لعبة الصفر0

الفصل 3: القسم الثالث_ شيء ينظر من الخلف

القسم الثالث_ شيء ينظر من الخلف

لم يكن الاكتشاف الذي وصل إليه آدم مريحًا، بل على العكس، كان أشبه بشيء انفتح داخله ولم يعد يعرف كيف يُغلقه. فكرة أن "اللحظة" ليست مجرد وقت، وأن "الفراغ" ليس خطأ في التسجيل، بدأت تتحول من احتمال نظري إلى شعور دائم، شعور يرافقه حتى عندما لا ينظر إلى الشاشة، حتى عندما يحاول أن يبتعد قليلًا عن كل هذا. لكن الابتعاد... لم يعد خيارًا.خرج من المكتب أخيرًا، لا لأنه انتهى، بل لأنه لم يعد قادرًا على البقاء في نفس المكان الذي بدأ يضيق عليه أكثر مما يجب. الممرات كانت طويلة، صامتة، والإضاءة فيها غير مكتملة، تترك مساحات من الظل بين كل مصدر ضوء وآخر، وكأن المبنى نفسه يتنفس ببطء، يختبئ داخل فراغاته. كانت خطواته مسموعة بوضوح، تتردد على الجدران، تعود إليه بنصف تأخير، لكنه فجأة شعر أن هناك شيئًا غير دقيق في ذلك الصدى... كأن الصوت الذي يعود إليه ليس مطابقًا تمامًا لما يصدره.توقف.استمع. ثم خطا خطوة واحدة أخرى. الصدى... جاء. لكن ليس وحده.كان هناك فرق صغير جدًا، لا يمكن قياسه، لكنه موجود... تأخير لا يتناسب مع المسافة، كأن هناك صوتًا آخر يتبعه، أو ربما... يسبقه. التفت ببطء. لا أحد. الممر فارغ. لكن الإحساس لم يختفِ.ذلك النوع من الإحساس الذي لا يعتمد على ما تراه، بل على ما "تعرفه" دون دليل، كأن شيئًا داخلك يلتقط وجودًا لا يمكن لعينيك أن تثبتاه. أخرج هاتفه دون أن يفكر، نظر إلى الشاشة.صامت.لا إشعارات.لا مكالمات.لكن الكلمة عادت إليه، بنفس النبرة، بنفس البرودة:"حركتك." تنفّس ببطء، حاول أن يطرد الفكرة، لكنه لم يستطع. لم يعد الصوت مجرد ذكرى، بل أصبح... احتمالًا.خرج إلى الشارع. الهواء كان باردًا، حقيقيًا، مختلفًا عن ثقل الداخل. وقف للحظة تحت ضوء عمود إنارة، رفع رأسه قليلًا، وكأن الضوء قد يثبته في الواقع، قد يعيد ترتيب إحساسه. لكن شيئًا لم يتغير.أشعل سيجارة، أخذ نفسًا عميقًا، راقب الدخان وهو يتصاعد ببطء، يتلاشى في الهواء، ثم فجأة... لاحظ شيئًا.الدخان لم يتحرك بشكل طبيعي. لجزء من الثانية، بدا وكأنه توقف. ليس تباطؤًا... بل توقف.ثم أكمل.تجمّد."لا..." همس، كأنه يرفض الفكرة قبل أن تتشكل. لكن عينيه لم تخطئا.كانت لحظة قصيرة جدًا، لا تُرى إلا إذا كنت تبحث عنها، أو... إذا كنت قد بدأت تراها بالفعل.أطفأ السيجارة دون أن ينهيها، وكأنها لم تعد مهمة، ثم عاد إلى الداخل بسرعة أكبر، هذه المرة ليس بدافع الهروب، بل بدافع واحد فقط: أن يتأكد. أن يجد شيئًا يمكن قياسه. شيئًا لا يعتمد على إحساسه.عاد إلى المكتب، جلس أمام الشاشة، وفتح التسجيل مرة أخرى، لكن هذه المرة لم ينظر إلى الرجل، ولم ينظر إلى التوقيت، بل نظر إلى الخلفية... إلى كل شيء يتحرك ببطء، إلى الظلال، إلى الضوء، إلى التفاصيل الصغيرة التي عادة لا تُلاحظ.أبطأ الفيديو.ثم أبطأه أكثر. الإطارات بدأت تتفكك، تتحول إلى صور ثابتة، وكل صورة تكشف ما لم يكن يُرى في الحركة.وهنا... رآه. لم يكن واضحًا، ولم يكن قريبًا، لكنه كان موجودًا.شكل يقف خلف الرجل، بعيدًا قليلًا، عند الحد الذي ينتهي فيه الضوء، لا يتحرك، لا يتغير، لكنه... لا يختفي.أوقف اللقطة.اقترب من الشاشة.حدّق. لم يكن إنسانًا بالشكل الذي يعرفه، ولا ظلًا عاديًا، بل شيء بين الاثنين، كأن وجوده لا يعتمد على الضوء، بل على زاوية النظر.أعاد اللقطة. في كل مرة... كان هناك. في نفس المكان. بنفس الثبات. شعر بشيء يضغط على صدره."أنت..." قالها دون وعي، وكأنه يخاطبه. لم تأتِ إجابة.لكن الإحساس... بأن هناك من سمعه، كان كافيًا. تراجع خطوة، جلس ببطء، يمرر يده على وجهه، يحاول أن يعيد ترتيب ما يراه ضمن منطق يمكن احتماله، لكن المنطق بدأ يتفكك. لم يعد الأمر متعلقًا برجل يموت، بل بشيء يقف خلفه، شيء لا يظهر بالكامل، لكنه موجود في كل مرة.رفع نظره إلى الشاشة مرة أخرى، إلى الرجل الذي يرفع رأسه ويبتسم، ثم همس:"أنت لا تنظر إلى الكاميرا..." توقف."...أنت تنظر إليه." الكلمات خرجت ثقيلة، لكنها كانت صحيحة. وفي تلك اللحظة، لم يعد السؤال "من القاتل؟" بل أصبح:"من الذي كان هناك... قبل أن يحدث أي شيء؟" الصمت داخل الغرفة أصبح كثيفًا، ليس لأنه لا يوجد صوت، بل لأنه ممتلئ بشيء لا يمكن تسميته.ثم... دون أي إنذار...اختفى التسجيل.الشاشة أصبحت سوداء. لم يكن هناك خلل، ولا انقطاع، بل اختفاء كامل، كما لو أن ما كان يُعرض... لم يكن موجودًا أصلًا.وقبل أن يتحرك، قبل أن يفكر حتى... ظهر سطر واحد.أبيض.واضح."أنت تنظر من المكان الخطأ." تجمّد آدم في مكانه. لم يلمس شيئًا. لم يضغط أي زر. لكن الرسالة كانت هناك.مباشرة.قريبة.أقرب مما يجب. شعر بشيء بارد يمر في داخله، ليس خوفًا، بل إدراك... إدراك أن ما يراه، وما يفهمه، قد لا يكون مجرد اكتشاف... بل استجابة."إذا كنت أنظر من المكان الخطأ..." همس. توقف."...فأين يجب أن أنظر؟"لم تأتِ إجابة. لكن الإحساس... عاد. ذلك الإحساس البسيط جدًا... لكنه كافٍ. كأن هناك من يقف خلفه.ليس قريبًا. بل... موجودًا. وفي مكان آخر، خارج حدود الغرفة، وخارج كل ما يمكن قياسه، كان هناك من يقف، يراقب نفس اللحظة، ليس من خلال شاشة، بل من خلال فهم أعمق، أهدأ، وأكثر دقة. ابتسم. ثم قال بهدوء: "الآن..." توقف لثانية. "...بدأ يشعر بي." رفع نظره قليلًا، وكأن المسافة بينه وبين آدم لم تعد كما كانت."...لكن ما زال لا يعرف..." ابتسامته أصبحت أبطأ. "...أن الشعور... هو أول خطوة للدخول."