مملكة السحرة « أستاريا »

الفصل 29: القسم الثالث

القسم الثالث

الحد القديم_____________________________________________

توقفت أنفاس "سيرافينا" للحظة. حتى "راغنيرا" تحركت من مكانها، بينما استقامت "أوريانا" قرب الباب. قالت الملكة ببطء: "أنا؟" أومأت أشيرة: "عندما عرف "إيراث" أن ما تحت الأرض بدأ يستجيب من جديد، لم يخف على العرش." توقفت، وعيناها لم تفارقا وجه سيرافينا: "خاف عليكِ." امتد الصمت داخل الغرفة حتى بدا أن الجميع يسمع احتراق المشاعل. سألت سيرافينا: "لماذا؟" لم تجب "أشيرة" مباشرة. رفعت يدها إلى صدرها، إلى المكان الذي نُقش فيه التاج المكسور فوق الدرع. قالت: "لأن الدم يتذكر أشياء تنساها العقول." ضاقت عينا سيرافينا: "أي دم؟" لكن "فايرُن" ضرب كفه فوق الطاولة. لم تكن الضربة عنيفة، لكنها كانت مفاجئة بما يكفي لتقطع الحديث. قال بصوت لم يحمل هدوءه المعتاد: "لن نفتح هذا الباب الآن." نظرت إليه "أشيرة" بابتسامة حزينة: "فتحتموه منذ زمن." أجابها: "لن أسمح لك باستخدام الماضي ضدها." تغيرت نظرة سيرافينا إليه: "ضدي؟" قال بسرعة: "ليس هذا ما قصدته." _ "بل هذا ما قلته." اقتربت منه: "منذ بداية هذه الأحداث وأنت تعرف أكثر مما تقول. عرفت الخاتم، وعرفت البوابة، وعرفت ملكة الأشباح، وعرفت أن إيراث رأى ما تحت أستاريا. والآن تخبرني أن دمي مرتبط بالأمر، ثم تطلب مني ألا أفتح الباب؟" قال فايرُن: "لأن بعض الحقائق لا تحمي من يعرفها." ردت: "لكن الجهل لم يحمِ أحدًا." ظل "فايرُن" ينظر إلى "سيرافينا" دون أن يجيب، لكن شيئًا في عينيه تغيّر للحظة. لم يكن خوفًا عليها وحدها، بل خوف رجل رأى قبل سنوات ما يكفي ليعرف أن بعض الأسئلة، ما إن يُجاب عنها، لا يعود صاحبها قادرًا على العيش كما كان. أما "سيرافينا"، فقد أدركت أن صمت مستشارها لم يعد مجرد تحفظ، بل أصبح جدارًا يقف بينها وبين حقيقة تتسع كل يوم، حتى كادت تبتلع حاضرها كله. سادت لحظة مشحونة بينهما. ثم تحركت "أشيرة" ببطء ونهضت من مقعدها. صدر عن درعها صوت معدني عميق، فوضعت "راغنيرا" يدها على سيفها فورًا، لكن أشيرة لم تتجه إلى أحد. مشت نحو الجدار الجنوبي للغرفة، ومررت أصابعها فوق الحجارة. قالت: "هذه الغرفة ليست من بناء أستاريا." اقتربت "دالميرا" قليلًا: "ماذا تقصدين؟" ضغطت "أشيرة" على حجر داكن قرب الأرض. في البداية لم يحدث شيء. ثم ارتج الجدار ارتجافة خفيفة، وظهرت فوقه خطوط رمادية دقيقة، تشابكت ببطء حتى رسمت صورة جبال سوداء تحيط بوادي واسع. خلف الوادي ارتفع بناء حجري ضخم، لا يشبه قصور "أستاريا" ولا أبراج "إندورال". كانت أبراجه محفورة داخل الجبل، وفوق أعلاها ظهر الرمز نفسه: التاج المكسور. تراجع الجميع خطوة دون وعي. قالت أشيرة: "قبل أستاريا... كان لهذا المكان اسم آخر." ارتفع الضوء الرمادي فوق الجدار، فتحركت الصورة كذكرى حية. ظهرت جماعات ترتدي قطعًا سوداء حول أعناقها، ورجال ونساء يسيرون بين الصخور، بينما حلقت فوق الجبال مخلوقات ضخمة مجنحة. لكن الصورة لم تستمر طويلًا. بدأ الرماد يتساقط داخلها. ثم اختفى الناس واحدًا تلو الآخر، وبقيت المدينة فارغة تحت السماء السوداء. قالت أشيرة: "هذه ليست مملكة نبحث عن طريق للعودة إليها." ثم التفتت نحو سيرافينا: "إنها الأرض التي تقفين فوقها الآن." توقفت الصورة. بقيت حدود الجبال ظاهرة للحظات، قبل أن تتلاشى الخطوط داخل الحجر. بقي الجميع يحدق في الجدار حتى بعد اختفاء الصورة، وكأن أعينهم ترفض الاعتراف بأنها انتهت. لم يجرؤ أحد على الاقتراب من الحجارة التي أظهرت تلك الرؤيا، بينما امتدت على سطحها تشققات دقيقة لم تكن موجودة قبل لحظات، ثم اختفت ببطء كما ظهرت. حتى الهواء داخل الغرفة بدا أثقل، يحمل رائحة حجرٍ رطبٍ ظل حبيس الأعماق زمنًا أطول مما ينبغي. قالت راغنيرا: "إذا كانت هذه أرضكم، فما الذي تريدونه منا؟" عادت "أشيرة" إلى الطاولة. لكنها لم تجلس: "لا أريد عرش أستاريا." نظرت إلى "سيرافينا" مباشرة: "ولا أريد شعبها." قالت دالميرا: "إذن ماذا تريدين؟" انخفض صوت أشيرة: "أن يبقى من يستطيع أن يمنحنا الصفح حيًا." تحرك "فايرُن" بسرعة: أشيرة." لكنها تجاهلته. قالت "سيرافينا": "ومن يستطيع إنهاء هذه اللعنة؟" أجابت "أشيرة": "حين يحين وقته... سيعرف الطريق إلينا." قالت سيرافينا: "وأين هو؟" ظهر الحزن فوق وجه أشيرة من جديد: "لم يأتِ بعد." ساد الصمت. قالت راغنيرا: "إذن ما زلتم تنتظرون." نظرت إليها "أشيرة" طويلًا، ثم قالت: "ننتظر منذ زمن أطول مما تتخيلون." لكن دالميرا سألت: "إذا كان خلاصكم مرتبطًا بشخص آخر، فلماذا جئتِ إلى أستاريا الآن؟" نظرت أشيرة إلى الأرض: "لأننا قد لا نملك تلك الأعوام." صمتت لحظة. ثم قالت: "ما استيقظ تحت المملكة لا يعرف عهدنا، ولا ينتظر صفحًا، ولا يميز بين حي وميت." رفعت عينيها إلى سيرافينا: "إذا خرج كاملًا، فلن يبقى ما دُفن تحت هذه الأرض... ولن تبقى أستاريا، ولن يبقى أحد نطلب منه الغفران." قالت سيرافينا: "وكيف نوقفه؟" أجابت أشيرة: "لا تستطيعون." ارتفع التوتر في الغرفة. لكنها أضافت: "ليس وحدكم." سألت راغنيرا: "ومن نحتاج؟" نظرت "أشيرة" إلى "فايرُن" أولًا، ثم إلى سيرافينا. قالت: "نحتاج رجلًا يعرف ما أخفاه الماضي." شحب وجه سيرافينا"إيراث." أومأت أشيرة: ونحتاج الشيء الذي أخفاه قبل أن يترك العرش." سأل فايرُن: "أي شيء؟" ابتسمت أشيرة ببطء: "أنت تعرف." لم يجب. اقتربت "سيرافينا" منه: "ماذا أخفى إيراث؟" نظرت "أشيرة" إلى "فايرُن" وقالت: "إيراث لم يترك خلفه الصمت فقط." سألته "سيرافينا": "ماذا ترك؟" لكن "أشيرة" لم تجب. استدارت وغادرت الغرفة. لم يحاول أحد إيقافها. بقيت خطواتها تتردد في الممر الحجري حتى ابتلعها الصمت، لكن أثر حضورها لم يغادر الغرفة. ظلت المشاعل ترتجف بخفة، وانعكس ضوؤها على الطاولة الحجرية كأن ظلالها تأخرت عن أصحابها لحظات قبل أن تستقر من جديد. عندها فقط شعر الجميع أن اللقاء انتهى، أما الأسئلة التي تركتها خلفها، فقد بدأت للتو. ظل الباب مفتوحًا خلفها، بينما بقي أفراد المجلس في أماكنهم، غير قادرين على العودة إلى الصمت الذي عرفوه قبل دخولها. نظرت "سيرافينا" إلى "فايرُن". لم تكن في عينيها حيرة هذه المرة. بل قرار. قالت: "ستخبرني بكل شيء عرفه إيراث." لم يجب. اقتربت منه حتى لم يعد يفصل بينهما سوى طرف الطاولة. وأضافت: "وستبدأ من كتاب الرماد الأزرق." لكن قبل أن يتكلم، جاء صوت من خلف الباب. خطوات مسرعة. ثم ظهرت "ميرال"، وجهها شاحب، وفي يديها لفافة ملكية مكسورة الختم. انحنىت أمام سيرافينا وقالت: "جلالتك... وصلت رسالة من حدود إندورال." أخذتها منها "راغنيرا" بسرعة، وفتحتها. قرأت السطر الأول. ثم تغير وجهها. رفعت عينيها نحو الملكة وقالت: "الجيش الأسود عبر الحدود." ساد الصمت. قالت سيرافينا: "غورموث؟" هزت راغنيرا رأسها: "ليس حرس دريدغارد." نظرت إلى الرسالة مرة أخرى، وكأنها تأمل أن تكون قد أخطأت في القراءة. ثم أكملت: "الجنود يقولون إنهم رأوا جيشًا يسير بين الجبال... لا يحمل راية، ولا يترك آثار أقدام، ولا يتوقف عند ضوء النهار." تراجعت "دالميرا" نصف خطوة. ظل "فايرُن" ينظر إلى الباب الذي خرجت منه "أشيرة"، ثم قال بصوت منخفض: "إن لم يكن جيش غورموث... فمن يكون؟" لم يجبه أحد. ساد الصمت، قبل أن تضيف: "وهذا يعني أن جيشًا آخر سبقهم إلى إندورال." وفي أعلى القصر، دقت أجراس الإنذار. مرة واحدة. ثم مرتين. ثم بدأت تدق بلا توقف، بينما ارتفعت أصوات الحراس في الممرات، وانتشرت الأوامر بين الأبراج. وفي الخارج، فوق سماء "أستاريا"، انطفأت نجمة زرقاء واحدة. ثم ظهرت في مكانها نقطة سوداء. صغيرة في البداية. لكنها بدأت تكبر.