مملكة السحرة « أستاريا »

الفصل 9: القسم الرابع

القسم الرابع

مجلس الممالك__________________________________________

لم يكن كل العالم يعيش ما تعيشه "أستاريا." فبينما كانت الأرض تهتز تحت القصر الملكي، والتماثيل القديمة تتحرك في ساحات المملكة، والأسرار المدفونة منذ قرون تخرج من ظلماتها الواحدة تلو الأخرى، كانت أنظار بقية الممالك تتجه نحو الغرب، نحو المملكة التي كانت طوال التاريخ حارسة التوازن السحري في العالم. وصلت الأخبار متأخرة إلى بعض الممالك، ومشوهة إلى بعضها الآخر، لكن شيئًا واحدًا كان مشتركًا بين جميع الروايات. "أستاريا" تغيرت. ولهذا دُعي إلى الاجتماع الطارئ. في قلب البحر العظيم، حيث تتقاطع طرق السفن التجارية والعسكرية القادمة من الشرق والغرب والشمال والجنوب، ارتفعت جزيرة السادة "برافوس" فوق المياه كأنها قطعة حجرية اقتطعت من زمن آخر. لم تكن الجزيرة كبيرة مقارنة بالممالك العظمى، لكنها كانت تمتلك ما لا تمتلكه الجيوش ولا القلاع. الحياد. ولهذا السبب بقيت جزيرة السادة "برافوس" طوال قرون المكان الوحيد الذي يستطيع فيه الحكام الجلوس حول طاولة واحدة دون أن تتحول القاعة إلى ساحة حرب. كانت قاعة المجلس الكبرى تطل على البحر مباشرة. جدرانها الحجرية العالية تحمل آثار آلاف الاجتماعات القديمة، وسقفها المقبب مزين بشعارات الممالك المختلفة التي تعاقبت عبر العصور. أما النوافذ العملاقة فكانت مفتوحة على الأمواج الرمادية التي تضرب الصخور أسفل الجزيرة بإيقاع ثابت يشبه دقات ساعة عملاقة لا تتوقف. وفي وسط القاعة امتدت طاولة طويلة منحوتة من خشب أسود نادر. فوقها وضعت رايات الممالك. راية "أستاريا" الزرقاء. تاج فضي تتوسطه بلورة زرقاء. راية ذهبية ورمز شجرة السنديان لمملكة العرب, "السنديان" راية صفراء وتتوسطه النجمة الزرقاء لمملكة البدو. "أسترال" راية البيضاء مع شعار الميزان لجزيرة السادة. "برافوس" وراية خضراء داكنة تحمل رمز الغصن الأزلي، راية مملكة "إندورال "، موطن الألف. أما في أبعد زاوية من الطاولة فكانت هناك راية حمراء تحمل شعار الشعلة السوداء. راية لم يكن أحد يرغب في النظر إليها طويلًا. راية مملكة "غورموث". بدت كأنها بقعة ظلام بين بقية الألوان. ودخل أول الحكام... كانت امرأة طويلة القامة، ترتدي عباءة صحراوية داكنة مطرزة بخيوط فضية دقيقة. خطواتها كانت هادئة لكنها واثقة، كخطوات شخص اعتاد السير فوق الرمال الحارقة والعواصف دون أن ينحني. أعلن أحد الحراس بصوت مرتفع: "جلالة ملكة البدو. "ماوية العظيمة" تقدمت حتى وصلت إلى الطاولة. نظرت إلى الرايات واحدة تلو الأخرى. ثم توقفت عند راية "أستاريا". طال صمتها قليلًا. قبل أن تقول بهدوء: "إذن كانت الأخبار صحيحة." لم يكن في صوتها خوف. بل قلق شخص يدرك أن الأحداث الكبرى لا تبقى محصورة داخل حدود مملكة واحدة. جاءها الرد من الطرف الآخر للقاعة. رجل كان يقف قرب النافذة المطلة على البحر. يرتدي رداءً ملكية بلون الرمل منسوجًا بخيوط ذهبية، وعلى كتفيه عباءة ملكية تحمل رمز شجرة السنديان العظيمة. التفت ببطء نحوها. وقال: "إذا كنتِ تقصدين ما حدث في أستاريا..." ثم نظر إلى البحر للحظة. "...فنعم." أعلن الحارس: "جلالة الملك "حارث"، ملك مملكة العرب, "السنديان." اقترب الملك من الطاولة. كانت ملامحه هادئة، لكن عينيه حملتا إرهاق رجل لم ينم جيدًا منذ أيام. مد يده فوق الخريطة المنتشرة على الطاولة. وقال: "علماء النجوم في السنديان أكدوا الأمر." ساد الصمت. ثم أكمل: "السماء تغيرت." رفعت ملكة "ماوية" نظرها إليه: "السماء ليست ما يقلقني." وأشارت نحو الراية الحمراء التي تحمل الشعلة السوداء: "...بل من يستفيد من هذا التغيير." ساد صمت ثقيل. وفي تلك اللحظة فُتح باب القاعة مرة أخرى. دخل وفد جديد. لم يكن كبيرًا. ثلاثة أشخاص فقط. في مقدمتهم رجل طويل ذو شعر فضي طويل وملابس خضراء وسوداء أنيقة تحمل رموز الغابات القديمة. أعلن الحارس: "ممثل مملكة إندورال." التفتت الأنظار نحوه. كانت مملكة "إندورال" نادرة الظهور في الاجتماعات السياسية. فالألف نادرًا ما يتدخلون في شؤون البشر. اقترب الممثل بهدوء. ووضع يده فوق الراية الخضراء. ثم قال بصوت هادئ: "غاباتنا تشعر بالاضطراب." التفت ملك "حارث" إليه: "هل تقصد السحر؟" هز رأسه ببطء: "لا." ثم رفع عينيه نحو الجميع: "شيئًا أقدم من السحر." انتشرت نظرات القلق بين الحاضرين. لأن الألف لم يكونوا معروفين بالمبالغة. وإذا قالوا إن شيئًا أقدم من السحر يتحرك... فالأمر يستحق القلق. ثم... انفتح الباب للمرة الثالثة. وهنا تغير الجو داخل القاعة. حتى الحراس شدوا قبضاتهم دون وعي. دخل رجل يرتدي عباءته السوداء الطويلة والمطرزة بخيوط حمراء قاتمة. لم يكن ملكًا. ولم يكن أميرًا. لكنه كان يحمل ختم مملكة "غورموث". ولهذا كان وجوده وحده كافيًا لإثارة التوتر. قال الحارس بتردد واضح: "رسول مملكة غورموث." تقدم الرجل حتى منتصف القاعة. وتوقف. ثم رفع رأسه ببطء. وقال: "ملكنا لم يأت." نظر حوله: "...لكن رسالته وصلت." أخرج من داخل عباءته قطعة صغيرة. حجرًا أزرق محترقًا. تجمدت النظرات فور رؤيته. حتى ممثل "إندورال" تغيرت ملامحه قليلًا. أما الملك "حارث" فحدق فيه طويلًا. وقال بصوت منخفض: "...الرماد الأزرق." ابتسم الرسول ابتسامة باردة: "إذن تعرفونه." ثم رفع الحجر قليلًا. وكان الضوء الأزرق النابض داخله ينعكس على وجوه الجميع. وقال: "استيقظت أستاريا." ساد الصمت. صمت طويل. ثابت. يشبه اللحظة التي تسبق سقوط صخرة من أعلى جبل. ثم أكمل: "...وهذا يعني أن الوقت قد حان." رفعت ملكة "ماوية" حاجبها: "وقت ماذا؟" لكن الرسول لم يجب مباشرة. بل نظر إلى الراية الحمراء. ثم قال: "...وقت سقوط الممالك." انتشرت الهمسات داخل القاعة. لكن قبل أن يتحول المجلس إلى فوضى... انفتح باب جانبي صغير. ودخل رجل آخر. لم يحمل راية. ولم يعلن الحراس اسمه. لكن مجرد رؤيته جعل رسول "غورموث" يصمت. كان طويلًا. نحيلًا. يرتدي ملابس سوداء فاخرة. وفي عينيه بريق بارد يشبه بريق السكين. همس بعض الحاضرين فور رؤيته. لأنهم عرفوه. "مرثاد فالكور". وزير الفتن في "مملكة غورموث". الرجل الذي تقول الشائعات إنه أشعل ثلاث حروب دون أن يرفع سيفًا واحدًا. تقدم بخطوات هادئة. ثم انحنى انحناءة خفيفة. وقال: "أعتذر عن التأخير." لم تكن نبرته تحمل أي اعتذار. بل ثقة رجل يعرف أن الجميع يكره وجوده. ويخشاه في الوقت نفسه. اقترب من الطاولة. ونظر إلى الخريطة. ثم قال بهدوء: "أنتم تنظرون إلى أستاريا." وأشار إلى المملكة على الخريطة: "وهذا خطأ." رفع الملك "حارث" نظره نحوه: "ولماذا؟" ابتسم "مرثاد فالكور". ابتسامة صغيرة. باردة. ومزعجة. ثم قال: "لأن ما يحدث هناك ليس البداية." ساد الصمت. أما هو فواصل: "إنه فقط أول شيء استطعتم رؤيته." وانخفضت الكلمات فوق القاعة كظل ثقيل. شعر الجميع فجأة بأن الاجتماع لم يعد مجرد نقاش سياسي. بل مقدمة لشيء أكبر بكثير. شيء ربما يمتد من "أستاريا"... إلى "السنديان"... إلى "أسترال"... إلى "إندورال"... وإلى جميع الممالك التي ظنت أن الخطر ما زال بعيدًا. في تلك اللحظة... في "أستاريا"... كانت تماثيل الحراس القديمة تتحرك فعلًا. كان الناس يهربون بين الشوارع. والأبواب تُغلق. والخوف ينتشر أسرع من الريح. أما "فايرُن"... فكان يقف في أعلى القصر الملكي. ينظر إلى المدينة بصمت طويل. وكأن كل ما يحدث أمامه كان جزءًا من لوحة عرفها منذ زمن بعيد. ثم قال بصوت خافت: "...لقد بدأت اللعبة." لكن خلفه... في الظل الهادئ بين الأعمدة الحجرية... كان اللورد "زاهير" يقف بصمت. ويراقب. ويبتسم.