القسم الثاني
محاكمة الميثاق__________________________________________
ساد الصمت داخل قاعة الميثاق السحري بطريقة بدت غير طبيعية، كأن الكلمات نفسها أصبحت تخشى أن تُقال. لم يكن ذلك الصمت الهادئ الذي يسبق الحديث، بل صمتًا ثقيلًا يشبه اللحظة التي تقف فيها العاصفة خلف الباب مباشرة، تنتظر فقط من يفتحه. كل العيون داخل القاعة كانت معلقة على المستشار "فايرُن". وقف بثباتٍ غريب، لا يبدو مرتبكًا ولا خائفًا، بينما ظل الخاتم الملكي يلمع في كفه تحت ضوء المشاعل الزرقاء. كان الضوء ينعكس على الحجر الأزرق المثبّت في وسطه، فيمنحه وهجًا باردًا جعل كثيرين يشعرون بعدم الارتياح دون أن يعرفوا السبب. أما الملكة "سيرافينا"، فلم تتحرك. كانت تحدق في الخاتم بصمت طويل، وكأن عقلها يرفض تصديق ما تراه عيناها. شيء داخلها كان يحاول أن يجد تفسيرًا منطقيًا، تفسيرًا واحدًا يجعل هذا المشهد أقل رعبًا... لكن لا شيء بدا منطقيًا في تلك اللحظة. حتى الهواء داخل القاعة أصبح أثقل. وقفت "راغنيرا" — قائدة جيش أستاريا — بخطوة ثابتة قرب العرش، ويدها تستقر ببطء على مقبض سيفها الطويل. صوت احتكاك القفاز المعدني بالمقبض كان خافتًا، لكنه بدا داخل الصمت كصوت إنذار. قالت بنبرة منخفضة، تحمل تهديدًا واضحًا: "مولاتي... كلمة واحدة منكِ... وسينتهي هذا الجنون." كانت مستعدة. أي حركة من "فايرُن"، أي إشارة، أي محاولة لاستخدام السحر... وستندفع نحوه فورًا. لكن "سيرافينا" لم تعطِ الأمر. ظلت تحدق في الخاتم فقط. الخاتم الذي يشبه خاتمها إلى حدّ التطابق. حتى النقوش القديمة المحفورة حول الحجر الأزرق كانت نفسها؛ الخطوط الدقيقة، الرمز الملكي، الشق الصغير قرب الحافة الداخلية... كل شيء. همست أخيرًا، وكأنها تتحدث إلى نفسها أكثر من حديثها للآخرين: "هذا الخاتم... لا يوجد منه سوى واحد." رفع "فايرُن" عينيه إليها ببطء. ولأول مرة منذ سنوات طويلة، ظهرت على وجهه ابتسامة خافتة، لكنها لم تكن ابتسامة راحة أو انتصار... بل ابتسامة شخص تعب من إخفاء شيء ثقيل جدًا. قال بهدوء: "كان ذلك صحيحًا... قبل ثلاثين عامًا." انتشرت الهمسات في القاعة فورًا. حتى بعض الحراس تبادلوا النظرات بقلق. ثلاثون عامًا. ذلك الزمن وحده كان كافيًا ليوقظ قصصًا قديمة لم يعد أحد يتحدث عنها علنًا. تقدمت "دافني" — قاضية الميثاق — خطوة إلى الأمام، بينما كان كتاب الميثاق الأسود يتأرجح بسلاسله المعدنية الثقيلة قربها. كانت المرأة الوحيدة تقريبًا داخل القاعة التي لم تبدُ عليها الصدمة بشكل واضح، لكن عينيها الضيقتين كانتا تراقبان "فايرُن" بحذر شديد. قالت بصوت بارد: "ادعاء كهذا... يحتاج إلى دليل." نظر إليها "فايرُن" لحظة قصيرة، ثم رفع الخاتم ببطء نحو الضوء. وفي اللحظة التالية... بدأ الحجر الأزرق داخله يتوهج. ليس توهجًا عاديًا، بل نبضًا بطيئًا يشبه نبض القلب. وفي نفس اللحظة تمامًا، توهج خاتم الملكة أيضًا. تجمّد الجميع. شعاعان من الضوء الأزرق انعكسا داخل القاعة، ثم بدا وكأن النورين يتحركان باتجاه بعضهما، كأن الخاتمين يتعرفان على وجود بعضهما بعد غياب طويل. شعرت "سيرافينا" بقشعريرة باردة تمر عبر ذراعها. أما "دالميرا"، الوزيرة الأولى، فقد همست دون وعي: "...مستحيل." لكن "نيريون" — عراف النجوم — كان الوحيد الذي بدا عليه الرعب الحقيقي. كان يحدق في الخاتمين بعينين متسعتين، وكأنه يرى شبحًا من الماضي عاد فجأة للحياة. قال بصوت خافت: "ليسا متشابهين..." توقف لحظة، ثم أكمل: "...إنهما زوجان." التفتت الأنظار إليه. حتى "فايرُن" نفسه راقبه بصمت. سألت الملكة ببطء: "ماذا تعني؟" تنهد "نيريون" بعمق، وكأن الكلام نفسه يثقل صدره: "في زمن الممالك القديمة... كانت بعض التيجان تُصنع مع خاتمين توأمين." بدأ يمشي ببطء داخل القاعة، بينما ظلت عيناه على الضوء الأزرق المنعكس بين الخاتمين: "واحد للحاكم..." ثم نظر إلى "فايرُن" مباشرة: "...والآخر للوريث الحقيقي." سقط الصمت فوق القاعة مرة أخرى. لكن هذه المرة كان مختلفًا. لم يعد صمت صدمة فقط... بل صمت خوف. شعرت "راغنير"ا بأن قبضتها على السيف اشتدت دون وعي. أما "لارا" — درع المملكة— فقد تقدمت خطوة صغيرة أمام الملكة بشكل غريزي، وكأنها تحاول حمايتها من شيء لا تعرف شكله بعد. قالت "راغنيرا" بحدة: "هل تحاول أن تقول إن هذا الرجل—" لكن "فايرُن" قاطعها بهدوء: "أنا لا أحاول قول شيء." ثم رفع عينيه نحو الملكة مباشرة: "...أنا فقط أعيد ما سُرق." كانت كلماته هادئة، لكنها أصابت القاعة كضربة. شعرت "سيرافينا" بأن قلبها ينبض بعنف داخل صدرها. لم تكن المشكلة في كلامه فقط... بل في الطريقة التي قاله بها. لم يتحدث كمتمرد، ولا كمجرم، ولا حتى كخائن. بل كشخص يؤمن فعلًا أنه صاحب حق. وقبل أن يتكلم أحد... اهتز كتاب الميثاق الأسود فجأة. صدر صوت معدني حاد من السلاسل المحيطة به، فتراجعت دافني نصف خطوة دون قصد. ارتجفت الصفحات بعنف، ثم انفتح الكتاب وحده. تجمّد الجميع. حتى المشاعل بدت وكأنها خفتت قليلًا. بدأت الصفحات تتقلب بسرعة جنونية، كأن قوة خفية تبحث داخلها عن شيء مفقود منذ زمن طويل. صوت تقلب الورق كان حادًا، متوترًا، حتى بدا كأن القاعة كلها تسمعه داخل عظامها. ثم... توقفت الصفحات فجأة. ظهر رمز قديم في منتصف الصفحة المفتوحة. رمز لم يعرفه معظم الموجودين. لكن "إيليثرا" شهقت فور رؤيته. شهقة صغيرة، لكنها كانت كافية ليشعر الجميع بالخطر. رفعت الملكة رأسها بسرعة: "ما هذا الرمز؟" بقيت "إيليثرا" تحدق فيه لثوانٍ طويلة قبل أن تجيب. وصوتها هذه المرة لم يكن ثابتًا كعادته: "...هذا ختم مملكة الأشباح."شعر كثيرون داخل القاعة ببرودة مفاجئة. حتى الهواء بدا مختلفًا بعد نطق الاسم. "مملكة الأشباح." اسم لم يُذكر داخل القصر الملكي منذ سنوات طويلة، ليس لأن الناس نسوه... بل لأن الجميع اختاروا ألّا يتحدثوا عنه. اقتربت "دافني" من الكتاب بحذر، بينما بدأت الحروف فوق الصفحة تتحرك ببطء. كانت الكلمات تتشكل وحدها. كأن شيئًا يكتبها الآن. قرأت "دافني" بصوت منخفض: "الميثاق... مكسور." توقف قلب القاعة للحظة. ثم ظهرت جملة ثانية. هذه المرة، حتى دافني نفسها ترددت قبل قراءتها:
>>الوريث عاد.<<
وفي اللحظة نفسها... انطفأت جميع المشاعل. غرق المكان في ظلام كامل. ارتفعت أنفاس متوترة، وتحرك بعض الحراس بسرعة، لكن لا أحد استطاع رؤية شيء. ثم جاء الصوت. صوت امرأة. هادئ. بارد. ليس مرتفعًا... لكنه خرج واضحًا من قلب الظلام نفسه: "...تأخرتم كثيرًا." شعرت "سيرافينا" بقشعريرة تسري في ظهرها. أما "راغنيرا" فقد سحبت سيفها فورًا، وصوت المعدن اخترق العتمة كوميض حاد.ثم اشتعلت إحدى المشاعل فجأة. نور أزرق باهت ملأ جزءًا من القاعة... وكشف المرأة الواقفة في المنتصف. كانت ترتدي درعًا أسود قديمًا، أقدم من أي درع في "أستاريا". خطوطه الحادة بدت كأنها صُنعت للحرب فقط، وعلى صدره ظهر نقش باهت لتاجٍ مكسور. وقفت بثبات غريب. لا تبدو خائفة. ولا متوترة. بل كأنها دخلت مكانًا تعرفه جيدًا. همست "لارا" بصوت مرتجف: "...مستحيل." أما "راغنيرا" فرفعت سيفها ببطء وقالت: "من أنتِ؟" رفعت المرأة رأسها أخيرًا. وكانت عيناها رماديتين... رماديتين بطريقة غير بشرية تقريبًا، كأن الدخان نفسه يسكن داخلهما. ثم ابتسمت ابتسامة باردة جدًا. وقالت: "أنسيتموني حقًا؟" في تلك اللحظة، شعر "نيريون" بأن ركبتيه فقدتا قوتهما. سقط على الأرض ببطء، وعيناه متسعتان من الرعب. حتى "فايرُن"، الذي بقي هادئًا طوال الوقت، بدا عليه الارتباك لأول مرة. همس: "...هذا لا يمكن." لكن المرأة لم ترفع صوتها. لم تحتج لذلك أصلًا. قالت بهدوء جعل الدم يبرد في العروق: "أنا... ملكة الأشباح."
يتبع...