مملكة السحرة « أستاريا »

الفصل 7: القسم الثاني

القسم الثاني

فارسة من الظل_________________________________________

لم يكن الصمت الذي خيّم على الأرشيف الملكي القديم صمتًا عاديًا. كان من ذلك النوع الذي يجعل الإنسان يسمع نبضات قلبه بوضوح، ويشعر بثقل أنفاسه داخل صدره. صمت يشبه المقابر المنسية، أو المعابد المهجورة التي غادرها أصحابها منذ قرون لكن أرواحهم ما زالت تتجول بين جدرانها. بعد فتح الباب الحجري، بدا وكأن الزمن نفسه قد تغيّر. المشاعل التي حملها الجنود ألقت أضواءً متراقصة فوق الرفوف الهائلة الممتدة في الأعماق، فكانت الظلال تتحرك فوق الجدران وكأن أشخاصًا مجهولين يراقبون القادمين من بين الكتب القديمة. أما الهواء، فكان مختلفًا عن أي مكان آخر في القصر. باردًا، جافًا، مشبعًا برائحة الورق العتيق والغبار المتراكم منذ عشرات السنين. وقفت الملكة "سيرافينا" في منتصف القاعة الجديدة، وعيناها تتجولان بين الرفوف العالية والخرائط الصفراء المعلقة على الجدران. كانت تشعر بأنها لا تدخل أرشيفًا فحسب، بل تدخل جزءًا من تاريخ المملكة تم إخفاؤه عمدًا عن الجميع. أخيرًا توقفت نظراتها عند اللوحة الضخمة المعلقة في نهاية القاعة. لوحة الملك "إيراث." بدا الرجل في الرسم شامخًا كما تصفه الكتب القديمة. تاج "أستاريا" القديم فوق رأسه، وملامحه تحمل تلك الهيبة التي جعلت الناس يتحدثون عنه حتى بعد اختفائه بسنوات طويلة. لكن شيئًا ما في عينيه المرسومتين لم يمنحها الشعور بالراحة. بدا وكأنه ينظر إليهم من داخل اللوحة نفسها. وكأنه يعرف أنهم سيأتون يومًا. قالت "سيرافينا" بصوت منخفض اختلط صداه بصمت القاعة: "لماذا لم يخبرني أحد عن هذا المكان؟" لم يجب أحد فورًا. تحركت المشاعل قليلًا مع تيار هواء بارد مرّ عبر القاعة، بينما تبادل الحاضرون نظرات قصيرة. كان السؤال مشروعًا. بل متأخرًا. كيف يمكن لملكة "أستاريا" أن تجهل وجود أرشيف كامل داخل قصرها؟ وكيف استطاع أحد أن يخفي كل هذا طوال تلك السنوات؟ أخيرًا تكلم "فايرُن". كان واقفًا قرب أحد الرفوف، يمرر أصابعه فوق غلاف كتاب قديم مغطى بالغبار. قال بهدوء: "لأن هذا المكان... كان من أوامر الملك إيراث نفسه." التفتت إليه "سيرافينا" مباشرة. شعرت بشيء من الغضب يتسلل إلى داخلها: "أوامره؟" هز رأسه ببطء: "قبل أن يتنازل عن العرش بثلاثة أيام." ساد صمت جديد. لكن هذه المرة كان أثقل. ثلاثة أيام. ثلاثة أيام فقط فصلت بين إنشاء هذا الأرشيف واختفاء الملك. ولأول مرة بدأت الملكة تشعر بأن كل ما قيل لها عن تلك المرحلة لم يكن سوى جزء صغير من الحقيقة. اقتربت "دافني" من إحدى الطاولات الحجرية القديمة. مررت أصابعها فوق طبقة كثيفة من الغبار: "الميثاق لا يذكر هذا الأرشيف." قالتها وهي ما تزال تحدق في الغبار المتجمع تحت يدها. فأجابها "فايرُن" دون أن يرفع رأسه: "لأنه لم يُكتب في الميثاق." التفتت "أوريانا" نحوه فورًا: "كيف يمكن لملك أن يخفي شيئًا عن الميثاق؟" كان السؤال صادمًا بحد ذاته. فالميعاد والعهود والقوانين في "أستاريا" كلها تمر عبر الميثاق. الميثاق كان أساس الحكم. أساس السلطة. أساس المملكة. لكن "نيريون" كان ينظر إلى شيء آخر. إلى الرمز المحفور خلف لوحة الملك إيراث. رمز الأشباح. كلما حدق فيه أكثر، ازداد شعوره بعدم الارتياح. قال بصوت خافت: "لأن الميثاق لم يكن أقدم شيء في هذه المملكة." شعر الجميع بالبرودة التي حملتها تلك الكلمات. حتى المشاعل بدت وكأنها خفتت قليلًا. تبادل الحاضرون النظرات. لكن قبل أن يعلق أحد... صدر صوت. صوت معدن خفيف. قصير جدًا. لكنه كان كافيًا. التفت الجميع فورًا نحو نهاية القاعة. هناك... في الظلام بين الرفوف. تحرك شيء. قبضت "راغنيرا" على سيفها فورًا. وصوت المعدن الخارج من غمده دوّى داخل الأرشيف: "من هناك؟" لكن الظلام لم يجب. بقي ساكنًا للحظات. ثم... تحرك الظل من جديد. هذه المرة بوضوح أكبر. تحركت "لارا" إلى الأمام. خطواتها كانت هادئة ومدروسة. يدها فوق مقبض سيفها. وعيناها لا تفارقان الظلام. قالت بصوت منخفض: "أظهري نفسك." مرت لحظات طويلة. بدت أطول مما هي عليه. ثم... خرجت المرأة من بين الرفوف. في البداية ظهر الدرع. درع أسود نحيف يلتف حوله بريق فضي خافت. ثم ظهرت الملامح. وجه شاحب. شعر داكن. عينان تحملان سنوات طويلة من التعب والصمت. وعندما سقط ضوء المشاعل فوق وجهها بالكامل... تجمد الجميع. شعرت "سيرافينا" وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها. اتسعت عيناها ببطء. ولم تخرج منها سوى كلمة واحدة: "...ليورا." بقيت المرأة واقفة في مكانها. صامتة. هادئة. كأنها خرجت من حلم قديم. لكنها لم تكن شبحًا. كانت حقيقية. حقيقية بصورة مرعبة. "ليورا". صيادة الظلال. المرأة التي اختفت في الليلة نفسها التي اختفى فيها الملك "إيراث". المرأة التي اعتقد نصف المملكة أنها ماتت. والنصف الآخر فضّل ألا يسأل. مرت لحظات طويلة قبل أن تتكلم. وعندما تكلمت... كان صوتها مختلفًا عما تتذكره "سيرافينا". أعمق. أثقل. يحمل سنوات طويلة من الوحدة: "مر وقت طويل يا مولاتي." لم يتحرك أحد. حتى "فايرُن" بدا وكأنه لم يكن يتوقع هذه اللحظة. أما "أوريانا"... فكانت أول من استعاد رباطة جأشه. رفعت سيفها فورًا: "توقفي حيث أنتِ." لكن "ليورا" لم تنظر إليها. لم تنظر إلى أحد. كانت عيناها معلقتين بسيرافينا فقط. وكأن بقية القاعة غير موجودة. قالت بهدوء: "كنت أعلم أنك ستجدين هذا المكان يومًا." شعرت الملكة بأن عشرات الأسئلة تتصارع داخل رأسها. لكن سؤالًا واحدًا خرج أولًا: "أين كنتِ كل هذه السنوات؟" ابتسمت "ليورا". ابتسامة صغيرة جدًا. مليئة بالتعب: "...في المكان الذي اختفى فيه الملك." ساد الصمت. شعرت "دالميرا" بأن قلبها انقبض. أما "نيريون" فتقدم خطوة: "إذن الملك إيراث لم يمت." نظرت إليه "ليورا". وفي عينيها ظهر شيء غامض: "لم أقل ذلك." لكن "فايرُن" تكلم فجأة. وبصوت بدا وكأنه يخرج من أعماق الماضي: "بل هو حي." التفت الجميع نحوه. أما هو فلم يكن ينظر إلا إلى "ليورا": "...أليس كذلك؟" مرت لحظة طويلة. طويلة جدًا. ثم قالت "ليورا": "...الملك لم يمت." شعرت القاعة كلها وكأنها نسيت كيف تتنفس. لكن "ليورا" أكملت قبل أن يتكلم أحد: "لكنه لم يعد ملكًا." أحست "سيرافينا" بأن عالمها كله بدأ يتغير. كل ما عرفته. كل ما تعلمته. كل ما قيل لها عن الماضي. بدأ يتصدع أمامها. رفعت رأسها ببطء: "لماذا تنازل؟" التفتت "ليورا" نحو رمز التاج المكسور خلف اللوحة. وبقيت تحدق فيه للحظات. ثم قالت: "لأنه رأى ما تحت أستاريا." لم يفهم أحد. لكن "نيريون" همس فورًا: "...الأشباح." هزت "ليورا" رأسها ببطء: "ليس الأشباح." ثم استدارت نحو الجميع. وفي عينيها شيء جعل الصمت يزداد ثقلاً: "...ما أيقظ الأشباح." وانخفضت برودة غريبة فوق القاعة. كأن الكلمات نفسها حملت معها ظلًا قديمًا. في تلك اللحظة دوّى ضحك خافت. التفت الجميع.كان "زاهير" يقف عند المدخل. يراقب. يبتسم. كعادته. قال بهدوء: "كنت أعلم أنك ستعودين." نظرت إليه "ليورا" ببرود: "وأنا أعلم أنك ستصل قبل الجميع." اقترب خطوة: "أخبرينا إذن." وأشار إلى الأرض تحت أقدامهم: "...ما الذي يوجد تحت هذه المملكة؟" لكن "ليورا" لم تجب. بل التفتت إلى "سيرافينا". وقالت ببطء: "السؤال ليس ما يوجد تحت المملكة." توقفت لحظة: "...السؤال هو: من الذي يحاول إيقاظه." شعر الجميع بالتوتر فورًا. بدأت النظرات تتحرك بين الحاضرين. "راغنيرا". "أوريانا". "فايرُن". "دافني". "إيليثرا". "نيريون". "زاهير". الجميع. ثم قالت "ليورا": "الخيانة بدأت منذ سنوات." وسكتت. لكن عينيها استقرتا على شخصٍ ما. شخص لم تذكر اسمه. وفي اللحظة التالية... اهتزت الأرض. لكن هذه المرة لم يكن اهتزازًا عاديًا. بل ضربة هائلة جاءت من الأعماق. من تحت القلعة مباشرة. سقط الغبار من السقف. واهتزت الرفوف. وتمايلت المشاعل. ورفع "نيريون" رأسه ببطء. كان وجهه شاحبًا بصورة مخيفة. همس: "...لقد استيقظ." قالت "سيرافينا" بسرعة: "ماذا استيقظ؟" لكن "ليورا" كانت ما تزال تنظر إلى الأرض. وكأنها تسمع شيئًا قادمًا من الأعماق. ثم قالت بصوت خافت: "...الحارس." ورفعت رأسها أخيرًا. ونظرت إلى الجميع: "...ومع استيقاظه ستبدأ الحرب."