مملكة السحرة « أستاريا »

الفصل 34: القسم الثالث

القسم الثالث

أثر الرماد_____________________________________________

لم يغادر أحد غرفة "إيراث" بعد. كانت الساعات تمضي ببطء، بينما استمر ضوء الصباح يتسلل عبر النوافذ العالية، حتى غطى أرضية المكتب بخطوط طويلة من النور والظل. ومع كل دقيقة تمر، كان شعور غريب يتسلل إلى الحاضرين؛ شعور بأنهم لم يفتشوا المكان بعد كما ينبغي، وأن الملك السابق لم يكن من الرجال الذين يتركون أسرارهم فوق الطاولات أو بين رفوف الكتب. وقفت "سيرافينا" أمام المكتبة مرة أخرى، تتأمل الرفوف بعين مختلفة هذه المرة. لم تعد تبحث عن كتاب بعينه، ولا عن مخطوطة تحمل اسمًا تعرفه، بل أصبحت تبحث عن أثر... عن عادة... عن تفصيل صغير قد يقودها إلى الخطوة التالية. أما "فايرُن"، فقد ظل صامتًا منذ انتهائهم من قراءة الدفاتر. كان يجول بنظره في الغرفة كما لو أنه يراها لأول مرة، رغم أنه دخلها عشرات المرات في حياة "إيراث". أدرك أن الملك الراحل لم يكن يخفي أسراره داخل الأشياء الظاهرة، بل داخل ما اعتاد الناس تجاهله. اقترب من الطاولة الرئيسية، ثم انحنى قليلًا. تحت حافتها الخشبية، حيث لا تقع العين عادة، لاحظ أثر خدش طويل يمتد بمحاذاة الخشب. مرر أصابعه فوقه ببطء. ثم ضغط على طرفه. صدر صوت خافت. تبادل الجميع النظرات. وفي اللحظة التالية، انزلق جزء صغير من الطاولة إلى الداخل، كاشفًا عن تجويف ضيق لم يكن ظاهرًا من قبل. اقتربت "راغنيرا" بسرعة: "مخبأ." أخرج "فايرُن" ما بداخله بحذر. لم يكن صندوقًا مليئًا بالأسرار، كما توقعت "راغنيرا"، بل أسطوانة حجرية صغيرة، أغلقت من طرفيها بغطاءين نحاسيين، وقد نُقش على سطحها الرمز نفسه الذي تكرر في بعض دفاتر "إيراث". ناولها إلى الملكة. تأملتها طويلًا. ثم نزعت الغطاء. ساد صمت قصير. لم يكن داخلها رق، ولا رسالة. بل كمية قليلة من مسحوق أزرق مائل إلى الرمادي، احتفظ بلونه رغم مرور السنوات. اقتربت "دالميرا" بحذر: "رماد؟" لم يجب أحد. مد "فايرُن" إصبعًا واحدًا، ولمس الحبيبات برفق شديد. ثم سحب يده فورًا. ظل ينظر إلى أطراف أصابعه لحظة. وقال بصوت منخفض: "ليس رمادًا عاديًا." اقتربت "سيرافينا" منه: "هل تعرفه؟" هز رأسه ببطء: "لا." ثم أضاف: "لكنني رأيته من قبل." التفتت إليه راغنيرا: "أين؟" طال صمته. ثم قال: "على عباءة إيراث." ساد الصمت. رفعت "سيرافينا" عينيها إليه: "متى؟" ابتسم ابتسامة شاحبة: "قبل اختفائه بوقت قصير." أعادت "سيرافينا" النظر إلى المسحوق. كان ساكنًا تمامًا. لكنها شعرت، لسبب لم تستطع تفسيره، أن لونه لا يشبه أي لون عرفته من قبل. لم يكن أزرق خالصًا، ولا رماديًا، بل شيئًا بين الاثنين، كأن الضوء نفسه يعجز عن الاستقرار فوقه. قالت دالميرا: "هل جمعه من إحدى رحلاته؟" ظل "فايرُن" ينظر إلى الأسطوانة الحجرية لحظات طويلة، وكأنها أعادت إليه ذكرى حاول نسيانها. قال أخيرًا: "كان يعود من بعض رحلاته متعبًا على غير عادته." سألت سيرافينا: "بسبب القتال؟" هز رأسه ببطء: "لم يكن يحمل على درعه أثر معركة... بل كان يبدو وكأنه أمضى أيامًا يناقش شخصًا لا يريد أن يجيبه." تبادلت "راغنيرا" و"دالميرا" نظرة قصيرة. ثم قالت راغنيرا: "وهل كان يخبرك بما وجده؟" ابتسم ابتسامة باهتة: "كان يخبرني بما لم يجده." ساد الصمت. ثم أضاف: "وكلما عاد خالي الوفاض... ازداد يقينًا بأنه يسير في الطريق الصحيح." أجاب فايرُن: "على الأغلب." ثم رفع الأسطوانة قليلًا. لاحظ الجميع وجود كتابة دقيقة محفورة على قاعدتها. اقتربوا منها. لم تكن سوى ثلاث كلمات.

«الأثر... لا المصدر.»

قرأتها "سيرافينا" أكثر من مرة. ثم قالت: "ما الذي قصده؟" أجاب "فايرُن" دون أن يرفع عينيه عن الكتابة: "كان يفرق دائمًا بين الشيء... وبين ما يتركه خلفه." سكت لحظة. ثم أضاف: "ربما أدرك أن الوصول إلى الأصل مستحيل... فبدأ يتتبع آثاره." ساد صمت طويل. لم يكن أحد يملك جوابًا. لكن الجميع شعر أن تلك الكلمات تصف رحلة "إيراث" كلها. وضعت "سيرافينا" الأسطوانة فوق الطاولة بحذر. ثم بدأت تتفقد التجويف الذي خرجت منه. كان ضيقًا، لكنه لم يكن فارغًا. في آخره استقرت قطعة قماش صغيرة، طويت بعناية. أخرجتها. كانت قديمة جدًا، حتى إن أطرافها بدأت تتآكل. فتحتها ببطء. سقط منها شيء صغير فوق الطاولة. حجر. بحجم عقلة الإصبع. داكن اللون. لكن في قلبه خيط أزرق رفيع، بدا كأنه محبوس داخل الحجر منذ زمن بعيد. التقطته "دالميرا". قلبته بين أصابعها: "لم أرَ حجرًا كهذا."قالت راغنيرا: "ولا أنا." أما "فايرُن"... فبقي ينظر إليه بصمت. قالت سيرافينا: "هل تعرفه؟" أجاب بعد لحظة: "لا أعرف اسمه." ثم أضاف: "لكن إيراث عاد به من إحدى رحلاته." _ "إلى أين؟" هز رأسه: "لم يخبرني." وضعت "سيرافينا" الحجر إلى جانب الأسطوانة. ثم نظرت إلى الأشياء القليلة التي تركها "إيراث". لم يكن بينها شيء يفسر رحلته. ولا شيء يدل على مكان الكتاب. لكنها لاحظت أمرًا آخر. كل ما احتفظ به الملك السابق... لم يكن ذا قيمة بحد ذاته. بل لأنه أثر لشيء أكبر. قالت بهدوء: "لم يكن يجمع الكنوز." أخذت "دالميرا" الحجر الداكن مرة أخرى، ورفعته أمام ضوء النافذة. بدا الخيط الأزرق المحبوس في داخله أكثر وضوحًا، لكنه لم يكن يتوهج، بل بدا كأنه يحتفظ بوميض قديم انطفأ منذ زمن. قالت: "الغريب أنه لا يشبه أي معدن أعرفه." اقتربت "راغنيرا"، ثم قالت: "ولا أي حجر من جبال أستاريا." بقي "فايرُن" صامتًا. كانت عيناه معلقتين بالحجر، كأن ذاكرته تحاول أن تستعيد مكانًا رآه فيه قبل سنوات. لكنه قال في النهاية: "إيراث لم يكن يحتفظ بشيء لأنه نادر..." ثم نظر إلى سيرافينا: "...بل لأنه كان يعتقد أن لكل أثر قصة لم تُروَ بعد." رفع فايرُن رأسه. أكملت: "كان يجمع الشواهد." ابتسم المستشار لأول مرة منذ بداية الصباح: "وهذا ما حيّرني فيه دائمًا." اقترب من النافذة. ثم قال بصوت أقرب إلى نفسه منه إلى الآخرين: "كان يقول إن الأشياء العظيمة لا تترك نفسها خلفها..." استدار نحوهم: "...بل تترك أثرها." ساد الصمت. ثم مدت "سيرافينا" يدها إلى إحدى الخرائط الصغيرة الموضوعة داخل التجويف. لم تكن خريطة للممالك. بل رسمًا بسيطًا للقارة، خاليًا من الحدود السياسية. لاحظت سبع علامات صغيرة موزعة في أماكن متباعدة. إحدى تلك العلامات كانت مرسومة بحبر أزرق باهت، بينما بقيت العلامات الأخرى سوداء. تأملتها طويلًا. ثم رفعت نظرها إلى فايرُن: "هل تعرف ماذا تمثل؟" اقترب منها. ظل يحدق في الخريطة لحظات. ثم قال بصراحة لم يعتدها منه أحد: "لا." ساد هدوء عميق داخل الغرفة. لكن أحدًا لم يشعر بالإحباط. للمرة الأولى، لم يكن بحثهم يدور حول كتاب مفقود... بل حول رجلٍ أدرك، قبل الجميع، أن الطريق إلى الحقيقة لا يبدأ من امتلاكها... بل من تتبع الآثار التي تتركها خلفها. قلبت الخريطة بين يديها مرة أخرى. لم تكن العلامات السبع موزعة عشوائيًا، بل بدت كأنها ترسم مسارًا غير مكتمل، يبدأ من مكان، ثم ينقطع، ثم يعود للظهور في موضع آخر من القارة. مررت إصبعها فوق إحدى العلامات السوداء، ثم توقفت عند العلامة الزرقاء. قالت: "إيراث لم يكن يرسم حدود الممالك." رفعت رأسها نحو فايرُن: "كان يتتبع شيئًا... يتحرك بينها." انعكس ضوء الفجر المتسلل من العلياء على وجه الخريطة، فبدا الحبر الأزرق الباهت وكأنه ينبض بحياة خفية تحت لمسات أطراف أصابع الملكة. خيم هدوء ثقيل شابه صرير الخشب القديم في أركان الغرفة، بينما كانت نظرات "فايرُن" العميقة تتنقل بين الرماد والمسحوق والحجر الداكن. شعرت "راغنيرا" ببرودة مباغتة تسري في جو الصباح، وكأن المكان أدرك أخيراً أن أسراره لم تعد طليقة. أدرك الجميع أن العلامة الزرقاء لم تكن سوى نقطة البداية لرحلة طويلة ستتطلب منهم الخوض في ظلال لم يجرؤ أحد على كشفها من قبل. لم يجب. لكنه لم يعترض أيضًا.

يتبع...