القسم الثاني_ حين يصبح الخوف حقيقة
كانت مها تسمع أغنية لا تعرف اسمها. لم تكن قادمة من سماعة، ولا من هاتف، ولا من راديو بعيد في ممر المستشفى. كانت لحنًا قصيرًا، عالقًا في رأس شخص آخر، يتكرر بإصرار مزعج، ثلاث نغمات ثم وقفة صغيرة ثم تعود من جديد، كأن العقل الذي يحملها لا يملك القوة ليوقفها. فتحت مها عينيها، أو اعتقدت أنها فعلت. كانت تمشي في شارع لا تعرفه. المساء بارد، والواجهات المضيئة تمتد على جانبي الطريق، والناس يعبرون بالقرب منها دون أن يلتفت إليها. إلى جوارها كانت آيلين تمشي ببطء، شعرها مبعثر قليلًا، عيناها شاردتان، وشفاهها تتحرك مع اللحن نفسه. كانت تتمتم بالأغنية. مرة تضحك لنفسها من دون سبب، ومرة تتوقف في منتصف الطريق وكأنها نسيت إلى أين كانت تذهب، ثم تعاود المشي. مها لم تكن تعرف اسمها بعد، لكنها عرفتها كما تعرف الوجوه التي ظهرت في رأسها عشرات المرات. اقتربت منها: "هل تسمعينني؟" لم تجب آيلين. استمرت بالتمتمة. مدت مها يدها نحوها، لكنها لم تلمس شيئًا. مرت أصابعها خلال كتفها كما لو كانت تحاول الإمساك بصورة منعكسة فوق الماء. وفجأة تغيرت رائحة الشارع. اختفى هواء الأناضول البارد، وحلت محله رائحة مطهر قوية، وقماش أبيض، وأدوية، ومعدن. نظرت مها إلى نفسها. لم تعد تمشي. كانت ممددة فوق سرير مستشفى، وذراعها موصولة بأنبوب شفاف، فيما جهاز قريب يصدر صوتًا منتظمًا. ومع ذلك بقيت آيلين هناك. تمشي بجوار السرير، لا الشارع. حافية تقريبًا من الإحساس بالعالم، تتمتم بالأغنية ذاتها وكأنها لا تعرف أن مها تراها. حاولت مها أن تقول شيئًا، لكن ثقل الدواء شد جفنيها إلى الأسفل. تلاشت آيلين تدريجيًا. كانت آخر ما سمعته مها قبل أن تغرق في النوم تلك النغمة القصيرة، تتكرر داخل الظلام حتى ابتلعها الصمت. عندما فتحت عينيها من جديد، كان الضوء أبيض أكثر مما ينبغي. استغرقت لحظات حتى تذكرت أين هي. سقف مستشفى، ستارة خضراء فاتحة، جهاز مراقبة قريب، وألم ثقيل في كتفها وجانب رأسها كلما حاولت الحركة. ثم رأت أختها. كانت جالسة على الكرسي قرب السرير، تمسك يدها بكلتا يديها، وعيناها متورمتان من قلة النوم والبكاء. أصغر من مها بعدة سنوات، وأكثر هدوءًا منها بكثير، لكن الخوف جعلها تبدو أصغر مما هي عليه. عند النافذة وقفت والدتها. ظهرها مستقيم، حقيبتها فوق الكرسي، وملامحها مشدودة بتلك الطريقة التي تستخدمها عندما يكون خوفها أكبر من قدرتها على التعبير عنه. قالت فور أن رأت مها تستيقظ: "الحمد لله." لم تجب مها. رفعت يدها إلى رأسها، فشعرت بالضماد عند جانب جبينها. قالت أختها: "لا تتحركي بسرعة." ثم أضافت بنبرة مرتجفة: "لقد أخفتِنا يا مها." نظرت مها حولها: "أين كلير؟" تبادلت الأم والأخت نظرة قصيرة. قالت والدتها: "ذهبت." انعقد حاجبا مها: "ذهبت؟" _ "طلبوا منها المغادرة." _ "كلير لا تتركني وحدي أبدًا." قالت الأم: "العناية المركزة خاصة بالأهل." رفعت مها رأسها رغم الألم: "كلير من عائلتي." تغير وجه والدتها: "كفى يا مها." ساد صمت قصير. ثم أضافت بصرامة: "نحن لسنا في مدونتك. هذه حياتك الحقيقية." ثبتت مها نظرها عليها. كانت تعرف هذا الأسلوب. نفس النبرة التي كانت تسمعها منذ مراهقتها كلما قالت شيئًا لا تفهمه العائلة. "الحقيقة" عند والدتها كانت شيئًا محددًا، له شكل مناسب، وظيفة مناسبة، عائلة مناسبة، وآراء لا تسبب إحراجًا أمام أحد. قالت مها بصوت أضعف مما أرادت: "اخرجا." قالت أختها: "مها—" _ "أريد أن أبقى وحدي." تحركت والدتها نحو السرير: "أنا والدتك." _ "وأنا المريضة." توقفت الأم أمامها، ثم قالت، وهذه المرة خفتت قسوتها قليلًا: "وأنا أحبك." ضحكت مها بمرارة: "بطريقتك." أجابتها الأم من دون تردد: "نعم. بطريقتي." ثم جلست على الكرسي المقابل: "لدي شروطي. لدي أشياء لا أفهمها فيكِ، وأشياء لا أقبلها، وأشياء أتمنى لو أنك لم تفعليها. لكن هذا لا يعني أنني لا أحبك." أخفضت مها عينيها. _ "لن أغادر حتى أطمئن عليك. ثم ستقابلين الطبيب، وسيقول لكِ ما قاله لنا. بعد ذلك، إن لم يعجبك بقاؤنا، سأتركك وشأنك." لم يعجب مها شيء في الجملة. خصوصًا الجزء الذي يعني أن الجميع يعرف شيئًا عنها قبل أن تعرفه هي. قالت: "أي طبيب؟" في الموصل، كانت ميرين تجلس أمام شاشة داخل غرفة جانبية في مركز الشرطة، بينما وقف سامر الشمري خلف كرسيها يحمل كوبًا من الشاي لم يشرب منه شيئًا منذ عشر دقائق. قالت ميرين: "أنا لست مجنونة." لم يسخر سامر. ولم يبتسم. اكتفى بالقول: "لم أقل إنك مجنونة." _ "لكنك تفكر بذلك." _ "أفكر أنك لم تنامي جيدًا منذ أيام." التفتت إليه: "رأيت امرأة تموت." صمت. أكملت: "في شارع لم أكن موجودة فيه. رأيتها تحت المطر. رأيت وجهها. رأيت المكان. وكل مرة أعود إليه أشعر أنني كنت هناك." أشار سامر إلى الشاشة: "ولهذا صادرتِ تسجيل كاميرا خاصة من متجر؟" _ "المالك وافق." _ "بعد أن لوحتِ له بالبطاقة." _ "وافَق." زفر سامر وجلس إلى جوارها. قالت ميرين: "إن كنت مخطئة، سوف نرى شارعًا فارغًا وننتهي." وضعت المؤشر فوق شريط الوقت: "أما إذا كانت المرأة حقيقية..." لم تكمل. ضغطت تشغيل. ظهرت صورة الشارع من زاوية مرتفعة، بلون رمادي باهت. سيارات تمر، أشخاص متفرقون، إنارة ضعيفة. بدأت ميرين تقدم التسجيل بسرعة: "هنا." توقفت. كان الوقت يقترب من اللحظة التي تراها دائمًا. ضغطت تشغيل طبيعي. مرت سيارة. شخص عبر الشارع. ثم— قفز الوقت. رمشت ميرين. أعادت التسجيل. نفس الشيء. في لحظة محددة اختفت الصورة، ثم عاد التسجيل بعد ساعتين تمامًا. اقترب سامر من الشاشة: "ماذا فعلتِ؟" _ "لا شيء." أعادت المحاولة. النتيجة نفسها. ساعتان كاملتان محذوفتان. حدقت ميرين في الشاشة. ثم قالت بهدوء ثقيل: "أخبرتك. هناك شيء غريب يحدث" لم يجب سامر مباشرة. مرر التسجيل إلى ما قبل الحذف. كان هناك رجل يقف على الرصيف في نهاية الشارع. ثم انتقلا إلى أول دقيقة بعد عودة التسجيل. الرجل نفسه. في المكان نفسه تقريبًا. قال سامر: "انتظري." قرب الصورة. الرجل بدا بعيدًا، ملامحه غير واضحة، شعر داكن ولحية، معطف طويل نسبيًا. قالت ميرين: "كان هنا قبل الحذف." ثم أشارت إلى الشاشة: "وبعده." ظل سامر يحدق. قال: "هذا غريب فعلًا." التفتت نحوه: "قلت لك." _ "قلت إن الأمر غريب، لا إن الأشباح بدأت تزور الموصل." لكن صوته لم يكن ساخرًا كما في السابق. قالت ميرين: "ربما رأى ما حدث." قال سامر: "أو ربما هو من حذف التسجيل." نظرت إليه. للمرة الأولى، بدا أن شخصًا آخر دخل معها إلى اللغز. دخل الطبيب الغرفة في مارسيليا يحمل ملفًا وجهازًا لوحيًا. كان رجلًا في أواخر الخمسينيات، يدعى الدكتور لوران ميرسييه، ذا شعر رمادي ونظارات رفيعة وهدوء مهني جعل مها تكرهه قبل أن يتكلم. ذلك النوع من الهدوء الذي يعني أن صاحبه يعرف شيئًا سيئًا ويحاول إخباره لك بطريقة لا تجعلك تنهار. وضع صور الأشعة أمام الضوء. قال: "الحادث نفسه لم يسبب إصابة خطيرة في الرأس، وهذا جيد." قالت مها: "لكن؟" نظر إليها: "لكن التصوير كشف شيئًا لم نكن نبحث عنه." أظهر لها صورة لدماغ طبيعي، ثم الصورة الخاصة بها. وأشار إلى منطقة في الجزء الأمامي: "هنا توجد كثافة بيضاء غير معتادة في الفص الجبهي." شعرت مها بأن الغرفة أصبحت أصغر. قالت: "ورم؟" _ "لا أريد استخدام كلمة نهائية قبل فحوص إضافية. لكن هناك التهاب ونسيج غير طبيعي. في الملف الأولي سميناه متلازمة الفص الأمامي غير المتمايز، لأن طبيعة التغير ليست واضحة بعد." لم يعنِ الاسم لها شيئًا. لكن كلمة "غير طبيعي" بقيت. قال الطبيب: "نحتاج إلى خزعة وفحوص أدق، وربما تدخل جراحي لاستئصال المنطقة المتضررة إذا أكدت النتائج ما نخشاه." سألت الأم فورًا: "والعملية؟" أجاب: "مكلفة." رفعت الأم حاجبيها: "التأمين الخاص بنا—" قالت أخت مها بسرعة: "أمي، ليس الآن." التفتت الأم إليها: "أنا أعرض الحقائق يا لينا." أغمضت مها عينيها للحظة. ثم سألت الطبيب: "وإذا لم أفعل شيئًا؟" تردد الدكتور ميرسييه قبل أن يجيب: "إذا تطورت الآفة، قد تنتشر في النسيج المحيط، وقد تتحول مع الوقت إلى حالة أكثر خطورة." _ "ما الأعراض؟" قال: "صداع شديد. اضطرابات إدراكية. هلاوس قد تكون شديدة الواقعية، وأحيانًا متعددة الحواس؛ يسمع المريض ويرى ويشم ويشعر بأشياء غير موجودة فعليًا. وفي المراحل المتقدمة قد نرى اضطرابات في الذاكرة والإحساس بالهوية." لم تعد مها تسمع بقيّة الجملة جيدًا. هلاوس واقعية. أصوات. روائح. مشاعر. وجوه غرباء. وتين. آيلين. ميرين. كل شيء يمكن تفسيره فجأة بكلمة واحدة: مرض. همست: "إذن أنا..." لكن الكلمة لم تخرج. قالت والدتها: "وإذا لم تُعالج؟" نظر الطبيب إليها: "لا يمكن إعطاء مدة دقيقة قبل التشخيص النهائي." لكن الأم قالت بصوت حاسم، كأنها تكرر شيئًا فهمته من نقاش سابق: "لكنكم قلتم إن الاحتمال الأسوأ قد يعني أشهرًا فقط." نظر الطبيب إليها بامتعاض خفيف. قالت الأم لمها: "ستة أشهر ربما. لهذا أنت تحتاجيننا الآن. لأننا عائلتك." شيء داخل مها انكسر. ليس بسبب الرقم وحده. بل لأن المرأة جلست أمامها كما لو أنها انتظرت المرض كي تثبت حجتها القديمة: في النهاية ستعودين إلينا، في النهاية العالم الذي اخترته لن ينقذك. بدأت عينا مها تمتلئان بالدموع. مدت والدتها يدها نحوها: "مها—" تراجعت مها بعنف: "لا تلمسيني." تجمدت الأم. قالت مها: "أنتِ لستِ عائلتي الآن." قالت لينا: "مها، أرجوكِ." _ "اخرجوا." بدأت دموعها تسقط: "اتركوني وحدي." قال الطبيب بهدوء: "ربما من الأفضل أن نعطيها بعض الوقت." بقيت الأم واقفة للحظات. ثم حملت حقيبتها. لم تقل شيئًا. خرجت. تبعتها لينا بعد أن نظرت إلى أختها نظرة طويلة عاجزة. أغلق الطبيب الباب خلفهم. وبقيت مها وحدها. وضعت يديها فوق وجهها. وبكت. للمرة الأولى منذ سنوات، لم تكن تعرف هل تبكي خوفًا من الموت... أم خوفًا من أن كل ما عاشته خلال الأسابيع الماضية لم يكن حقيقة أصلًا. وصلت السيارة السوداء المظللة إلى مدخل أحد الفنادق الكبرى في برلين مساء اليوم نفسه. لم تستطع حتى التوقف تمامًا قبل أن تبدأ ومضات الكاميرات. فتح أحد أفراد الأمن الباب. خرج معتصم أولًا. بدلة سوداء مفصلة بعناية، ابتسامته الجاهزة للجمهور، ويده ترتفع لتحية الحاضرين. ثم خرجت وهج. تحول المدخل إلى بحر من الضوء. _ "وهج!" _ "هنا!" _ "انظري إلى اليمين!" _ "صورة معًا!" مد معتصم يده إليها ليساعدها على النزول. قبلتها هذه المرة لأن عشرات العدسات كانت تنتظر أي حركة بينهما. كان العرض الأول لفيلمهما الجديد في برلين. الملصقات الضخمة تغطي واجهة السينما القريبة؛ وجه وهج ومعتصم فوق مدينة تحترق خلفهما، واسماهما بخط عريض فوق العنوان. اقترب المعجبون من الحواجز، يرفعون الهواتف والدفاتر والصور. وقعت وهج. ابتسمت. التقطت الصور. كررت الابتسامة حتى فقدت الإحساس بعضلات وجهها. وقفت إلى جوار معتصم أمام خلفية العرض عندما اقتربت صحفية ألمانية تحمل ميكروفونًا. قالت صحفية ألمانية بلهجة واضحة: "تهانينا. الجمهور اختاركُما من بين أفضل الثنائيات التمثيلية لهذا العام." ابتسم معتصم. قال: "شكرًا." تابعت الصحفية: "وهذه هي المرة الثالثة التي تظهران فيها معًا في هذا العام." نظرت بينهما بمكر: "ما الذي يجب أن نستنتجه من هذا؟" ضحك من حولهم. قال معتصم: "أن المنتجين لديهم ذوق ممتاز." ازدادت الضحكات. التفتت الصحفية إلى وهج: "وأنتِ؟" ابتسمت وهج أمام الكاميرا: "أن معتصم لا يستطيع التخلص مني مهما حاول." ضحك معتصم. لكن الصحفية لم تفوّت النظرة التي أعطاها لها. قالت: "المعجبون مقتنعون بأن الكيمياء بينكما ليست تمثيلًا فقط." ثبتت وهج ابتسامتها. كانت تعرف هذا السؤال. تعرف كيف تهرب منه. وقالت بمهارة: "إذن هذا يعني أننا نقوم بعملنا جيدًا." ثم تحركت إلى المقابلة التالية. لكن بين ومضة وأخرى... شعرت فجأة ببكاء مها. لم تسمعه. شعرت به. ذلك الانهيار البعيد داخل غرفة مستشفى. توقفت ابتسامتها نصف ثانية. قال معتصم بهدوء: "وهج! هل أنتِ بخير؟" نظرت إليه. ثم قالت: "نعم." وعادت الكاميرات تضيء وجهها. في اللاذقية، كانت الأضواء أكثر دفئًا. امتدت طاولات الطعام في قاعة كبيرة مزينة بالزهور البيضاء والذهبية، بينما ارتفعت الضحكات والموسيقى فوق أصوات الضيوف. رجال ببدلات رسمية، نساء بثياب أنيقة، أقارب لم ير بعضهم بعضًا منذ سنوات، وأصدقاء حضروا ليشهدوا الليلة التي انتظرها والدا ريناد أكثر منها. ليلة الخطوبة. جلست ريناد إلى جانب فادي أمام الجميع. كانت ترتدي فستانًا أنيقًا بلون هادئ، وشعرها مرتب بعناية، والابتسامة فوق وجهها جميلة بما يكفي كي تخدع الكاميرات. أمسك فادي الميكروفون. بدأ الضيوف بالتصفيق. وقف. قال: "أنا لا أحب الكلام أمام الناس." جاء صوت من الخلف: "كاذب!" ضحك الجميع. حتى ريناد ابتسمت. قال فادي: "حسنًا، ربما أحب الكلام قليلًا." ثم نظر إليها. تغيرت نبرته: "لكن اليوم الكلام أصعب." ساد الهدوء نسبيًا. قال: "أنا محظوظ." رفع أحدهم كأسه: "جميعنا نعرف!" ضحك الحاضرون. أكمل: "أبي علمني منذ صغري أن الفرص لا تنتظر أحدًا. وكان يقول دائمًا إن الأسد الشجاع يأخذ الحصة الأكبر." التفت والده بفخر. قال فادي: "لكن عندما قابلت ريناد، اكتشفت أن بعض الفرص لا تحتاج إلى شجاعة الأسد..." نظر إليها مبتسمًا: "بل تحتاج أن تتحمل أن يتم تجاهلك عدة مرات." انفجرت القاعة بالضحك. وضعت ريناد يدها على وجهها بخجل. قال فادي: "أحضرت لها الورود في أول مرة." رفع إصبعه: "لم تنجح." ضحك الجميع: "المرة الثانية دعوتها للقهوة." نظر إلى أمها: "جاءت والدتها معنا." ارتفع الضحك أكثر. قالت أم ريناد من الطاولة: "كنت أطمئن فقط!" قال فادي: "ثم دعوتها إلى السينما لأنها قالت إنها تحب الأفلام." توقف. "هذه المرة جاءت أختها." صفق الضيوف وضحكوا. قالت أخت ريناد: "لم يكن الفيلم مناسبًا لكما وحدكما." قال فادي: "ومنذ ذلك اليوم فهمت أنني إن أردت الزواج من ريناد، فعليّ أولًا الزواج من العائلة كلها." ضحكت ريناد فعلًا هذه المرة. لم يكن حبًا. لكنها رأت لطفه. وهذا ما جعل قلبها أكثر ارتباكًا. أخذ فادي نفسًا. ثم بدأ يغني مقطعًا قصيرًا من أغنية قديمة تحبها ريناد. نهض بعض الضيوف. بدأ التصفيق مع الإيقاع. وبعد دقائق أصبحت القاعة مليئة بالرقص والضحك. والد ريناد كان يراقبها بعينين دامعتين من الفرح. أمها تتحدث مع الضيوف عن ترتيبات العرس. أختها ترقص مع صديقاتها. وفادي يمد يده نحوها. نظرت ريناد إلى كفه. كانت تستطيع أن ترى حياة كاملة داخل تلك اليد. زوج. بيت. أطفال. عائلة فخورة. حياة جميلة في نظر الجميع. ومع ذلك... في أعمق نقطة داخلها... سمعت بكاء امرأة أخرى في غرفة مستشفى في مارسيليا. مها. وصل إليها الشعور كاملًا، بلا كلمات. الخوف من أن تختار الحياة نيابة عنك. توقفت ريناد. لاحظ فادي: "ما بكِ؟" نظرت إليه. ابتسمت. ثم وضعت يدها في يده. لكنها، وهي تنهض للرقص معه، لم تستطع التخلص من السؤال الذي مر داخل قلبها وكأنه ليس سؤالها وحدها:
ماذا لو استيقظت يومًا واكتشفت أن الحياة التي أعيشها لم تكن خياري؟