنه منهم." _ "إنه طفل." _ "يحمل الرسائل لهم... ويراقب دورياتنا." وضعت يدها على الجرح: "الآن هو مصاب." قال "سامر" بصرامة: "سنكمل التفتيش أولًا." هزت رأسها بقوة: "لن يموت أمامي." _ "ميرين." _ "قلت لن يموت." خلعت سترتها. وضغطت بها على الجرح. ثم حملت الفتى بين ذراعيها. نظر إليها سامر لثوانٍ. ثم زفر باستسلام: "إلى السيارة." في برلين... جلس سليم بعيدًا عن الخزنة. خلع السماعة من أذنه. وضعها على الأرض. كان يتنفس بسرعة. قال جوليان بعصبية: "ما الذي تفعله؟" _ "أحتاج دقيقة." _ "ليس لدينا دقيقة." _ "أنا لا أسمع القفل." اقترب جوليان: "إذن اسمعه." رفع سليم رأسه: "أنا أسمع أشياء أخرى." قطب "جوليان" حاجبيه: "أي أشياء؟" سكت. كيف يمكنه أن يشرح أنه يسمع صفارات شرطة من بلد آخر؟ في مساء اليوم التالي... توقفت سيارة "يامان" أمام بناية قديمة. كان معه شاب آخر من المجموعة. نزل الثلاثة وصعدوا إلى الطابق الرابع. فتح "إمري" الباب بابتسامة واسعة: "أهلًا." كانت الشقة غارقة في رائحة الحشيش والبخور. موسيقى هادئة تنساب من مكبرات صوت صغيرة. جلس الجميع. بدأوا يتبادلون السجائر الملفوفة. ثم أخرج إمري صندوقًا معدنيًا صغيرًا. تناوله الآخران بحماس. أما "آيلين"... فاكتفت بالجلوس قرب النافذة. وضعت سماعاتها. وأخذت تستمع إلى الموسيقى وحدها. مرت دقائق. بدأ الدخان يملأ الغرفة. واحدًا تلو الآخر... استرخى الجميع. حتى غلبهم النعاس. بقي "إمري" مستيقظًا. اقترب منها بهدوء. وأشار إلى سماعتها: "هل تسمحين؟" ترددت. ثم نزعتها. ساد الصمت بينهما. ابتسم: "كنت مثلك." رفعت حاجبها: "منطوي." _ "لا أثق بأحد. وأشعر أنني غريب أينما ذهبت." لم تجب. لأنه وصفها بدقة. جلس مقابلها: "أنقذتني صديقة." قالتها باهتمام خفيف: "كيف؟" أخرج أنبوبًا زجاجيًا صغيرًا. داخله مسحوق أبيض يميل إلى الزرقة: "أهدتني هذا." قطبت حاجبيها: "هذه هدية؟" ابتسم: "هذه بداية حياة جديدة." هزت رأسها: "أنا لا أتعاطى." _ "بعد." دفع الأنبوب نحوها: "جربي مرة واحدة." أبعدته: "لا." ظل ينظر إليها بهدوء. لم يضغط. بل أخذ يحدثها عن وحدته. عن خوفه. عن الليالي التي لم ينم فيها. عن الفراغ. وكان يعرف... أن كل كلمة تصيب مكانًا داخلها. وبعد دقائق طويلة... تناولت الأنبوب بيد مرتجفة. في الموصل... كانت سيارة الشرطة تعود من المستوصف. قال "سامر" وهو يقود: "سينجو." ابتسمت "ميرين" أخيرًا: "الحمد لله." لكن ابتسامتها اختفت فجأة. شعرت بشيء. نظرت عبر النافذة. ثم صاحت: "قف." ضغط سامر المكابح. توقفت السيارة. نظرت إلى الشارع. كان هادئًا. لكنه... هو نفسه. الشارع الذي رأته في حلمها. نزلت ببطء. نظر سامر حوله: "ما الأمر؟" قالت وهي تتقدم خطوات: "حدث شيء هنا." _ "متى؟" _ "لا أعرف." _ "ومن أخبرك؟" لم تجب. وصلت إلى منتصف الطريق. أغمضت عينيها. وبرودة المطر عادت تلامس جلدها... وفي اللحظة نفسها... كانت "آيلين"، بعد أن بدأ مفعول المادة يسري في جسدها، تغمض عينيها داخل شقة "إمري". فتحتها... فوجدت نفسها واقفة في الشارع ذاته. تلفتت حولها بذهول. ثم وقعت عيناها على امرأة ترتدي زي الشرطة. كانت "ميرين" تحدق فيها بالدهشة نفسها. ساد صمت قصير. ثم قالت "ميرين" بحذر: "من... أنتِ؟" ابتلعت آيلين ريقها: "آيلين." _ "من أين؟" _ "الأناضول تركيا." ترددت ميرين لحظة، ثم قالت: "أنا ميرين... من الموصل العراق." لم تستوعب "آيلين" ما يحدث: "كيف...؟" وقبل أن تكمل... دوى إطلاق نار حاد في آخر الشارع. شهقت آيلين. اتسعت عيناها رعبًا. صرخت وهي تنظر إلى مكان لا تراه ميرين: "لا... لا تفعل ذلك... أرجوك!" وفي اللحظة التالية... اختفت. بقيت "ميرين" وحدها في منتصف الشارع، تنظر إلى الفراغ الذي كانت تقف فيه الفتاة قبل ثوانٍ. أما "سامر"، الذي كان يراقبها من قرب السيارة، فلم يرَ سوى "ميرين"... تقف وحدها، وتتحدث مع الهواء.