مملكة السحرة « أستاريا »

الفصل 23: القسم الثاني

القسم الثاني

بوابة الصمت___________________________________________

كانت الملكة تنظر إلى الخريطة، لكن عينيها لم تتوقفا عند "غورموث"، بل عند مملكة الألف الواقعة خلف الغابات القديمة: "مرثاد لن يمنحهم جيشًا بمجرد وصولهم. سيختبرهم، ويفرق بينهم، ويجعل كل واحد منهم يثبت أنه مستعد لخيانة الآخر." قالت أوريانا: "وكيف تعرفين؟" تأخرت "سيرافينا" قبل أن تجيب: "لأن إيراث وصف لي يومًا كيف تُفتح أبواب مملكة الأشرار." تغير وجه "فايرُن" للحظة، لكن راغنيرا لاحظت ذلك: "إيراث؟" رفعت الملكة نظرها إليه: "قال إن غورموث لا تسأل القادم إليها عمّا يستطيع تقديمه." ثم أضافت: "بل تسأله عمّا يستطيع تدميره." سقط الصمت فوق قاعة القيادة. لم يكن ذكر الملك السابق جديدًا، لكن كل معلومة عنه بدت وكأنها تفتح بابًا آخر بدل أن تغلق بابًا قديمًا. كانت الخرائط الجلدية الموضوعة فوق الطاولة الخشبية تعكس ظلال الشموع المتراقصة، وحفيف الرياح القادمة من الأبراج العالية يهمس بأسرار الممالك المجاورة. لم يكن ذكر "إيراث" مجرد استرجاع لذكرى ملك غائب، بل كان يحيي حسرة قديمة وثقلاً يربض على صدور الحاضرين. تسللت برودة مريبة إلى القاعة، وكأن الرماد الأزرق المحترق في المبخرة الكريستالية يتفاعل مع اسم "غورموث". كان الجميع يعلم أن المخطوطات القديمة المحفوظة في مكتبة القصر تشير إلى أن "غورموث" ليست مجرد قلعة أو أرض، بل هي كيان حي يتغذى على النوايا الخبيثة والدماء والوعود النكثاء. قالت سولانا: "إن كان يعرف غورموث إلى هذا الحد، فقد ذهب إليها." أجاب "فايرُن" بسرعة: "ليس كل من عرف طريقًا سار فيه." نظرت إليه راغنيرا: "لكن بعضهم يعرفه لأنه عاد منه." تلاقت عيناها بعيني المستشار، وبقي بينهما السؤال دون أن يُنطق. قطعت "سيرافينا" الصمت: "لن نرسل الجيش خلفهم." اعترضت راغنيرا: "مولاتي—" _ "سنرسل شخصًا واحدًا." _ من؟" التفتت الملكة نحو الباب. كانت "ليورا" واقفة في الظل، كأنها كانت هناك منذ بداية الاجتماع ولم يلحظها أحد. قالت سيرافينا: "شخصًا يستطيع دخول طريق الظلال دون أن يجر وراءه راية أستاريا." خرجت "ليورا" من الظلام ببطء: "إن بلغوا غورموث، فلن أستطيع إعادتهم بالقوة." ساد الحاضرين ذهول مكتوم. كانت "ليورا" تشبه خيالاً نُسج من العتمة نفسها، خطواتها بلا صوت على البلاط الرخامي، وتفاصيل وجهها توحي بسنوات طويلة قضتها بين الطقوس السرية والمهام المحظورة. انقبضت قبضات بعض الحراس المقربين، بينما بقيت عينا المستشار "فايرُن" تلاحقان حركاتها بحذر شديد. فقد كان يدرك أن إرسال فارسة ظل بمهارة "ليورا" يعني أن الملكة تتهيأ لسيناريو لا يحتمل التراجع، وأن المعركة القادمة لن تُخاض بالسيوف المشرعة فقط، بل بالخناجر المتخفية في الظلام والأسرار المكتومة. قالت الملكة: "لا أريدك أن تعيديهم." _ "إذن ماذا تريدين؟" نظرت سيرافينا إلى الخريطة: "أريد أن أعرف من يقابلهم أولًا." رفع "فايرُن" رأسه نحوها، وكأنه فهم المعنى قبل الآخرين. لم تكن الملكة تخشى المنشقين وحدهم. كانت تريد معرفة اليد التي فتحت لهم الطريق. عند منتصف الليل، استيقظ "نيريون" على صوت لم يسمعه الآخرون. فتح عينيه تحت الغطاء، لكنه لم يرَ الظلام. رأى خطوطًا حمراء تتلوى بين الصخور، تمتد من الشرق نحو المكان الذي ناموا فيه. لم تكن طرقًا، بل عروقًا داخل الأرض، وكل واحد منها ينبض على إيقاع بطيء. جلس فجأة. تسارعت أنفاسه وتصبب العرق البارد على جبينه. لم تكن هذه الرؤية مجرد كابوس عابر، بل كانت استبصارًا سحريًا دقيقًا يسري في عروق السحرة المقربين من الأختام. شعر بثقل الأرض تحته وكأن القشرة الصخرية كائن ينبض بالحياة، تتصارع في داخله قوى قديمة استيقظت من نومها الطويل. مسح وجهه بكفه وهو يستمع إلى الصمت المريب الذي يلف المخيم، حاسًا بالخطر الداهم يقترب مع كل ضربة قلب، وكأن السحر المحظور الذي سُكب في أرض الممالك منذ قرون بدأ ينساب مجددًا ليطالب بثمنه. كانت "إيليثرا" مستيقظة قرب الدائرة السحرية. أما "دافني" فنامت ويدها فوق الحقيبة التي أخفت فيها الصفحات التي انتزعتها من كتاب الميثاق. ولم تكن "سولو" في مكانها. قال نيريون: "أين الأفعى؟" نظرت "إيليثرا" إلى العمود الذي كانت تجلس فوقه. كان فارغًا. نهض "نيريون"، لكن الأرض نبضت تحت قدميه. هذه المرة لم يكن النبض قادمًا من "أستاريا". جاء من الشرق، أضعف من نبض الكيان تحت القصر، لكنه أكثر انتظامًا، كأنه جواب على نداء قديم. ثم ظهرت "سولو" بين الصخور. لم تكن وحدها. سار خلفها رجل يرتدي عباءة قاتمة، وعلى وجهه قناع معدني لا يظهر منه سوى عينين ضيقتين. لم يحمل سلاحًا ظاهرًا، لكن على صدره كان مثبتًا رمز أحمر يشبه لسان نار منقسمًا إلى نصفين. نهضت "دافني" فورًا، وأمسكت بالخنجر المخفي داخل ردائها. وقفت "إيليثرا" داخل الدائرة. أما "نيريون"، فبقي ساكنًا. قال الرجل: "أربعة هاربين من أقوى مملكة في العالم." لم يكن صوته مرتفعًا، لكنه بدا كأنه خرج من بين الصخور كلها: "قاضية بلا ميثاق، وكاهنة بلا معبد، وعراف بلا سماء..." توقفت عيناه على سولو: "وأفعى لا تعرف لمن تنتمي." ابتسمت سولو: "لم أنتمِ يومًا إلى أحد." قالت دافني: "من أنت؟" لم يخلع الرجل قناعه. _ "لست الشخص الذي جئتم لمقابلته." _ "إذن لماذا أتيت؟" أخرج من عباءته أربع قطع معدنية سوداء، وألقاها أمامهم. حملت كل قطعة الرمز نفسه المنقوش على صدره: "الطريق أمامكم ينقسم عند الفجر. ثلاثة مسالك ستقودكم إلى الموت، والرابع سيقودكم إلى باب غورموث." سأله نيريون: "وكيف نعرف المسلك الصحيح؟" أجاب الرجل: "لن تعرفوه." ثم أشار إلى القطع السوداء: "واحدة فقط ستُفتح بها الطريق... أما الخطأ في استعمال الثلاث الأخرى، فسيوقظ ما يعيش تحته." قالت إيليثرا: "هذا اختبار." _ "كل باب اختبار." أخذت "دافني" نفسًا بطيئًا: "ومن ينتظرنا خلفه؟" استدار الرجل نحو الشرق: "رجل يعرف كيف يحول غضبكم إلى جيش." قالت "سولو"، كأنها تعرف الاسم مسبقًا: "وزير الفتنة." توقف الرجل لحظة، ثم التفت إليها: "مرثاد فالكور لا يستقبل اللاجئين." وسقطت نظرته فوقهم واحدًا واحدًا: "إنه يستقبل الأدوات." ثم تراجع بين الصخور، وابتلعه الظلام كما لو أن الأرض فتحته له. بقيت القطع الأربع فوق التراب. لم يتحرك أحد نحوها. قالت دافني: "إن اخترنا القطعة الخطأ، نموت." خيم سكون ثقيل على المجموعة. انطبعت على الوجوه علامات الشك والتردد؛ فالموت لم يكن الخوف الوحيد، بل الخيانة التي قد تدفع أحدهم للبقاء على قيد الحياة على حساب الباقين. التقت أنظار "دافني" بعيني "إيليثرا" في صمت يحمل الكثير من التساؤلات غير المقفلة: هل يمكن الوثوق برفاق السفر في لحظة الإجبار هذه؟ هل تزن التضحية شيئًا في معركة البقاء؟ كانت القطع السوداء الأربع الرابضة على التراب تعكس الضوء الخافت وكأنها أعين أفاعٍ تتربص بفرستها، تنتظر لحظة الاختيار المحتومة لتنفذ سمها. جلست "سولو" أمام القطع الأربع، ومدت يدها إليها بلا تردد. قالت إيليثرا: "لا تلمسيها." توقفت أصابع "سولو" فوقها، ثم رفعت وجهها نحو رفاقها. كانت عيناها تلمعان بحماسة لم تظهر فيهما طوال الرحلة: "ألم تفهموا بعد؟" التقطت إحدى القطع، وقلبتها بين أصابعها، ثم أعادتها إلى مكانها. بعد ذلك دفعت القطع الأربع نحو رفاقها ببطء.: "لم يرسل أربع قطع لأن واحدة منها صحيحة." نظر إليها نيريون: "إذن لماذا؟" أغلقت قبضتها حول القطعة: "ليعرف أي واحد منا سيضحي بالآخرين كي ينجو." ساد الصمت لحظات. ثم مدت "دافني" يدها وأخذت أول قطعة. تبعها "نيريون"، ثم "إيليثرا". أما "سولو"، فكانت آخر من حمل قطعة، وكأنها أرادت أن ترى أولًا ما الذي سيختاره الآخرون قبل أن تختار هي. بعيدًا عنهم، فوق مرتفع حجري لم يصل إليه ضوء القمر، كانت "ليورا" تراقبهم. رأت "سولو" تختار القطعة. ورأت "نيريون" يرفع رأسه فجأة نحو موضعها، كأن عينيه المغطيتين استطاعتا اختراق الظلام. لم يتحرك. ولم يشر إلى وجودها. لكنه ابتسم. عندها أدركت "ليورا" الحقيقة التي جاءت لتبحث عنها. لم تكن "غورموث" تفتح طريقها أمامهم وحدها. كان أحدهم، منذ البداية، يعرف أنهم مراقبون. وفي أعماق الشرق، خلف الجبال السوداء، وقف "مرثاد فالكور" أمام خريطة "أستاريا". وُضعت فوقها خمس قطع، لا أربع.حرك القطع الأربع نحو حدود "غورموث". أما الخامسة، فتركها داخل القصر الملكي. سأله الرجل الواقف خلفه: "هل وصلوا؟" أجاب وزير الفتنة: "وصلوا إلى أول باب." _ "وهل سيدخلون؟" ابتسم "مرثاد" وهو يضع إصبعه فوق القطعة الخامسة: "الأربعة سيدخلون لأنهم يحتاجون إلينا." ثم رفع عينيه نحو شعلة زرقاء تحترق دون دفء: "أما هذا... فسيفتح لنا أستاريا لأنه يظن أنه ينقذها." انبعثت من الشعلة الزرقاء ظلال متراقصة أضفت على جدران القلعة السوداء طابعًا جنائزيًا. كان يدرك"مرثاد" تمامًا أن أخطر أنواع الخيانة هي تلك التي تلبس ثوب النبل والإنقاذ؛ فالخائن الحقيقي في "أستاريا" لا يعتقد أنه يدمر المملكة، بل يظن بوهم عقله أنه المخلص الوحيد لها. وساد الصمت في القلعة السوداء. لم يكشف "مرثاد" اسم القطعة الخامسة. لكنها كانت تحمل نقشًا صغيرًا لخاتم ملكي.