الفصل الأول_ قبل أن يولد البشر
القسم الأول_ أبناء العالم الأول___________________
لم يكن العالم يومئذٍ يعرف أسماءه. لم تكن الجبال قد سُمّيت، ولا البحار قد رُسمت لها حدود، ولا الطرق شُقّت بين غابة وأخرى. كانت الأرض أوسع مما ستصير إليه بعد آلاف القرون؛ بريّةً، غامضةً، تتبدل تضاريسها كما تتبدل الأحلام، وتخفي في أعماقها أسرارًا لم تتعلم الكائنات بعد كيف تخشاها. لم يكن فوق ترابها قصرٌ واحد. ولم تكن هناك ممالك، ولا عروش، ولا تيجان تتوارثها الدماء. بل كان العالم موزعًا بين قوى قديمة لا تعترف بحدود: بحرٌ يبتلع السواحل متى غضب، وغاباتٌ تنقل جذورها ليلًا، وجبالٌ تستيقظ منها النار، ورياحٌ تعبر الأرض حاملةً أصواتًا قادمة من أماكن لم توجد بعد. وفي ذلك الزمن، قبل أن يولد أول إنسان ويرفع عينيه إلى السماء، كان الألف يسيرون في العالم. لم يخلقوا من طين، ولم تكن أجسادهم مقيدة بثقل الأرض كما ستُقيّد أجساد البشر من بعدهم. وُلدوا من جوهرٍ أقدم؛ من النار حين لم تكن نارًا كاملة، ومن الريح قبل أن تعرف اتجاهاتها، ومن الظلال التي تشكلت تحت أول ضوء مسّ وجه العالم. لذلك اختلفوا منذ بدايتهم. كان بعضهم قادرًا على العبور بين الأشجار من دون أن يحرك ورقة، وبعضهم يتخذ من الدخان جسدًا حين يشاء. وكانت هناك سلالات تسكن قرب البراكين، لا تحرقها الحمم، وأخرى تتخذ من الكهوف العميقة بيوتًا، فترى في العتمة ما تعجز عنه العيون تحت الشمس. لكنهم، رغم قوتهم، لم يكونوا شعبًا واحدًا. كانوا قبائل متفرقة، لكل قبيلة أرضها ونارها وقوانينها. لا يجمع بينهم عهد، ولا يوحّدهم ملك. وما إن تلتقي قبيلتان عند نبع أو ممر جبلي حتى تتبادل العيون الحذرة قبل الكلمات، لأن السلام في العالم الأول لم يكن قاعدة، بل استثناءً قصير العمر. وكانت أقوى تلك القبائل تُعرف باسم قبيلة "زاهان". أقاموا في الشمال، بين جبال سوداء كانت السماء تمطر فوقها رمادًا بدل الماء. بنوا مساكنهم داخل الصخر، وروّضوا مخلوقات مجنّحة تعشش قرب الفوهات الملتهبة. وكان رجالهم ونساؤهم يضعون حول أعناقهم قطعًا من الزجاج البركاني، علامةً على أنهم أبناء النار التي لا تنطفئ. أما في الشرق، حيث تمتد غابات لا تبلغ الشمس أرضها، عاشت قبيلة "السَّروان". كانوا أخفَّ الجن أجسادًا وأكثرهم قربًا من الريح، يخفون قراهم خلف ضباب دائم، ويجيدون سماع ما تقوله الأشجار حين تحرّك أغصانها في الليل. وفي الجنوب، على ضفاف بحر أخضر اللون، استقرت قبائل "الموراي"؛ إلف الماء والعواصف. قيل إنهم يستطيعون إيقاف موجة قبل أن تنكسر، وإن شيوخهم يحتفظون في أصداف عملاقة بأصوات الغرقى. أما الغرب، فلم يكن أحد يجرؤ على ادعاء امتلاكه. كانت أرضًا من السهول المتشققة والوديان التي لا قرار لها، تعبرها قبائل رحّالة لا تبقى في موضع أكثر من موسم. كانوا يسمّون أنفسهم "أبناء الغبار"، ولا يعترفون بزعيم واحد؛ إذ يقودهم الأقوى في زمن الحرب، ثم يعود واحدًا منهم عندما تنتهي. وبين هذه الأراضي جميعها قامت منطقة لم تنتسب إلى أحد. سهلٌ فسيح من الحجارة السوداء، لا ينبت فيه عشب، ولا تهبط فوقه طيور. تجنّبته القبائل منذ أقدم ذاكرتها، لا لأن وحوشًا تسكنه، بل لأن الصمت فيه كان مختلفًا. من يدخله، يسمع أحيانًا وقع خطوات خلفه. ومن يلتفت، لا يرى أحدًا. وكان بعضهم يقسم أنه سمع اسمه يُنادى من تحت الأرض. عند أطراف ذلك السهل، كانت "نايرا" تركض. انسدل شعرها الداكن خلفها، وتحرك مع الريح كخيط من الدخان، بينما كانت قدماها الحافيتان تقفزان فوق الحجارة الحادة من غير أن تتركا أثرًا. قبضت بيدها على قوس قصير من خشب أسود، وحملت على ظهرها كنانة لم يبق فيها سوى ثلاثة سهام. خلفها، دوّى زئير هزّ السهل. لم تلتفت. كانت تعرف ما يطاردها، ورؤيته لن تجعل الهرب منه أسهل. قبل لحظات، كان المخلوق مختبئًا داخل شق صخري؛ كتلةً ساكنة ظنتها جزءًا من الجبل. لكنها ما إن اقتربت من العش الذي يحرسه حتى فتح ست عيون حمراء، وفرد جناحين من جلد رمادي، ثم اندفع خلفها على أربع قوائم تنتهي بمخالب قادرة على تمزيق الحجر. سمّته القبائل الضاري "الأجوف". لم يكن اسمه الحقيقي معروفًا، لأن كل من اقترب بما يكفي ليسمع صوته لم يعش ليخبر الآخرين. قفزت "نايرا" فوق صدع ضيق، ثم استدارت وهي في الهواء وأطلقت سهمًا. انغرس النصل في كتف الوحش، لكنه لم يبطئه. ارتطم جسده بالأرض، فتناثرت الحجارة من حوله، وانفتحت في صدره فجوة سوداء خرج منها صوت يشبه صراخ عشرات الكائنات معًا. هبطت "نايرا" على ركبة واحدة. لم يبقَ بينها وبينه سوى مسافة قصيرة. مدّت يدها إلى كنانتها، وسحبت السهم الثاني. غير أن الوحش توقف فجأة. لم يترنح من الألم، ولم ينظر إلى السهم المغروس في كتفه. رفع رؤوسه الثلاثة نحو الشرق، وانكمشت أجنحته كما لو أنه سمع شيئًا لم تستطع "نايرا" سماعه. ثم تراجع. خطوةً واحدة أولًا، تبعتها أخرى. حدّقت "نايرا" فيه، متأهبةً لإطلاق سهمها، لكن المخلوق أطلق أنينًا خافتًا، واستدار هاربًا نحو الجبال. لم يركض كصياد فقد فريسته، بل كفريسة أدركت أن صيادًا أعظم منها قد اقترب. ظلّت "نايرا" مكانها حتى اختفى بين الصخور. وحين سكن الغبار، سمعت الصوت. نبضة واحدة. عميقة وبطيئة، جاءت من باطن الأرض. ارتجف الحجر تحت ركبتها. وضعت كفها فوقه، فشعرت بحرارة تصعد إلى جلدها. لم تكن حرارة نار، بل شيء أشبه بخفقان قلب ضخم مدفون في الأعماق.ثم جاءها الهمس: «نايرا» انتزعت يدها من الأرض ووقفت. دارت حول نفسها، رافعةً قوسها، لكن السهل كان خاليًا. لا أشجار تختبئ خلفها العيون، ولا صخور مرتفعة يمكن لأحد أن يراقبها من فوقها. — "مَن هناك؟" لم يجبها أحد. مرت الريح حولها، باردةً على غير عادتها، وحملت إليها رائحة غريبة؛ رائحة دخان ممزوج بماء المطر.ثم ناداها الصوت مرة أخرى: «أقتربي.» هذه المرة لم يأتِ من مكان واحد. صعد من تحت قدميها، وانساب من بين الصخور، وتردد داخل صدرها كما لو أنه لم ينادِ أذنها، بل شيئًا أعمق فيها. تراجعت "نايرا". لم تكن تخشى الوحوش، ولم تكن تؤمن بالحكايات التي يسردها الشيوخ حول النيران. لكن قبيلتها علمتها منذ طفولتها أن بعض الأصوات لا ينبغي أن تُجاب، وأن العالم كان مليئًا بأشياء تستطيع معرفة اسمك من دون أن تكون قد رأَتك. رفعت عينيها نحو الأفق. هناك، في قلب السهل المحرّم، ارتفع عمود رفيع من الدخان الأسود. لم يكن موجودًا قبل مطاردة الوحش. راقبته لحظات، ثم التفتت نحو الطريق المؤدي إلى معسكر قبيلتها. كان عقلها يأمرها بالعودة وإبلاغ والدها بما حدث، إلا أن الحرارة ما زالت عالقةً في كفها، تنبض بإيقاع ثابت. نبضة. ثم أخرى. مع كل نبضة، كان عمود الدخان يزداد وضوحًا. خفضت "نايرا" قوسها ببطء. كانت تعرف أنها إن عادت، فسيمنعها الحراس من الاقتراب من السهل ثانية. سيقول الشيوخ إن الصوت خدعة من أرواح الأعماق، وسيأمر والدها القبيلة بالرحيل قبل حلول الليل. لكنها عرفت، من دون أن تفهم كيف، أن النداء لن يتوقف برحيلهم. لم يكن ينادي المكان. كان يناديها هي. على بعد أيام من السهل، كان آخرون قد سمعوه أيضًا. في جبال الشمال، انطفأت نار المعبد للمرة الأولى منذ سبعمئة دورة للقمر، ثم اشتعلت من جديد بلون أسود. جثا كاهن قبيلة "زاهان" أمامها، ورأى داخل ألسنتها صورة حجر لم يعرفه. وفي غابات الشرق، استيقظت أشجار "السروان" دفعة واحدة، وسحبت جذورها من التربة. وعندما اقتربت كبيرتهم منها، همست آلاف الأوراق بكلمة واحدة: «أقتربوا.» وعلى شاطئ البحر الأخضر، تراجعت الأمواج مسافة لم تبلغها من قبل. كاشفةً عن طريق من الصخور السوداء يمتد نحو الغرب. خرج شيوخ "الموراي" من مساكنهم، وحين وضع أولهم قدمه على الطريق، سمع نبضًا يصعد من تحته. أما "أبناء الغبار"، فتوقفت قوافلهم في اللحظة نفسها رغم تفرقها في السهول. نفرت دوابهم، وانحنت رؤوسها نحو الأرض، بينما ظهرت في السماء نجمة سوداء حجبت ما وراءها من ضوء. لم تفهم القبائل ما يحدث. وظن كل واحد منها أن النداء خُصّ به وحده. فحمل المحاربون أسلحتهم، وفتح الكهنة كتبهم، وجمع الزعماء مجالسهم. بعضهم رأى في العلامات وعدًا بالقوة، وبعضهم عدّها إنذارًا بنهاية قريبة. وكان بينهم من قرر أن يبلغ مصدر الصوت قبل الآخرين، ولو اضطر إلى خوض حرب في سبيل ذلك. وهكذا، تحركت القبائل نحو السهل المحرّم. لم تكن تعرف أن طرقها ستلتقي. ولم تكن تعرف أن العالم الذي عاشت فيه منذ بدايته يقترب من نهايته. أما "نايرا"، فكانت أول من خطا نحو قلب السهل، غير مدركة أن أثر خطواتها سيصبح يومًا الطريق الذي ستسلكه الجيوش، وأن الاسم الذي ناداها من تحت الأرض سيُذكر في قصور لم تُبنَ بعد. سارت حتى ابتلعها الدخان. وهناك، بين صخرتين قائمتين كأنهما بوابة، رأت أول علامة. دائرة سوداء محفورة في الأرض، يحيط بها قوسان متقابلان، وبينهما سهمان يشير كل منهما إلى جهة. وفي مركز الدائرة، ظهر شق ضيق يتسرب منه ضوء أخضر. انحنت "نايرا" فوقه. وحين اقترب وجهها من الأرض، انفتح الشق كعين. ومن الأعماق، قال الحجر: «أجمعيهم.» تجمد الدم في عروقها" "مَن؟" اهتز السهل تحت قدميها، وتصاعد الدخان حتى حجب السماء. وفي داخله ظهرت لها وجوه كثيرة: محاربون من النار، وكهنة من الماء، ورماة من الغابات، ورحّالة تكسوهم رمال الغرب. قبائل لم تجتمع في مكان واحد قط، وأعداء امتدت بينهم ثارات أقدم من ذاكرة الشيوخ. ثم انطفأت الوجوه، وبقي صوت الحجر وحده:
«أبناء العالم الأول.»
وفي أقصى الأفق، انطلقت أبواق الحرب.