الفصل الأول_ همس الرمال
القسم الأول_ قلب المملكة_____________________
كانت مملكة العرب، التي عُرفت بين الممالك باسم مملكة "السنديان"، أشبه بلوحةٍ رسمها الزمن في أكثر لحظاته سخاءً. لم تكن مدينةً تقوم على الرمال فحسب، بل حضارةٌ نمت بين الصحراء والواحات، حتى غدت منارةً يقصدها التجار والعلماء والمسافرون من أقاصي العالم. ولم تكن تسمية 'السنديان' مجرد اسمٍ عابر، بل كانت تجسيداً لروح هذه الأرض؛ فالشجرة الشامخة التي تضرب بجذورها في أعماق الثرى السحيق، كانت تشبه تماماً حكمة أجدادها الذين شيدوا القلاع والأسوار لتصمد أمام عوادي الزمن. كانت المملكة واحة كبرى تتحدى ببهائها قسوة المحيط الرملي، وتجمع بين عناد الصحراء ورقّة البساتين الغنّاء التي ترويها عيون ماءٍ عذبة تنبثق من باطن الأرض كمعجزاتٍ متجددة. كان القادم إليها يظن، قبل أن تطأ قدماه أسوارها، أن الصحراء لا تنجب سوى العطش والقيظ، لكن ما إن يلوح له بريق القباب الذهبية في الأفق حتى يدرك أن الرمال قد تخبئ معجزاتها أيضًا. فالأسوار العالية التي تحيط بالمدينة لم تُبنَ لتكون سداً منيعاً ضد الأعداء فحسب، بل كانت جدراناً نقشت عليها حكايات الوفاء والعهود القديمة. تلمع حجارتها المشذبة بعناية تحت وهج النهار، وكأنها مرآة تعكس فخر أمةٍ لم تعرف الهزيمة يوماً، وتدعو الغريب العابر ليحط رحاله مطمئناً، تظلله رايات المملكة التي ترفرف بوقار فوق الأبراج العالية. ارتفعت منائرها البيضاء شامخةً نحو السماء، تعانقها قباب مذهبة تعكس أشعة الشمس فتغمر المدينة بألوانٍ من ذهبٍ وعنبر، حتى يخال للناظر أن الشمس اختارت هذه المملكة موطنًا ثانيًا لها. ومع حركة الضياء، كانت الظلال تتراقص فوق أسطح المنازل المبنية من الطين الأبيض والحجر الجيري، مما يمنح الأزقة طابعاً شاعرياً ساحراً. تلك الألوان الدافئة لم تكن تمتع الأعين فحسب، بل كانت تبعث في النفوس شعوراً نادراً بالأمان، وكأن جدران المدينة وأزقتها تحتضن كل من يدخلها برفق، لتنزع عن كاهله عناء السفر الطويل ومخاوف الدروب الموحشة. ولم تكن الرياح التي تمر فوق "السنديان" تحمل غبار الصحراء وحده، بل كانت تحمل معها عبير الياسمين، ورائحة العنبر، ودخان العود، ممزوجةً بعبق التوابل القادمة من الموانئ والواحات والجبال البعيدة. منذ ساعات الصباح الأولى، كانت المدينة تستيقظ على أصوات الحياة. أبواب الدكاكين تُفتح تباعًا، وصوت الطرق على النحاس يتردد بين الأزقة الضيقة، بينما يعلو نداء الخبازين وهم يخرجون أرغفة الخبز الساخنة من التنانير الحجرية، فيختلط بخارها برائحة الهيل والقرفة التي تتصاعد من المقاهي الشعبية. وتكتمل المعزوفة الصباحية بجلبة خطى المارة على الحجر المصقول، وحديث العجائز الجالسين على العتبات وهم يستقبلون نهاراً جديداً بالدعاء والبركة. في هذه الأزقة، لا يدور الوقت على عجل، بل ينساب وادعاً كجريان الماء في السواقي، حيث تتلاقى النظرات بالابتسامات، ويتشارك الغريب وابن الدار تفاصيل الصباح الباكر دون حذر أو ريبة، في تجسيد حي لعشرة دامت لأجيال. وفي السوق الكبير... كانت الدنيا كلها تبدو وكأنها اجتمعت هناك. تجار من مملكة البدو يعرضون أجود الإبل والسروج المطرزة. وقوافل من مملكة الألف تحمل أخشابًا نادرة وأعشابًا طبية لا تنبت إلا في الغابات القديمة. وصناع زجاج جاءوا من جزيرة السادة يعرضون أواني شفافة تعكس الضوء بألوانٍ ساحرة. ولم تكن تلك البضائع مجرد سلع تُباع وتُشترى، بل كانت همزات وصل وثقافات تتلاقح في ساحة السنديان؛ فكل بائع يجلب معه لغة مملكته وقصصاً من خلف البحار والقفار. كان يسهل على السامع أن يميّز لكنة أهل البدو المليئة بالفخر، أو همسات تجار مملكة الألف المحملة بغموض الأحراج، مما جعل السوق أشبه بقلب نابض يضخ الحياة في شرايين الأرض كلها، ويجعل من السنديان مركزاً لا غنى عنه لتوازن الممالك. أما أبناء "السنديان"، فقد كانوا يعرضون ما اشتهرت به مملكتهم؛ السجاد اليدوي، والسيوف العربية المزخرفة، والعطور، والتمور، والحرير، والمخطوطات التي تناقلها العلماء عبر أجيال طويلة. وكان السجاد اليدوي يُنسج بخيوطٍ صُبغت بمستخلصات الأعشاب البرية، ليرسم حكايات الصحراء والواحات بألوانٍ لا تبهت بمرور السنين. أما السيوف العربية، فكانت تُطرق بنارٍ هادئة وتُزخرف بماء الذهب والفضة على أيدي أمهر الحرفيين الذين ورثوا سر الصنعة أباً عن جد، فغدت قطعاً فنية ترمز للفخر والشجاعة دون حاجةٍ لإشهارها. بينما كانت قوارير العطور الفخارية تنضح برائحة المسك والورد الطائفي، لتفوح في المكان كأنها أنفاس المملكة الطاهرة. كان السوق أشبه بقلبٍ نابض، كل شارعٍ فيه شريان، وكل متجر نبضة جديدة للحياة. ورغم ازدحامه، لم يكن أحد يشعر بالغربة. كان الناس يتبادلون الابتسامات كما يتبادلون السلام. يتوقف الغريب ليسأل عن طريق، فيجد أكثر من يدٍ تمتد لترافقه. وإذا جلس مسافر ليستريح، وجد من يدعوه إلى فنجان قهوة قبل أن يسأله حتى عن اسمه. فقد كانت الكرم والشهامة في "السنديان" شريعةً غير مكتوبة، يتحرك بها الصغير والكبير بدافعٍ من الفطرة النقية. لم تكن هناك أبوابٌ موصدة في وجه المحتاج، ولم يكن عابر السبيل يبيت ليلته خائفاً أو جائعاً، إذ كانت البيوف تفتح رتاجها لكل طارق. وتتسع القلوب قبل المجالس للترحيب بالزوار، مما جعل المملكة ملاذاً دافئاً ينسى فيه كل مغترب هموم غربته، ويستعيض عن أهله بعائلة كبرى تحيطه بالرعاية والمحبة. حتى الأطفال كانوا يركضون بين الأزقة بثيابهم الملونة، يطاردون الحمام الذي اعتاد أن يحط فوق النوافير الرخامية، بينما كانت ضحكاتهم ترتفع أعلى من ضجيج السوق نفسه. كانت المياه تتدفق من أفواه الأسود الرخامية في النوافير لتحدث رنيناً عذباً يتناغم مع تلك الضحكات الصافية. يتقافز الحمام الأبيض في أسرابٍ وادعة، كأنه يدرك غياب الخطر في هذه الأرض؛ فلا يدٌ تمتد إليه بأذى، ولا غدرٌ يتربص به في الأرجاء. هذا المشهد الحيوي كان يعكس للناظرين فلسفة المملكة في تربية أجيالها؛ حيث ينشأ الطفل على السلام والحرية، وتتغذى روحه على الطمأنينة التي ملأت كل ركنٍ من أركان "السنديان". ولهذا... لم يكن التجار يقولون إنهم يأتون إلى "السنديان" للتجارة فقط. بل كانوا يرددون مقولةً أصبحت معروفة بين الممالك: "نأتي لنبيع بضائعنا... لكننا نعود حاملين شيئًا أثمن؛ طمأنينة هذه المدينة." وفي أعلى التلة التي تتوسط المملكة، ارتفع القصر الملكي. كان تحفةً معمارية جمعت بين الفخامة والبساطة. قبابه المذهبة كانت ترى من كل مكان داخل العاصمة، بينما امتدت شرفاته الواسعة مطلةً على المدينة كلها، كأن القصر لا يحكم الناس من علٍ... بل يراقبهم بحنان أبٍ يطمئن على أبنائه. وقد بُنيت جدران القصر من حجارةٍ بيضاء صُقلت بعناية لتشع ضياءً في وضح النهار. وتتوهج كاللؤلؤة تحت ضوء القمر في الليل. لم يكن علوّه شاهقاً ليرعب الناظرين، بل ليكون دليلاً يهتدي به السائر في دروب المدينة. كانت الأقواس والزخارف الهندسية المحفورة على الأعمدة تروي أمجاد أجيالٍ متعاقبة من الحكام العادلين الذين آثروا بناء القلوب قبل الحصون، وجعلوا من ديوان الملك مجلساً مفتوحاً يلجأ إليه المظلوم ويأمن فيه الخائف. لم يكن القصر محاطًا بالخنادق ولا الأسوار المهيبة التي تبث الرهبة كما في بقية الممالك. بل أحاطت به حدائق واسعة، تتخللها قنوات ماء رقراقة، وأشجار نخيل وسنديان غرست قبل عقود طويلة، حتى أصبحت رمزًا للمملكة، ومنها استمدت "السنديان" اسمها الذي عُرفت به بين الأمم. وكانت أشجار "السنديان" العملاقة تقف كحراسٍ تاريخيين على أطراف الحدائق، بأغصانها الكثيفة الخضراء التي تشكل مظلاتٍ طبيعية تقي المارة هجير النهار. تمتد جذورها عميقاً تحت بلاط القصر وأزقة المدينة، كأنها شرايين خفية تربط الحاضر بالماضي السحيق. كانت كل ورقةٍ فيها تهتز مع النسمات تحكي قصة صمود، وتذكر الأحفاد بأن هيبة هذه المملكة لم تأتِ من فراغ، بل من تلاحم وثيق بين الأرض وأهلها عبر القرون. وكان أهل المملكة يؤمنون بمقولة قديمة تناقلها الآباء عن الأجداد: "ما دام السنديان قائمًا... ستبقى المملكة واقفة." ولم تكن تلك الكلمات مجرد عبارة تُقال في المجالس، بل أصبحت عقيدةً محفورة في وجدان كل مواطن يقطن هذه الأرض. فالشجرة بالنسبة لهم لم تكن مجرد نبات ينمو، بل كانت رمزاً للتلاحم والصلابة في وجه العواصف؛ فكما تتشابك أغصان السنديان ل تحمي بعضها البعض، كانت قبائل المملكة تتحد تحت راية واحدة عند الشدائد، مستمدين من ثباتها صمودهم، ومن خضرتها الدائمة أملهم المتجدد في غدٍ أفضل. وفي تلك الساعة، بينما كانت الحياة تمضي هادئة في الأسواق والشوارع، وقف رجل على إحدى شرفات القصر، يتأمل المدينة بصمت. كان يقف مسنداً يديه على الإفريز الرخامي للشرفة العريضة، مرتدياً عباءته المقصبة بخيوط الذهب الفاخرة التي تليق بهيبته، بينما كان تاجه الملكي يلمع تحت أشعة الشمس الدافئة. كان يتنفس الهواء المحمل بعبق الياسمين القادم من البساتين المحيطة بالقصر، لكن نظرته الثاقبة كانت تخترق الأفق البعيد، وتطوف فوق الأسطح البيضاء، والمنائر، وحركة البشر الوادعة في الأزقة وكأنه يسجل تفاصيل هذا السلام في ذاكرته. لم يكن ينظر إليها بعيني ملكٍ يفخر بما يملك... بل بعيني رجلٍ يشعر أن كل بيتٍ فيها أمانة، وكل طفلٍ مسؤولية، وكل ابتسامةٍ عهدٌ يجب ألا ينكسر. كان يدرك تماماً أن خلف هذا الهدوء الشامل بيوتاً تُبنى بالحب، وعائلاتٍ تنام ملء جفونها لأنها تثق في عدله وسهره على حمايتهم.هذا الحمل الثقيل لم يكن يرهقه، بل كان يمنحه القوة والدافع ليقضي نهاراته في إدارة شؤون الرعية، وسماع شكاواهم. وصياغة المعاهدات التي تجنب مملكته ويلات الحروب التي تعصف بالممالك الأخرى من حولهم، متخذاً من الحكمة سلاحاً أولاً قبل إشهار السيوف. كان ذلك هو... الملك "حارث". ورغم أن ملامحه كانت هادئة، إلا أن شيئًا خفيًا كان يمر في أعماقه... شعورٌ غامض، لا اسم له بعد. انعقد حاجباه قليلاً وهو يراقب خط سير القوافل في الأفق، حيث شعر بانقباضة خفيفة في صدره لم يعهدها من قبل. لقد خاض من المعارك السياسية ما يكفي ليعرف كيف يقرأ تقلبات الأيام، لكن هذا الإحساس الحالي كان مختلفاً؛ لم يكن نابعاً من تهديد ملموس، بل كان أشبه بنذير خفي يهمس به حدسه الملكي، وكأن الأرض نفسها تستشعر اقتراب زلزال سيغير معالم الملحمة بأكملها.وكأن الريح التي كانت تداعب رايات "السنديان"... تحمل معها خبرًا لم يصل بعد. كانت الرايات الحريرية السوداء التي تحمل شعار شجرة "السنديان" الذهبية تخفق بقوة أكبر مع اشتداد النسمات، محدثةً صوتاً منتظماً يشبه ضربات القلب المتسارعة. نظر الملك "حارث" إلى السماء، مراقباً الطيور التي بدأت تطير في مسارات غير منتظمة كأنها تفر من شيء لا يراه البشر، مما زاد من يقينه بأن الصمت الذي يلف المدينة في هذه اللحظات ليس صمت أمان دائم... بل هو الهدوء المريب الذي يسبق العاصفة الهوجاء.