مملكة البدو « أسترال »

الفصل 3: القسم الثاني_ الفرس العائد

القسم الثاني_ الفرس العائد

توقف النبض داخل الحجر. لم يستمر أكثر من لحظة، حتى إن بعض الجالسين ظنوا أن ضوء النار انعكس على الخط الأحمر، أو أن أبصارهم خدعتهم بسبب السهر. لكن "ماوية" لم تشك فيما رأته؛ تحرك الخط من طرف الحجر إلى طرفه الآخر كما يجري الدم في عرق حي، ثم خمد وعاد جامدًا.سحب "المنذر" الوعاء بعيدًا عنها. قال "رباح بن جابر"، وقد انحنى قليلًا ليتفحصه: "قطعة صخر. لا أكثر." رفع الشيخ "هلال" عينيه إليه: "منذ متى تنبض الصخور؟" لم يجبه "رباح". مد يده نحو الحجر، لكن "المنذر" ضرب طرف الوعاء بمقبض خنجره، فارتج النحاس واستقرت القطعة السوداء في وسط الرماد. قال الملك بصرامة: "لن يلمسه أحد." سألته "ماوية": "أتعرفه؟" أطبق "المنذر" شفتيه. كانت قبضته ما تزال ملتفة حول مقبض الخنجر، وإبهامه يتحرك فوق النقوش المحفورة فيه ببطء. عرفت "ماوية" تلك الحركة؛ كان يفعلها كلما أراد أن يزن كلماته قبل أن ينطق بها. لكنه لم ينطق. جاء صهيل آخر من الخارج، أعلى من سابقه، أعقبه اضطراب بين الحراس. نهض "سهيل" عند مدخل الخيمة، وأمسك رمحه بكلتا يديه. ثم انطلق صوت رجل: "افتحوا الطريق!" رفع "المنذر" رأسه. دخل أحد الحراس مسرعًا، وقد التصق الغبار بوجهه وثيابه. انحنى وقال: "الفرس الذي جاء من بئر السمر... استيقظ." قطب "رباح" حاجبيه: "استيقظ؟ ألم تقل إنه وصل حيًّا؟" _ "وصل واقفًا، يا سيدي. لكنه انهار بعد أن فككنا الوعاء عن سرجه. ظنناه يحتضر." سأله "المنذر": "وماذا حدث الآن؟" نظر الحارس إلى الوجوه المحيطة به، ثم قال: "نهض فجأة، وكسر الحبل. يحاول العودة إلى الجنوب." ساد الخيمة صمت قصير. نهض المنذر: "خذوني إليه." تحرك الرجال خلفه. وما إن همّت "ماوية" باللحاق بهم حتى توقف أبوها والتفت إليها: "ابقَي هنا." لم تتراجع: "إن كنت تريد إبعادي عن الحجر، فقد غادر الحجر معي." أشار "المنذر" إلى الوعاء في يده. قالت: "وإن كنت تريد إبعادي عما جاء به، فقد رأيته بالفعل." ضاقت عيناه، غير أن ضجة ارتفعت في الخارج قبل أن يجيبها. تجاوزته "ماوية" ورفعت ستار الخيمة. كان الفرس واقفًا بين أربعة رجال يحاولون تثبيته بالحبال. جسده أسود نحيل، وقد غطت الرغوة عنقه وصدره، فيما سال الدم من جرح عميق عند خاصرته. لم يكن عليه سرج كامل؛ بقيت فوق ظهره قطعة جلد ممزقة، تتدلى منها أربطة مقطوعة وآثار رماد. انتفض الحيوان حين رأى الوعاء في يد "المنذر". رفع قائمتَيه الأماميتين، وكاد يضرب أحد الرجال بحافره. تراجع الحراس، وشُدَّت الحبال من جهتين حتى اختنق صهيله وتحول إلى صوت أجش. تقدمت "ماوية" خطوة. أمسك سهيل بذراعها. _ "لا تقتربي." نظرت إلى الفرس. كان مذعورًا، لكنه لم يكن ينظر إلى الرجال ولا إلى الأسلحة المحيطة به. كانت عيناه مثبتتين على الحجر داخل الوعاء. قالت: "أخفوه عنه." حدق بها سهيل: "ماذا؟" _ "الحجر. لا يخافنا، بل يخاف الحجر." غطى "المنذر" الوعاء بطرف عباءته. في اللحظة نفسها، خفت مقاومة الفرس. بقي جسده يرتجف، لكنه أنزل قائمتيه، وارتخت الحبال حول عنقه قليلًا. تبادل الشيوخ نظرات قلقة. اقتربت "ماوية" ببطء، رغم يد "سهيل" التي حاولت منعها. مدت كفها أمام الفرس، وتركت له أن يشمها قبل أن تلمس رأسه. تراجع أولًا، ثم ثبت في مكانه. قالت بصوت منخفض: "اهدأ... لن نعيده إليك." مررت أصابعها بين عينيه. كان جلده حارًا على نحو غير طبيعي، كأن الحيوان ظل يركض تحت شمس الظهيرة لا في برد الليل. اقترب الشيخ "هلال" من خاصرته المصابة، ثم جثا ليفحص الجرح. قال: "هذه ليست ضربة سيف." انحنى "المنذر" نحوه: "ما الذي أحدثها؟" أبعد الشيخ الدم المتجمد بقطعة قماش. ظهرت حول الجرح ثلاثة خطوط متوازية، غائرة في اللحم. قال سهيل: "مخلب؟" هز هلال رأسه: "لو كان مخلبًا، لتمزق الجلد من أعلى إلى أسفل. هذه العلامات دخلت في جسده ثم سُحبت إلى الخلف." قال "رباح" باستهانة حاول بها إخفاء توتره: "ذئب، أو ضبع كبير. لسنا بحاجة إلى مجلس كي نفهم آثار الوحوش." رفع الشيخ "هلال" وجهه إليه: "هل تعرف ذئبًا يترك رمادًا داخل اللحم؟" أدخل طرف ملقط صغير في الجرح، وأخرج شظية دقيقة سوداء. لم تكن عظمًا ولا حديدًا. وضعها فوق راحته، فتصاعد منها خيط دخان رفيع قبل أن تتفتت. تراجع أحد الحراس مرددًا تعويذة حماية. أمر المنذر: "خذوا النساء والصغار إلى الخيام الداخلية. لا يخرج أحد من حدود المضارب." قال رباح: "بسبب فرس جريح؟" استدار إليه الملك: "بسبب ما جعل فرسًا جريحًا يقطع مسيرة نصف يوم في ساعات قليلة." ثم أشار إلى قائد الحرس: "ضاعف الرجال عند الجهة الجنوبية. أرسل فارسين إلى المرتفع الغربي، وفارسين إلى بئر الحجر. لا يتجاوز أحد منهم مدى رؤية المضارب." سألت ماوية: "ولماذا لا نرسل إلى بئر السمر؟" لم يجبها أبوها مباشرة. قال: "لأن من أرسل هذا الفرس ربما ينتظر من يتبعه." عاد الفرس إلى الاضطراب. حرك رأسه بعنف، ثم عض الحبل القريب من فمه. اقتربت "ماوية" من السرج الممزق، فرأت شيئًا عالقًا تحته. قطعة قماش زرقاء. سحبتها برفق. كان نصفها مشبعًا بالدم، وعلى طرفها خيط فضي رفيع يكوّن رسم جناحين متقابلين. تغير وجه "المنذر" حين رآها. لم يفته ذلك على "ماوية". رفعت القماش أمامه: "لمن هذه العلامة؟" قال "رباح" قبل أن يتكلم الملك: "ليست من علامات قبائلنا." أجابه الشيخ هلال: "ولا من علامات تجار الشرق." أخذ "المنذر" القطعة من يد ابنته وقلبها. على الجانب الآخر ظهرت ثلاثة أحرف صغيرة مطرزة بخيط باهت. ظل ينظر إليها طويلًا.قالت ماوية: "أنت تعرفها." طوى القماش داخل كفه: "رأيتها قبل أعوام." _ "أين؟" _ "على رايات رجال قدموا من الجنوب." بدت الكلمة أثقل من سواها. الجنوب. كان أهل القفار يتحدثون عنه كما يتحدثون عن نار بعيدة؛ يعرفون أنها موجودة، ويرون أحيانًا دخانها، لكنهم لا يقتربون بما يكفي ليشعروا بحرارتها. كانت القوافل تأتي من هناك محملة بالنحاس والزجاج الداكن والتوابل، ويتجنب أصحابها الحديث عما وراء الطرق المحروسة.سأله سهيل: "رجال الإمبراطورية؟" نظر إليه "المنذر" نظرة تحذير، لكن الاسم خرج ووصل إلى كل من في المكان. تحرك "رباح" في وقفته: "شاهْران لا ترسل فرسًا وحيدًا. إذا أراد رجالها الكلام، جاءت رسلهم برايات وطبول." قال هلال: "وربما لم يكن صاحب الفرس رسولًا." سألته ماوية: "بل ماذا؟" أعاد الشيخ النظر إلى الجرح: "هاربًا." ترددت الكلمة بين الواقفين من دون أن يكررها أحد. أمر "المنذر" بنقل الفرس إلى خيمة العلاج، ثم عاد إلى خيمته ومعه الشيوخ. وحين حاول الحراس منع "ماوية"، قال من الداخل: "دعوها تدخل." جلست في موضعها السابق، بينما وضع أبوها وعاء الحجر أمامه وأبقى القماش الأزرق في يده. قال رباح: "إن صح أن الفرس جاء من الجنوب، فعلينا إعادته إلى الطريق وترك أصحابه يتولون شأنه." قالت ماوية: "أي أصحاب؟ إن كان فارسه حيًّا، فهو مصاب أو محاصر. وإن كان ميتًا، فمن ربط الوعاء إلى السرج؟" رمقها "رباح" بضيق: "لهذا لم تكن مجالس الحرب مكانًا للصغار. يسألون عشرة أسئلة قبل أن يفهموا السؤال الأول." أجابته ماوية: "ولهذا لا ينبغي أن تكون مجالس الحرب مكانًا للخائفين. يختارون الهرب قبل أن يعرفوا ممَّ يهربون." ضرب "رباح" كفه على ركبته: "أنا لا أخاف شاهْران." _ "لكن اسمها جعلك تقترح إعادة الدليل الوحيد الذي وصل إلينا." فتح فمه، غير أن "المنذر" رفع يده: "كفى." سكن المجلس. قال الملك: "لن نعيد الفرس، ولن نرسل أحدًا إلى البئر قبل أن نعرف ما يحمله الحجر." أشار شيخ يدعى "عوف" إلى القطعة السوداء: "وكيف سنعرف؟ لا يوجد بيننا من يقرأ أحجار السحرة." قال المنذر: "نعرف رجلًا يستطيع." نظر إليه هلال: "تعني ابن شاهر؟" هز الملك رأسه. تبدلت وجوه بعض الشيوخ. تمتم رباح: "ذلك المجنون يعيش بين القبور." قال هلال: "إنه يعيش قرب المقابر، لا بينها." _ "الفرق ضئيل." التفتت "ماوية" إلى أبيها: "من ابن شاهر؟" أجابها الشيخ هلال: "رجل جمع كتبًا من قوافل الجنوب والشرق طوال أربعين عامًا. يعرف لغات لم يعد أحد يتكلم بها، ويزعم أنه يستطيع تمييز الحجر المسحور من الحجر الطبيعي." قال رباح: "ويزعم أن الرمال تتذكر أقدام الموتى. هل سنسلّم مصير القبيلة لرجل يصغي إلى الرمل؟" قال المنذر: "لن نسلّمه مصير القبيلة. سنريه الحجر." نهض عوف: "إن خرج الخبر من المضارب، ستسمع به العشائر الأخرى. سيقولون إننا أخفينا عنهم علامة ظهرت في السماء وأثرًا جاء من الجنوب." رد رباح: "ولماذا ينبغي أن نخبرهم؟ عندما جف بئر الحمى أخفوا عنا موضع الماء الجديد ثلاثة أشهر." قال هلال: "ولهذا كاد أطفال قبيلتين يموتون عطشًا." اشتدت الأصوات في المجلس. اقترح رجل إرسال الرسل، وطالب آخر بإغلاق الطرق، بينما أصر "رباح" على أن ما حدث لا يتعدى مكيدة من إحدى العشائر لإخافة "المنذر" وإضعاف سلطته. ظلت "ماوية" صامتة تستمع إليهم.