القسم الثاني
رسائل لا تصل متأخرة_____________________________________
لم يكن الصباح الذي أعقب استيقاظ الباب يشبه أي صباح عرفته "أستاريا" من قبل. لم تشرق الشمس متأخرة، ولم تتغير السماء، لكن المدينة بدت وكأنها استيقظت وهي تحمل في ذاكرتها حلمًا واحدًا رآه الجميع، ثم نسوه في اللحظة نفسها. كان الناس يمارسون حياتهم، إلا أن وجوههم حملت شيئًا من القلق الذي لا يعرف صاحبه سببه. حتى الأطفال أصبحوا أكثر هدوءًا، والباعة في الأسواق خفضوا أصواتهم، وكأن المدينة بأكملها كانت تنصت إلى شيء لا يسمعه أحد.داخل القصر، كانت الحركة مختلفة تمامًا. لم يعد الحديث يدور حول الباب الحجري أو النبض الذي خرج من الأعماق، بل حول ما سيأتي بعده. جلست الملكة "سيرافينا" في قاعة الحرب، وأمامها خريطة العالم وقد امتلأت بعلامات جديدة أضيفت خلال الليل. كانت كل رسالة وصلت إلى القصر تُرسم عليها بدقة، حتى تحولت الخريطة إلى لوحة من التحذيرات أكثر منها خريطة للممالك. وقفت "سلامار"، رسولة المملكة الجديدة، أمام الطاولة وهي تخلع عباءة السفر التي غطاها غبار الطرق الطويلة. كانت ما تزال شابة، لكن الأشهر الأخيرة جعلت ملامحها أكثر صلابة. لم تكن تحمل الأخبار فقط، بل تحمل معها رائحة الممالك البعيدة، ولهجاتها، وخوفها، وما يقال في مجالسها المغلقة. وضعت ثلاث لفافات مختومة على الطاولة:
>>الأولى من مملكة „السنديان"... والثانية من مملكة „أسترال"... أما الثالثة، فقد وصلت من جزيرة "برافوس".<<
رفعت "سيرافينا" رأسها: "وأيها أخطر؟" ابتسمت "سلامار" ابتسامة خفيفة لم تخفِ تعبها: "لهذا لم أفتح أيًا منها." أومأت الملكة برأسها، ثم أشارت إلى "دالميرا". سحبت "سلامار" أنفاساً عميقة وهي تعيد ترتيب أوراقها، ثم أردفت بنبرة خفيضة تخاطب الملكة "سيرافينا" و"فايْرُن": "طريقي لم يكن آمناً على الإطلاق... في برافوس، لم يعد البنك الحديدي يتحدث بلغة التجارة المعتادة. هناك همسٌ يدور في أروقة "مجلس السادة التسعة" عن اختفاء مجلد سري للغاية من الخزائن السفلى—سجلٌ يحمل أقدم ديون الممالك ومواثيقها السحرية المحرمة. وبعض التجار يزعمون أن المساعدات المالية التي طلبناها لتأمين التوازن السحري في "أستاريا" لن تُمنح إلا بشرط الارتهان الكامل لموانئنا". ألقت "دالميرا" نظرة قلقة نحو الملكة؛ فالتوازن السحري المتردي في "أستاريا" لم يتسبب في اضطراب الأرض فحسب، بل فتح الباب لضغوط سياسية واقتصادية خانقة من جزيرة السادة التي طالما ادعت الحياد. وأضافت "سلامار": "وحتى قبل أن أصل، كانت الأخبار القادمة من حدود مملكة الألف "إندورال" تزداد شؤماً؛ أوراق الشجرة المقدسة بدأت تتساقط لأول مرة منذ ألف عام، والعهد الذي حافظ على خلودهم بات يتداعى كأن هناك خيطاً خفياً يربط بين مصير شجرتهم وبابنا المفتوح". فتحت الوزيرة الرسالة الأولى بعناية. كان ختم مملكة العرب ما يزال سليمًا، لكن الورقة في داخلها كُتبت على عجل. قرأتها بصوت منخفض: "إلى جلالة ملكة أستاريا... منذ ثلاثة أيام لم يعد مرصد النجوم في عاصمتنا يرى الكوكبات كما عرفناها. السماء ما تزال في مكانها، لكن خرائط النجوم تغيرت، وكأن يدًا مجهولة أعادت ترتيبها. علماء الفلك لدينا عاجزون عن تفسير ما يحدث. نطلب لقاءً عاجلًا." ساد الصمت... أما الرسالة الثانية، القادمة من مملكة البدو، فكانت أقصر، لكنها أشد قلقًا: "الآبار القديمة تصدر أصواتًا عند منتصف الليل، والإبل ترفض الاقتراب من بعض الكثبان. رجال القبائل يقولون إن الرمال تتحرك من الداخل... وليس بفعل الريح." طوت "دالميرا" الرسالة ببطء: "الظاهرة نفسها... لكن بشكل مختلف." التفتت "دالميرا" نحو الخريطة الكبرى واستأنفت بصوت مرتجف: "الرسالة الصادرة من قصر مملكة العرب "السنديان" لم تكن تتحدث عن النجوم وحدها... الملك "حارث" أرفق طيها مذكرة سريّة يصف فيها كيف بدأت رمال الصحراء تزأر في الليل وتتخذ أشكالاً شبحية تعبر حدود المملكة. إنه يخشى على سلامة الملكة "عَفران" ووريث العرش، ويرى أن السلام الذي بنته "السنديان" بالدموع عبر القرون وشك أن تذروه العواصف". علّق "فايرُن" بنبرة صارمة: "تغير حركة النجوم في مراصد العرب وخروج الصوت من آبار البدو ليسا سوى عوارض لشيء واحد... السحر في عالمنا ليس مجرد أرقام أو طاقة سابحة، بل هو ميثاقٌ كُتب بين الممالك السبع. وحين يُكسر العهد في "أستاريا"، يتداعى البناء بأكمله، من غابات إندورال في الجنوب إلى صحارى العرب في الشمال".أما الرسالة الثالثة، فقد كانت بلا توقيع. لا ختم. لا اسم. مجرد ورقة سميكة كتب عليها بخط أنيق: "اجتماع الملوك في جزيرة السادة لم يعد خيارًا... بل ضرورة. من يتأخر عن الحضور، سيكتشف أن القرار قد اتُّخذ بدونه." رفع "فايرُن" الورقة بين يديه، وتأمل الحروف طويلًا. _"هذا ليس أسلوب زاهير." قالتها "ليور"ا مباشرة. نظر إليها "فايرُن": "وأنتِ تعرفين أسلوبه؟" لم تجب. لكن نظرتها وحدها كانت كافية لتؤكد أنها تعرف أكثر مما تقوله. تقدمت "ليورا" خطوة نحو الطاولة، واستلت خنجرها ذي المقبض الفضي لتشير به إلى أسفل الرسالة الثالثة. وقالت ببرود: "هذه الورقة الشمعية السليمة قادمة مباشرة من دواوين البنك الحديدي في "برافوس"... الخط أملس ومكتوب بحبر لا يُباع إلا لكبار الصيرفيين. إنها ليست مجرد دعوة لاجتماع الملوك، بل هي تهديد مبطن من طرف في مجلس السادة يريد وضع الممالك جميعاً تحت وصاية الديون". تساءلت "سيرافينا": "هل تتوقعين أن زاهير هو من أرسلها؟" هزت "ليورا" رأسها نُفياً: "زاهير يفضل التحرك في الظلال ودفع الآخرين للواجهة. لكن هناك شخصاً آخر يعمل في الخفاء داخل "برافوس"... شخص يتواصل مع "مرثاد" في مملكة "غورموث". ولربما كان الملك السابق "إيراث" يدير هذه الخيوط بنفسه ليُشعل الحرب بين الممالك قبل أن ندرك حجم الخطر القادم من الشمال". في زاوية القاعة، كانت "سولانا" المعالجة الملكية منهمكة في فحص الشظية الزرقاء التي أُخرجت من الباب الحجري قبل ساعات. وضعتها داخل إناء بلوري، ثم سكبت فوقها سائلًا فضيًا بدأ يغلي فور ملامسته لها. اقتربت "أوريانا": "هل وجدتِ شيئًا؟" أجابت "سولانا" دون أن ترفع رأسها: "وجدت شيئًا لا يعجبني." _"ما هو؟" تنهدت ببطء: "هذه ليست بقايا سحر." رفعت الإناء أمام الضوء: "...هذه بقايا كائن." ساد صمت ثقيل. التفت الجميع إليها. أكملت بصوت أكثر انخفاضًا: "شيء حي... لكنه لم يعد ينتمي إلى عالمنا." في اللحظة نفسها، دخلت "راغنير"ا قائدة الجيش بخطوات سريعة. كان درعها يحمل آثار تدريب طويل، وعلى كتفها لفافة جلدية كبيرة: "انتهيت من تفقد الحاميات." قالت وهي تنشر الخريطة العسكرية فوق الطاولة: "ثلاث نقاط مراقبة فقدت الاتصال الليلة الماضية." سألت الملكة: "هجوم؟" هزت "راغنيرا" رأسها: "هذا ما يقلقني... لم نجد أي أثر لمعركة." _"إذن ماذا وجدتم؟" نظرت إلى الجميع قبل أن تجيب: "وجدنا الحراس في أماكنهم..." توقفت لحظة: "...لكنهم كانوا ينظرون جميعًا نحو الشمال."_"هل كانوا أحياء؟" _"نعم." _"إذن؟" قالت "راغنيرا" بصوت هادئ: "لم يتذكر أي واحد منهم لماذا كان ينظر إلى الشمال." ساد الصمت مرة أخرى. أما "فايرُن"، فقد اتجه نحو النافذة المطلة على المدينة.كانت نظرات "فايرُن" تخترق الضباب الأزرق الخفيف الذي بدأ يتشكل فوق أسطح منازل أستاريا. أخرج من جيبه قطعة معدنية صغيرة يحمل عليها ختم المستشارية، وأخذ يقلبها بين أصابعه بجفاء. استطردت "راغنيرا" وقالت وهي تضع يدها على مقبض سيفها: "الحراس الذين فقدوا الذاكرة في الحاميات الشمالية لم يتعرضوا لضربات سيوف أو تعاويذ إغماء عادية... الدلائل تشير إلى سحر بارد يمتص ذكريات البشر ويتركهم كالأجساد الخاوية. إنه نفس السحر الذي بدأ يظهر في "سجلات شاكا" المحفوظة في مكتبة". نظرت "سيرافينا" إلى "فايرُن" وسألته بوجوم: "إن كان السحر يمتص الذاكرة، فما الذي يبحث عنه في الشمال؟" تحرك "فايرُن" ببطء وهو ينظر للجميع بعينين مجهدتين، كأنه يسترجع أحداث تاريخٍ قديم طُوِي بالدم. ظل واقفًا للحظات دون كلام. ثم قال جملة قصيرة جعلت الجميع يلتفت إليه: "إنه لا يختبر قوتنا..." التفتت إليه سيرافينا: "من؟" أجاب وهو يراقب الأفق البعيد: "...بل يختبر ذاكرتنا." وفي مكان بعيد، داخل القلعة السوداء في مملكة "غورموث"، كان رجل يرتدي عباءة حمراء قاتمة يقف أمام خريطة العالم. لم يكن ملك الأشرار. ولم يكن "زاهير". كان الرجل الذي لا يُذكر اسمه في المجالس، ويُعرف في جميع الممالك بلقب واحد فقط: وزير الفتنة. ابتسم وهو يضع إصبعه فوق اسم "أستاريا". ثم همس: "لم تبدأ الحرب بعد..." وتحرك إصبعه ببطء نحو جزيرة السادة: "...لكن الجميع بدأ يختار جانبه." وقف "مرثاد فالكور"، في شرفة القلعة الشوكية السوداء، بينما كانت النار الزرقاء الباردة تتعالى في الساحة السفلى. التفت إلى حارسه الشخصي وقال بصوت يشبه حفيف الأفاعي: "دع أستاريا تتخبط في رسائلها ونبوءاتها... ودع ملك العرب يتوجس خيفة من رماله، وسادة برافوس يحسبون أرباحهم من ديون الحرب المقبولة. فكلما زاد شتاتهم، اقتربت اللحظة التي يسقط فيها التوازن بالكامل". استلّ "مرثاد" خنجراً مسموماً وغرسه في منتصف خريطة جزيرة السادة على الطاولة الحجرية، ثم أردف بابتسامة خبيثة: "حين يكتمل المخطط، وسواء حضر "فايرُن" أو غاب، فإن المجموعات المتقاتلة لن تجد ذهباً ينجيها ولا سحراً يحميها من الظلال التي انتظرت لقرون تحت أرض "أستاريا" وخزائن برافوس".