القسم الخامسة_ الاسم المجهول
لم ينم آدم تلك الليلة.في الحقيقة، لم يعد متأكدًا متى كانت آخر مرة نام فيها نومًا حقيقيًا. منذ ظهور تلك الرسالة على الشاشة، ومنذ أن رأى ذلك الانعكاس الغامض خلفه على الزجاج، بدأت الحدود بين التعب واليقظة تتلاشى. أصبح يشعر وكأنه يعيش داخل يوم طويل جدًا، يوم لا ينتهي، يمتد من شاشة إلى أخرى، ومن ملف إلى آخر، ومن سؤال إلى سؤال أكبر منه. كانت السماء خارج النافذة مغطاة بطبقة كثيفة من الغيوم الرمادية. الصباح وصل، لكنه لم يجلب معه الضوء المعتاد. المدينة بدت باهتة، وكأنها استيقظت متعبة هي الأخرى. جلس أمام مكتبه محاطًا بالأوراق والصور والتقارير. أكواب القهوة الفارغة كانت متناثرة حوله مثل آثار معركة طويلة، بينما ظلت الشاشة تعرض صور الضحايا الذين مروا أمامه خلال الساعات الماضية.كلهم مختلفون.كلهم لا يعرفون بعضهم.وكلهم ماتوا بطريقة لا تسمح للعقل أن يطمئن. طرق خفيف على باب المكتب قطعه من أفكاره. رفع رأسه. دون انتظار الرد، فُتح الباب. دخلت امرأة تحمل ملفًا سميكًا تحت ذراعها.كانت في منتصف الثلاثينيات تقريبًا، طويلة القامة، ترتدي معطفًا أبيض فوق ملابس داكنة بسيطة. شعرها الأسود مربوط إلى الخلف بإهمال عملي، وعيناها تحملان ذلك التعب الهادئ الذي لا يأتي من السهر، بل من رؤية أشياء كثيرة لا ينبغي لأحد أن يراها بشكل يومي. عرفها فورًا. الدكتورة ليان السامرائي. الطبيبة الشرعية الجديدة التي انتقلت قبل أشهر إلى القسم. لم يكن بينهما أكثر من عدة لقاءات عابرة، لكن سمعتها كانت تسبقها. الجميع كان يتحدث عن دقتها المزعجة، وعن قدرتها على رؤية تفاصيل لا ينتبه لها أحد. وضعت الملف على مكتبه دون مقدمات: "كنت أبحث عنك." رفع آدم نظره إليها: "هل وجدتِ شيئًا؟" ظلت صامتة للحظة. ثم جلست أمامه. وهنا فقط أدرك أن شيئًا ما ليس طبيعيًا. ليان لم تكن من النوع الذي يتوتر بسهولة. لكنها الآن... كانت متوترة. مدت يدها نحو الملف وفتحته ببطء: "راجعنا الجثة مرة ثانية."تجمدت نظرات آدم على الملف: "وجثة أخرى." ثم أضافت: "ثم ثالثة." بدأ القلق يتسلل إليه: "وتوصلتم إلى ماذا؟" رفعت نظرها نحوه. لأول مرة بدت وكأنها غير مقتنعة بما ستقوله هي نفسها: "هناك شيء مشترك."ساد الصمت. _ "أي شيء؟" فتحت إحدى الصفحات. أخرجت صورة مكبرة. وأدارتها نحوه: "هذه صورة لشبكية عين الضحية الأولى." ثم أخرجت ثانية: "وهذه للثانية." ثم ثالثة: "وهذه للثالثة." نظر إليها بعدم فهم. كانت صورًا طبية عادية. أو هكذا بدت في البداية. ثم لاحظها. في عمق الصورة. داخل النسيج الدقيق للأوعية. شكل صغير جدًا. يكاد يكون غير مرئي. لكن بمجرد رؤيته... لا يمكن تجاهله. شعر آدم بشيء بارد يمر داخله: "ما هذا؟" هزت ليان رأسها ببطء: "هذا هو السؤال." أخرجت عدسة مكبرة إلكترونية. ثم قربت الصورة أكثر. العلامة أصبحت أوضح. لم تكن تشوهًا. ولم تكن أثرًا طبيًا. بل كانت... حروفًا. ثلاثة حروف صغيرة جدًا. لكنها موجودة داخل عين كل ضحية. جلس آدم دون أن يشعر. حدق طويلًا. ثم همس: "هذا مستحيل." أجابته ليان بهدوء: "أعرف." لكنها لم تكن انتهت. أغلقت الملف. ثم فتحت قسمًا آخر. ملفات قديمة. أوراق صفراء. صور باهتة. تقارير يعود تاريخها لعقود: "وجدت شيئًا أثناء البحث." قالتها وهي تدفع الأوراق نحوه: "في البداية اعتقدت أنها مصادفة." بدأ يقلب الصفحات. ثم توقف فجأة. اسم. اسم واحد.تكرر مرة.ثم مرتين.ثم ثلاث مرات.ثم عشر مرات. وفي كل ملف قديم كان يظهر بطريقة مختلفة.شاهد.مشتبه به.ضحية.مخبر.مفقود.لكن الاسم بقي نفسه. رفع آدم رأسه ببطء. كأن الهواء أصبح أثقل: "من هذا؟" أجابت ليان: "هذا ما أحاول معرفته منذ الفجر." نظر مجددًا إلى الورقة. إلى الحروف المكتوبة بالحبر القديم. إلى الاسم الذي بدا وكأنه خرج من زمن آخر. اسم لم يسمع به من قبل. ومع ذلك... شعر أنه يعرفه. بطريقة ما. بطريقة لا يستطيع تفسيرها. قرأه بصوت منخفض. كأنه يخشى أن يسمعه أحد."كاتم..." ساد الصمت داخل الغرفة. صمت طويل. ثقيل. غريب. حتى أصوات المكيف بدت أبعد. حدق آدم في الاسم. ثم في الصور. ثم في الملفات. شيء ما بدأ يتحرك داخل الصورة الكبيرة. شيء لم يكن يراه من قبل. وللمرة الأولى منذ بداية القضية... لم يشعر أنه يقترب من الإجابة. بل شعر أنه فتح بابًا. بابًا كان مغلقًا منذ زمن طويل جدًا. وفي مكان ما... _________________________________________ بعيدًا عن المدينة. بعيدًا عن ملفات الشرطة. بعيدًا عن كل ما يمكن الوصول إليه. كان رجل يجلس وحده داخل غرفة مظلمة.لا نوافذ.لا أصوات.فقط ساعة قديمة على الحائط. وعقارب تتحرك ببطء. رفع الرجل ملفًا بين يديه. ملفًا يحمل اسم أحد الضحايا. ثم أغلقه بهدوء. وكأن الأمر انتهى بالنسبة له. أو بدأ للتو. رفع نظره نحو الظلام أمامه. وابتسم ابتسامة خفيفة بالكاد ظهرت. ثم قال بصوت هادئ جدًا: "أخيرًا..." صمت لحظة. "...وجدوا الاسم."
____________________________________________
وفي مكان آخر من العالم... داخل خزنة فولاذية لم تُفتح منذ ثلاثين عامًا... كان هناك ملف يحمل عنوانًا واحدًا فقط.كَاتِم.