القسم الرابع
ما لا يجب أن يُفتح________________________________________
لم تكن النبضة التي شعر بها الجميع مجرد وهم.لم تكن صوتًا... ولا حركة واضحة... بل إدراكًا داخليًا، كأن شيئًا ما لمس جوهرهم للحظة، ثم انسحب. لكن أثره بقي، ينتشر في المدينة مثل فكرة لا يمكن تجاهلها. كان الشعور غريبًا إلى درجة أن أحدًا لم يستطع وصفه بالكلمات. لم يكن ألمًا، ولا خوفًا، ولا حتى دهشة، بل إحساسًا عابرًا بأن الأرض نفسها أصبحت تنظر إلى من يقف فوقها. شعر البعض بثقل في صدورهم، وآخرون توقفوا عن الكلام دون سبب واضح، بينما رفع كثيرون رؤوسهم نحو السماء، رغم أن ما أقلقهم لم يكن فوقهم... بل في الأعماق السحيقة التي حملت "أستاريا" فوقها منذ ولادتها. في القصر، لم تنتظر "سيرافينا" أكثر. تحركت. لم يكن قرارًا عاطفيًا، بل اختيارًا مدروسًا، رغم أنها كانت تعرف أن كل خطوة نحو الأسفل... هي خطوة نحو شيء لم يعد بالإمكان إيقافه بسهولة. كانت تعرف أن الملوك أحيانًا يُجبرون على اتخاذ قرارات لا يملكون رفاهية تأجيلها. ولو انتظرت أكثر، فإنها ستمنح المجهول وقتًا إضافيًا ليتحرك دون مراقبة. لهذا لم تكن تنزل إلى الأعماق بدافع الفضول، بل لأنها أدركت أن العرش الحقيقي في هذه اللحظة لم يعد في قاعة الحكم، بل في المكان الذي بدأت منه كل الأسرار. في الممر المؤدي إلى الأعماق، انضمت إليها "أوريانا" و"ليور"ا، بينما كان "فايرُن" يسير خلفهم بصمت، كأنه يعرف الطريق دون أن يحتاج للنظر. لم يتبادل الأربعة الكثير من الكلمات أثناء سيرهم. كان وقع خطواتهم فوق الدرجات الحجرية القديمة يكسر الصمت بإيقاع بطيء، ثم يختفي صداه في الظلام. وكلما نزلوا درجة جديدة، ازدادت برودة الهواء، حتى أصبح التنفس نفسه مختلفًا، وكأنهم غادروا العالم الذي يعرفونه، ودخلوا مكانًا لم يعد ينتمي إلى الزمن الحاضر. _"إذا فتحناه..." قالت أوريانا ببطء: "فقد لا نستطيع إغلاقه." _"لقد فُتح بالفعل." ردت "ليورا" دون أن تنظر إليها. "نحن فقط... تأخرنا في النزول." توقفت "أوريانا" لحظة، ثم نظرت إلى "ليورا" بصمت. لم يكن ما أخافها هو الجملة نفسها، بل الطريقة التي قيلت بها. فقد بدت "ليورا" وكأنها لا تتحدث عن باب حجري أو ممر سري، بل عن حدث وقع منذ زمن طويل، واستمر مفتوحًا في الخفاء بينما كان الجميع يظنون أنه انتهى. أما "فايرُن"، فبقي صامتًا، وكأن هذه الكلمات لم تكن جديدة عليه. السلالم الحجرية كانت باردة، رطبة، وكأنها لم تُمس منذ زمن بعيد، رغم أن آثارًا خفيفة على الأرض كانت تشير إلى أن أحدًا مر من هنا... مؤخرًا. انحنت "سيرافينا" قليلًا تتأمل الآثار المرسومة فوق الغبار القديم. لم تكن آثارًا كثيرة، لكنها كانت واضحة بما يكفي لتؤكد أن أحدًا سبقهم إلى هذا المكان خلال الأيام الأخيرة. لم تستطع تحديد عددهم، لكن اختلاف عمق الخطوات فوق الأرض أوحى بأن بينهم من كان يحمل وزنًا ثقيلًا، أو شيئًا أثقل من مجرد سلاح. توقفت "سيرافينا" فجأة: "لسنا وحدنا." لم يكن حدسًا. كان يقينًا. نظر "فايرُن" إلى الأرض، ثم إلى الجدار، ثم قال بهدوء: "...لقد سبقونا." ساد صمت قصير بين الجميع. لم يحتج أحد إلى السؤال عمّن سبقهم، لأن الإجابة أصبحت واضحة في عقولهم جميعًا. السؤال الحقيقي لم يعد: من نزل إلى الأعماق؟ بل: ماذا وجد هناك؟ وهل ما جاء يبحث عنه ما يزال في مكانه... أم خرج بالفعل من سجنه القديم؟ وفي الوقت الذي كانت فيه خطوات حماة "أستاريا" تقترب من قلب الأسرار المدفونة، كانت خطوات أخرى تتحرك في الاتجاه نفسه، لكن بنوايا مختلفة تمامًا. لم يكن السباق هذه المرة نحو كنز أو مخطوطة أو أثر من الماضي، بل نحو شيء إن خرج إلى النور، فلن تعود أي مملكة قادرة على إعادة العالم إلى ما كان عليه. في نفس اللحظة، في الجهة الأخرى من المدينة، كانت "سولو" تتحرك بخفة داخل ممر ضيق. كانت الممرات التي تسير فيها أضيق بكثير من ممرات القصر، محفورة داخل الصخر الخام، حتى إن بعض أجزائها أجبرتهم على الانحناء أثناء السير. وعلى الجدران ظهرت علامات قديمة تكاد تمحوها الرطوبة، رموز لم يعرف الرجل المرافق لها معناها، لكنه لاحظ أن "سولو" كانت تنظر إليها باهتمام، وكأنها تقرأ خريطة مألوفة أكثر من كونها نقوشًا منسية. يتلوى تحت الأحياء القديمة، كأن المدينة فوقه لا تعرف بوجوده أصلًا. خلفها، كان الرجل الذي أحضر الحجر الأزرق يسير بحذر، بينما بقي اثنان آخران عند المدخل. توقفت فجأة. رفعت يدها. ثم ابتسمت: "أشعر بهم." أغمضت عينيها لثوانٍ، ثم مالت برأسها قليلًا، كما لو أنها تحاول التقاط ذبذبة بعيدة في أعماق الصخر. ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة لم تحمل فرحًا، بل يقينًا. كانت تعلم أن المسافة التي تفصل الفريقين لم تعد كبيرة، وأن اللقاء الذي حاول الجميع تأجيله طوال الأيام الماضية أصبح أقرب من أي وقت مضى. _"من؟" سأل الرجل. أجابت دون أن تلتفت: "...من يفكر أنه ما زال يقود هذه اللعبة." ثم تابعت السير، أبطأ هذه المرة، كأنها تقترب من شيء تنتظره منذ زمن. في موقع آخر، جلس "نيريون" أمام دائرة مرسومة على الأرض، خطوطها متشابكة، رموزها لا تشبه أي شيء معروف في "أستاريا". لم يكن يستخدم النجوم هذه المرة... بل شيئًا أقدم: "إنه يستجيب." قال بهدوء. لم يكن في صوته فرح الاكتشاف، ولا خوف المجهول، بل يقين شخص طال انتظاره لهذه اللحظة. ظل يمرر أصابعه ببطء فوق أحد الرموز، وكأنه يتحسس نبضًا لا يراه الآخرون. وكلما اقتربت يده من مركز الدائرة، ارتجفت الخطوط المرسومة بخفة، كما لو أنها تستجيب لحضور شيء لا ينتمي إلى هذا المكان. كانت الدائرة التي جلس داخلها "نيريون" محفورة فوق أرضية صخرية قديمة، وكأنها رُسمت قبل سنوات طويلة ثم أُعيد إيقاظها الآن. لم تكن الخطوط متقنة فحسب، بل حملت أثرًا غريبًا يوحي بأنها لم تُرسم بيد إنسان عادي. كانت بعض الرموز تتوهج بخفوت، ثم تخبو من جديد، وكأنها تتنفس مع كل نبضة تصدر من أعماق الأرض. حتى الهواء داخل الغرفة بدا مختلفًا، أثقل من المعتاد، يحمل رائحة حجر رطب وشيء أقدم من السحر الذي عرفته "أستاريا". _"لمن؟" سألت "دافني". لم يرفع رأسه: "...ليس لنا." ساد صمت. ثم أضاف: "وهذا ما يجعل الأمر... أكثر فائدة." تبادلت "دافني" و"إيليثرا" نظرة قصيرة، لكنها كانت كافية لتكشف حجم القلق الذي بدأ يتسلل إليهما. فإذا لم يكن ذلك النداء يستجيب لهم، فمن الذي يستجيب له؟ ومنذ متى أصبحت هناك قوة تستطيع تجاهل الميثاق والسحر والنجوم معًا؟ كانت الأسئلة تتكاثر، بينما الإجابات تبتعد أكثر مع كل لحظة تمر. أما "إيليثرا"، فكانت تقف بعيدًا، عيناها ثابتتان على الظلام، وكأنها لا ترى ما أمامها، بل ما سيأتي بعده. بقيت الكاهنة العظمى ساكنة، حتى خُيّل لدافني أنها تحولت إلى تمثال من الرخام. لكن من يعرف "إيليثرا" كان يدرك أن أكثر لحظات صمتها هي اللحظات التي يكون فيها عقلها منشغلًا بأمور لا يراها غيرها. كانت تنظر إلى الظلام كما ينظر شخص إلى طريق يعرف أنه سيُجبر على السير فيه، مهما كانت نهايته. في الأسفل، وصلت "سيرافينا" إلى نهاية السلالم. باب. ليس كبقية الأبواب. لم يكن يحمل نقوشًا... ولا رموزًا... بل كان أملس، كأنه لم يُصنع... بل وُجد. وقفت أمامه. لم تمد يدها. لم تتكلم. فقط شعرت بشيء: "هذا هو." قالت أخيرًا. لم يكن الباب ضخمًا كما توقعت "سيرافينا"، ولم يكن مزينًا بما يليق بسرٍ دُفن تحت المملكة منذ قرون. على العكس تمامًا، كانت بساطته هي أكثر ما أثار الريبة. سطح أملس، بارد، يخلو من أي زخرفة أو كتابة، حتى ليبدو كأنه قطعة من الصخر خرجت من الأرض بهذا الشكل منذ بداية العالم. وكلما أطالت النظر إليه، ازداد شعورها بأن الباب لا يقف أمامها... بل يراقبها بصمت. اقترب "فايرُن". نظر إلى الباب طويلًا: "...نعم." ثم أضاف، بصوت أخفض: "...وهو ليس بابًا." ظل الجميع صامتين بعد كلماته. كانت الجملة قصيرة، لكنها بدّلت معنى كل ما يقف أمامهم. فإذا لم يكن بابًا، فلماذا بدا كأنه صُنع ليمنع شيئًا من العبور؟ ولماذا انتهت إليه جميع الممرات القديمة؟ شعر كل واحد منهم أن الحقيقة التي يبحثون عنها بدأت تبتعد كلما اقتربوا منها. التفتت إليه: "إذن ماذا هو؟" لم يجب مباشرة. لكن "ليورا" قالت: "...حد." لم يكن صوتها مرتفعًا، لكنه حمل ثقلًا جعل المكان كله يصمت. كانت تنطق الكلمة كما لو أنها ورثتها عن شخص عاش قبلها بقرون،لا كما لو أنها استنتجتها الآن. حتى "فايرُن" رفع نظره إليها للحظة، وكأنه وجد في طريقتها ما يؤكد شكوكًا احتفظ بها طويلًا دون أن يشاركها مع أحد. _"حد بين ماذا؟" سألت "أوريانا." نظرت "ليورا" إلى الباب: "...بين ما يجب أن يبقى نائمًا... ومن يجرؤ على إيقاظه." في تلك اللحظة... اهتز الضوء. ليس من نار... بل من العدم نفسه. خط رفيع ظهر على سطح الباب. شق. امتد الخط الرفيع ببطء فوق السطح الأملس، لا ككسرٍ في الحجر، بل كأن الباب نفسه بدأ يتنفس بعد سبات طويل. لم يتساقط منه غبار، ولم يسمعوا صوت احتكاك، ومع ذلك شعر الجميع بأن شيئًا تغير في المكان. انخفضت حرارة الممر فجأة، وارتجفت ألسنة المشاعل الزرقاء، بينما مرّت موجة باردة جعلت حتى "أوريانا" تشد قبضتها على سيفها دون وعي. ثم...صوت. ليس صوتًا يُسمع... بل صوت يُفهم. كأنه كلمة قيلت... بلغة لا يتقنها أحد... لكن الجميع أدرك معناها. تراجعت "أوريانا" خطوة: "هل فتحه أحد؟" لكن "فايرُن" قال بهدوء: "...لا." ثم نظر إلى الظلام خلفهم: "...بل فُتح من الجهة الأخرى." لم يجرؤ أحد على الكلام بعد تلك العبارة. بقيت الأنظار معلقة على الشق الرفيع الذي أخذ يتسع ببطء شديد، بينما ساد المكان صمت لم يشبه أي صمت عرفوه من قبل. لم يعد أحد يفكر في السؤال عمن فتحه، بل في السؤال الذي بدا أكثر رعبًا: إذا كانت الجهة الأخرى هي التي بدأت بالعبور... فهل ما يزال لديهم الوقت لإغلاق الطريق قبل أن يصل القادم؟ في نفس اللحظة، في الممرات العميقة، توقفت "سولو" فجأة. نظرت إلى الأمام. ثم ضحكت. ضحكة خفيفة... لكنها مليئة بالرضا: "...ها هو." في القصر، شعرت "سيرافينا" بأن شيئًا ما ينظر إليها. ليس أمامها. ولا خلفها. بل... من خلال الباب. رفعت يدها ببطء. لكن قبل أن تلمسه—قال "فايرُن": "إذا فتحتِه... فلن تعودي كما كنتِ." لم تسحب يدها. بل قالت بهدوء: "لم أعد كذلك منذ أن بدأ هذا كله." ثم وضعت يدها على الباب. وفي اللحظة التي لامسته فيها— انطفأ كل شيء. النار. الصوت. الإحساس. للحظة واحدة فقط... اختفى كل شيء. ثم عاد. لكن لم يعد كما كان. في أعلى القصر، وفي المدينة، وفي الأزقة، وفي الممرات... شعر الجميع بنفس الشيء. كأن شيئًا ما...فتح عينه.