القسم الرابع
مجلس الظلال___________________________________________
ظل صدى الكلمات الأخيرة يتردد داخل قاعة الميثاق السحري كأنه لم ينتهِ بعد. "مملكة الأشباح." الاسم وحده كان كافيًا ليجعل القاعة تبدو أصغر، أبرد، وأكثر اختناقًا. حتى الجدران الحجرية العتيقة، التي شهدت حروبًا وطقوسًا ومجالس ملوك عبر قرون طويلة، بدت وكأنها تحمل خوفًا قديمًا عاد ليستيقظ من جديد. الاهتزاز الذي ضرب القلعة قبل لحظات لم يتوقف أثره بالكامل. غبار ناعم ما يزال يتساقط ببطء من بين الشقوق العليا للأعمدة، بينما كانت المشاعل الزرقاء تستعيد اشتعالها تدريجيًا، واحدة تلو الأخرى، كأن السحر داخل القاعة يحاول أن يعيد توازنه بصعوبة. لكن شيئًا ما كان قد تغيّر بالفعل. شيء لا يتعلق بالجدران أو الأرض... بل بالحاضرين أنفسهم. وقفت الملكة "سيرافينا" قرب العرش بثبات حاولت الحفاظ عليه أمام الجميع، غير أن عينيها كانتا تتحركان بصمت بين الوجوه المحيطة بها. تراقب ردود الفعل، الخوف، الارتباك، والشك الذي بدأ يتمدد داخل القاعة مثل دخان غير مرئي. لأول مرة منذ جلوسها على العرش، شعرت أن السلطة وحدها قد لا تكون كافية لحماية المملكة. "راغنيرا" كانت ما تزال قابضة على سيفها، لكن توترها لم يعد موجهًا نحو المرأة الغامضة فقط... بل نحو كل شيء. الحراس تبادلوا نظرات مرتبكة، و"دالميرا" بقيت صامتة بصورة غير معتادة، تراقب المشهد بعينين ضيقتين كأن عقلها يحاول جمع قطع لعبة أكبر مما يبدو. أما الشخص الوحيد الذي لم يظهر عليه الذعر الكامل... فكان "فايرُن". وقف المستشار بصمت طويل، ثم رفع عينيه نحو المرأة ذات الدرع الأسود وقال بهدوء غريب: "إذن... حدث أخيرًا." التفتت الأنظار نحوه فورًا. حتى "سيرافينا" نظرت إليه بحدة. لكن "راغنيرا" كانت الأسرع. رفعت سيفها باتجاهه مباشرة، وخطت خطوة قوية إلى الأمام حتى دوّى صوت درعها داخل القاعة: "كنت تعلم؟!" لم يجب فورًا. بقيت عيناه على المرأة الرمادية، وكأن وجودها وحده أكد شيئًا كان يخشاه منذ سنوات طويلة. ذلك الصمت القصير جعله يبدو أكثر إدانة من أي اعتراف. شعرت "أوريانا" بالتوتر يتصاعد داخل القاعة بسرعة خطيرة. خطوة واحدة خاطئة، كلمة واحدة غير محسوبة... وقد يتحول المجلس كله إلى ساحة قتال. لكن قبل أن تنفجر المواجهة، تحركت "دافني". فتحت كتاب الميثاق الأسود مرة أخرى بحذر واضح، وهذه المرة كانت يداها أقل ثباتًا من المعتاد. الصفحات الثقيلة بدأت ترتجف ببطء، وكأن الكتاب نفسه يشعر بالخطر الذي يقترب. همست بصوت خافت: "الميثاق لم يهتز هكذا منذ... قرون." كانت الكلمات موجهة لنفسها أكثر من أي شخص آخر. اقتربت المرأة الغامضة خطوة إضافية داخل القاعة. صوت درعها الأسود ارتطم بالأرض الحجرية بإيقاع بطيء وثابت، لا يحمل خوفًا ولا ترددًا. قالت بهدوء: "لم آتِ لأحاربكم." ضحكت "دالميرا" بسخرية باردة، لكن خلف سخريتها كان هناك قلق حقيقي: "دخلتِ قصر أستاريا كالشبح... وأيقظتِ الأرض نفسها... وتقولين إنكِ لم تأتِ للحرب؟" رفعت المرأة رأسها قليلًا، وعيناها الرماديتان انعكست فيهما أضواء المشاعل المرتجفة: "الحرب..." توقفت لحظة قصيرة: "...بدأت منذ زمن طويل." ساد الصمت من جديد. لكن هذه المرة لم يكن صمت صدمة فقط، بل صمت أشخاص بدأوا يدركون أن ما يحدث أكبر بكثير مما ظنوه.ثم نظرت المرأة مباشرة إلى الملكة "سيرافينا": "لكنكم لم تلاحظوا." شعرت "سيرافينا" بأن الكلمات أصابتها شخصيًا. ليس كإهانة... بل كاتهام. اتهام بأن المملكة كانت تسير نحو الهاوية بينما الجميع ينظر إلى الاتجاه الخطأ. وفي تلك اللحظة تحديدًا... فُتح باب القاعة مرة أخرى. لكن هذه المرة لم يكن دخوله صادمًا كسابقه، بل ثقيلًا بطريقة مختلفة. دخل أحد الحراس بسرعة، وعلى صدر درعه ختم جزيرة السادة. انحنى أمام الملكة: "مولاتي... رسول من جزيرة السادة." عقدت "سيرافينا" حاجبيها فورًا: "الآن؟" هز الحارس رأسه بتوتر: "يقول إن الأمر... يخص مملكة الأشباح." انتشرت الهمسات من جديد. حتى "نيريون" رفع رأسه ببطء، وكأن الاسم أصبح يطارده أينما نظر. تبادلت الملكة النظرات مع "أوريانا" للحظة قصيرة، ثم قالت: "دعه يدخل." فُتح الباب. ودخل الرجل. كان طويل القامة، يرتدي ملابس فاخرة لكنها بسيطة بصورة متعمدة، كأن صاحبها لا يحتاج لإظهار سلطته كي يشعر بها الآخرون. عباءته الداكنة تحركت بهدوء خلفه، وعيناه كانتا حادتين بصورة غير مريحة، تتحركان بين الحاضرين بسرعة شخص اعتاد قراءة الناس أكثر من قراءة الكتب. ابتسم ابتسامة خفيفة وهو ينحني باحترام مدروس: "تشرفت بلقاء مجلس أستاريا." قالت "دافني" ببرود: "عرّف نفسك." رفع الرجل رأسه ببطء: "اسمي..." توقف لحظة قصيرة، كأنه يعرف أثر الاسم قبل قوله: "...اللورد زاهير." في الحال، تغيّر الجو داخل القاعة مرة أخرى. اسم "زاهير" لم يكن اسم رجل عادي. كان اسمًا يحيط به الغموض في كل الممالك. بعضهم يقول إنه تاجر أسرار، وبعضهم يراه جاسوسًا، وآخرون يعتقدون أنه يعرف أشياء لا يجب أن يعرفها أي إنسان. لكن الجميع اتفقوا على شيء واحد... وجوده لا يأتي مصادفة أبدًا. تحركت عيناه بهدوء بين الحاضرين، ثم توقفت أخيرًا على "فايرُن". ابتسم. ابتسامة صغيرة جدًا، لكنها بدت كأنها تحمل سنوات طويلة من الذكريات: "مرت سنوات طويلة... يا صديقي القديم." شعرت "أوريانا" فورًا بأن شيئًا خفيًا مرّ بين الرجلين. "فايرُن" لم يتحرك، لكن نظراته تغيرت قليلًا، كأن اسمًا قديمًا أو ذكرى بعيدة مرت داخله للحظة. اقتربت "أوريانا" من الملكة وهمست: "مولاتي... هناك أشياء لا تُقال هنا." لكن "زاهير" سمعها. ضحك بخفة هادئة: "لا تقلقي." ثم أدخل يده داخل عباءته وأخرج لفافة قديمة مربوطة بخيط جلدي داكن. وضعها فوق الطاولة الحجرية ببطء: "جئتكم بهدية." اقتربت "دافني" بحذر، ثم فتحت اللفافة. كانت خريطة. لكنها لم تشبه خرائط الممالك المعروفة. الورق نفسه بدا قديمًا بصورة مخيفة، وحوافه محترقة قليلًا، أما منتصف الخريطة... فكان يحتوي منطقة مظلمة بالكامل، كأن أحدهم محا ذلك المكان عمدًا من العالم. همست "إيليثرا": "...هذا المكان غير موجود." لكن "زاهير" ابتسم دون أن ينظر إليها: "بالطبع موجود." ثم رفع عينيه نحو المرأة ذات الدرع الأسود: "...أليس كذلك، يا ملكة الأشباح؟" ساد الصمت مجددًا. حتى الهواء بدا متوترًا. ثم قال "زاهير" جملة واحدة فقط... جملة بدت وكأنها ألقيت داخل القاعة لتفجيرها من الداخل: "المشكلة ليست أن مملكة الأشباح عادت." اقترب خطوة بطيئة من الطاولة: "...المشكلة أن هناك شخصًا في هذا المجلس... هو من أعادها." وفي لحظة واحدة، انفجر التوتر. "راغنيرا" رفعت سيفها فورًا. "لارا" وضعت يدها على خنجرها. الحراس تحركوا بقلق. "أوريانا" وقفت مباشرة أمام الملكة. أما "دافني"... فبقيت تحدق في الخريطة. وجهها أصبح شاحبًا أكثر من السابق. همست: "...هذا الرمز." رفعت رأسها ببطء: "لقد رأيته من قبل." التفت الجميع نحوها. قالت بصوت منخفض: "...في ختم الطقوس الذي جلبته أزرين." ساد الصمت مرة أخرى، لكنه لم يعد صمت خوف فقط... بل صمت شك... شك بدأ ينتشر بين الجميع. كل شخص داخل القاعة بدأ ينظر إلى الآخر بطريقة مختلفة. من الخائن؟من يكذب؟ومن كان يعرف أكثر مما قال؟ ثم قالت "دافني" الجملة التي أشعلت الظلال داخل المجلس كله: "الشخص الذي كسر الميثاق..." نظرت حولها ببطء: "...يقف بيننا الآن." وفي تلك اللحظة... ابتسم اللورد "زاهير". ابتسامة رجل بدا وكأنه استمتع تمامًا بالفوضى التي زرعها داخل القاعة. لم تكن تلك الابتسامة مجرد تعبير عن السعادة بالفتنة، بل كانت كإلقاء جمرة ملتهبة في حقل من القش الجاف، حيث جمدت الدماء في عروق الحاضرين وسرت قشعريرة باردة أحرقت الدفء المتبقي في قاعة الميثاق. تلاقت الأعين في تبادل صامت لاتهامات خطيرة؛ "راغنيرا" الممسكة بسيفها بكتفين مشدودين جالت بصرها بين المستشار "فايرُن" واللورد "زاهير"، بينما تراجعت الكاهنة "إيليثرا" خطوة إلى الخلف وكأنها تحاول الهروب من هالة الشك الخانقة التي أصبحت أثقل من سحر المكان نفسه. حتى الضوء الأزرق المنبعث من المشاعل المرتجفة بدا وكأنه يتقلص ويتراجع، مفسحاً المجال لظلال حجرية طويلة تتمدد على الجدران وتتداخل مع أجساد الحاضرين. كأن المجلس قد أحيط بالفعل بأشباه ظلال تحصي عليهم أنفاسهم المتهدجة وتنتظر اللحظة المناسبة للإطباق عليهم. وفي قلب ذلك الصمت المسموم، وقفت الملكة "سيرافينا" كالتمثال، تُحس بشيء يتكسر في داخله عماد مملکتها العتيدة؛ فلم يعد الخطر يقف خارج أسوار القصر أو عند أطراف الحدود القاحلة، بل بات يتنفس معهم نفس الهواء، ويقف تحت بساط التاج وعلى مسافة خطوتين من مقاليد الحكم. ابتسامات الظل، ونظرات الحراس المترددة، ورجفة كتاب الميثاق الأسود بين يدي "دافني"، كلها كانت أدلة صامتة على أن ميثاق "أستاريا" القديم لم يَعُد مجرد وثيقة حُفظت فيها القوانين، بل أضحى كفناً يلتف ببطء حول عنق المملكة بأسرها. ألقت الملكة نظرة أخيرات نحو اللورد "زاهير" والامرأة ذات الدرع الأسود، مدركة أن معركة السحر لم تبدأ بالسيوف والتعاويذ بعد... بل بدأت بتلك الشكوك القاتلة التي تمزق أواصر الثقة بين رجالها، وأن العرش الذي تجلس عليه بات يلقي بظلالٍ أشد سواداً مما كانت تتخيل في أسوأ كوابيسها.