ميسوپوتاميا_سيرة خوف

الفصل 24: القسم الثالث

القسم الثالث

كانت الأسئلة تتكاثر كلما حاولت الهرب منها. لماذا أنا هكذا؟ لماذا أشعر أنني مختلف؟ وهل الاختلاف امتحان أم عقاب أم مجرد شيء لم أفهمه بعد؟ كانت هذه الأسئلة تعود بأشكال مختلفة. أحيانًا أثناء الصلاة، وأحيانًا قبل النوم، وأحيانًا وأنا أمشي وحدي في الطريق. لم تكن تتركني بسهولة، وكأنها تطلب مني شيئًا لا أعرفه. كنت أدعو كثيرًا. أدعو في المسجد. وأدعو في البيت. وأدعو قبل النوم. لم يكن دعاءً عابرًا أو طلبًا مؤقتًا. كنت أكرر الدعاء نفسه مرات كثيرة، حتى أصبحت بعض الكلمات تخرج مني تلقائيًا. وكأنني أطرق الباب نفسه كل يوم، منتظرًا أن يُفتح أخيرًا. بان اجد جواب او ان يحولني ربي لشخص اخر او ان يستجيب طلبي. أحيانًا كنت أطلب من الله أن يجيبني، وأحيانًا أخرى كنت أطلب منه فقط أن يخفف هذا الصراع. وفي بعض الليالي كنت أبقى مستيقظًا فترة طويلة بعد انتهاء الدعاء. أنتظر شعورًا أو علامة أو طمأنينة أو أي شيء يجعلني أشعر أنني اقتربت من الجواب. لكن الصمت كان يعود في أغلب الأحيان. وفي ضاحية النهروان كانت توجد مقبرة كبيرة، وفيها قبر لرجل صالح " محمد السكران" يقصده الناس من أماكن مختلفة. كانوا يأتون للنذر والدعاء وطلب البركة، وكنت أذهب أنا أيضًا. كان المكان مختلفًا عن بقية الأماكن التي أعرفها. هادئًا بصورة غريبة، حتى حين يكون فيه زوار كثيرون. كانت هناك رهبة خفيفة في الجو، وإحساس بأن الناس يأتون إليه وهم يحملون أشياء ثقيلة في قلوبهم. في البداية ذهبت بدافع الفضول. ثم بدأت أعود مرة بعد أخرى. لم أكن أبحث عن معجزة. كنت أبحث عن راحة. عن شعور بأن أحدًا يفهم الحيرة التي أعيشها. وعن لحظة هدوء أستطيع أن أضع فيها كل تلك الأسئلة جانبًا ولو لوقت قصير. ومع مرور الوقت، فقدت القدرة على عدّ المرات التي وقفت فيها هناك. كنت أقف أمام القبر وأدعو بصمت. أحيانًا كنت أبقى دقائق طويلة دون أن أرفع رأسي. فقط أقف وأدعو. أكرر الكلمات نفسها تقريبًا، وأحمل الهموم نفسها، وأغادر وأنا أشعر بخفة مؤقتة سرعان ما تعود بعدها الأسئلة من جديد. أطلب الإجابة نفسها كل مرة. لكن الإجابة لم تكن تأتي. أو ربما كانت تأتي بطريقة لم أكن أفهمها بعد. أو ربما كنت أنتظرها بشكل مختلف عما يجب. كنت أتخيل أن الإجابات تأتي واضحة ومباشرة، بينما الحياة غالبًا لا تفعل ذلك. كانت تمنحني إشارات صغيرة ومبعثرة، لكنني لم أكن أعرف كيف أجمعها معًا. استمرت زيارات الشيخ حميد لبيتنا. ومع كل زيارة جديدة كنت أجد نفسي أنصت أكثر من السابق. لم يعد الأمر مجرد فضول طفل أو مراهق يسمع قصصًا غريبة، بل أصبح جزءًا من رحلة البحث التي كنت أعيشها. رحلة بدأت بأسئلة بسيطة، ثم أخذت تتشعب وتكبر عامًا بعد عام. كان يغيب أيام أو أسابيع ثم يعود، ومع عودته تعود الأحاديث عن الملائكة والجن، وتعود جلسات الاستحضار التي كان أبي يتعلمها منه ويحاول إتقانها شيئًا فشيئًا. أما أنا فكنت أجلس في زاويتي المعتادة، أراقب وأستمع وأفكر. وربما دون أن أدرك، كانت تلك الجلسات تترك أثرًا أعمق مما كنت أتصور. أثرًا سيبقى معي طويلًا، ويتحول لاحقًا إلى أحد الأبواب الرئيسية التي ستقودني نحو المجهول الذي كنت أشعر بظله منذ سنوات. وفي الوقت نفسه، كان خالي الأصغر يأخذ لنا "الخيرة" من القرآن في بعض المناسبات. كان الكبار من حولي يتعاملون مع هذه الأمور وكأنها جزء طبيعي من الحياة اليومية، أما أنا فكنت أنظر إليها بعين مختلفة؛ عين مليئة بالفضول والأسئلة. كلما سمعت أكثر، قرأت أكثر. بدأت أجمع الكتب أينما وجدتها. كتب تفسير الأحلام، والروحانيات، والغيبيات، والجن، والملائكة، والكرامات، والقصص التي تتحدث عن عوالم لا تُرى. كنت أقرأ لساعات طويلة، وأشعر أن كل كتاب يفتح بابًا جديدًا يقود إلى باب آخر. حتى أنني تعلمت مع الوقت كيف آخذ الخيرة من بعض الكتب، وأصبحت أقضي وقتًا طويلًا بين الصفحات أبحث عن إشارات وإجابات لأسئلة لا يعرفها أحد غيري. في إحدى الليالي رأيت حلمًا لم أنسه أبدًا. رأيت نفسي متزوجًا من فتاة فائقة الجمال. لم أكن أعرف هل كانت إنسانة أم مخلوقًا من عالم آخر، لكنني كنت أشعر في الحلم أنها ليست كأي فتاة رأيتها من قبل. كان كل شيء هادئًا وجميلًا إلى أن ظهر والدها. لم يغضب. ولم يمنعني منها. بل أخذها بهدوء وقال لي: "ليس الآن." ثم ابتعد بها حتى اختفيا. استيقظت وأنا مشوش. لم أفهم معنى الحلم، ولا سبب تلك الكلمات. في الصباح أخبرت أهلي بما رأيت. ضحكت سهام وقالت بعفوية: "هذه زوجتك في الجنة." كان تفسيرًا بسيطًا يشبه طريقة الناس في تفسير الأحلام بما يعرفونه من حياتهم اليومية. كنت في ذلك الوقت شابًا يذهب إلى المسجد، ويحافظ على الصلاة، ويقرأ القرآن باستمرار، لذلك لم أستغرب كلامها. ومع ذلك، بقي الحلم عالقًا في ذهني سنوات طويلة. لم أكن أعرف لماذا. هل كان مجرد حلم؟ أم رسالة؟ أم انعكاسًا لشيء كنت أبحث عنه دون أن أدرك؟ لم أجد جوابًا. مرت الأيام، وتفرقت الطرق بيني وبين بعض أصدقائي. بدأ التواصل مع جعفر وعبدالقادر يضعف شيئًا فشيئًا. ذهب عبدالقادر إلى العسكرية وكان يحلم بأن يتدرج في الرتب، أما جعفر فالتحق بمعهد المعلمين ليكمل دراسته ويصبح مدرسًا. كانت الحياة تسحب كل واحد منا في اتجاه مختلف. وهذا ما يحدث غالبًا دون أن نشعر. نجلس مع الأشخاص أنفسهم سنوات طويلة، ثم يأتي وقت تبدأ فيه الطرق بالتفرع بهدوء. كل واحد يحمل أحلامه الخاصة ومخاوفه الخاصة، ثم يجد نفسه يسير في طريق لم يكن يتخيله قبل سنوات قليلة. أما أنا فاستمررت في زيارة ناحية المآب على دراجتي الهوائية، حيث كان عماد وأحمد ما يزالان الأقرب إليّ. كانت جلساتنا بسيطة، لكنها كانت تعني لي الكثير. لا نحتاج إلى مناسبة أو سبب خاص لنجتمع. يكفي أن نجد وقتًا فارغًا لنقضي ساعات في الحديث عن كل ما يخطر في بالنا، من أمور الدراسة إلى الأحداث الكبيرة التي كانت تعيشها البلاد. كنا نجلس لساعات طويلة نتحدث في كل شيء؛ الدراسة، والعمل، والحياة، وما يجري في البلد. ولم يكن العراق في تلك السنوات يترك لأحد فرصة للملل. كل يوم يحمل خبرًا جديدًا، وكل أسبوع يحمل تغييرًا جديدًا. حتى الشباب في أعمارنا أصبحوا يتحدثون في السياسة والأوضاع العامة أكثر مما يتحدثون في الأشياء التي كان يفترض أن تشغلهم. وفي إحدى تلك الجلسات، أخبرني عماد عن حلقات لتعليم القرآن وتحفيظه للأطفال، وعن دروس ومسابقات لحفظ القرآن للكبار. وجدت نفسي أنجذب إلى هذا العالم بسرعة. ربما لأن القرآن كان من الأشياء القليلة التي كانت تمنحني شعورًا بالطمأنينة وسط كل الفوضى. كلما انشغلت بالقراءة أو الحفظ أو التدريس، شعرت أن الضجيج الذي في داخلي يهدأ قليلًا. بدأت أشارك في تلك الدروس، ثم أصبحت أُدرّس بعض الأطفال وأساعدهم على الحفظ. كنت أشعر بسعادة خاصة حين أرى أحدهم يحفظ سورة جديدة أو ينجح في قراءة آية كان يتعثر فيها سابقًا. كانت لحظات بسيطة، لكنها منحتني إحساسًا بأنني أفعل شيئًا نافعًا بالفعل. كان ذلك يمنحني شعورًا بالمعنى، وكأنني وجدت شيئًا أستطيع أن أقدمه للآخرين. ففي تلك الفترة كنت ما أزال أبحث عن مكاني في الحياة. ولم أكن أملك الكثير مما أقدمه. لذلك كانت تلك التجربة مهمة بالنسبة لي أكثر مما تبدو عليه من الخارج. لكن في سنة 2005 كان البلد كله يتغير في تلك الأيام. لم يكن التغيير سياسيًا فقط، بل كان حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية. في الأسواق، وفي الشوارع، وفي أحاديث الناس، وحتى في طريقة تفكيرهم بالمستقبل. بعد سقوط النظام بدأت مرحلة جديدة لا تشبه ما قبلها. كانت الأخبار تمتلئ بالكلام عن الفوضى، وعن مجموعات سُميت يومها بـ"الحواسم". أصبح الجميع يروي قصصًا سمعها من شخص آخر. بعض القصص حقيقية، وبعضها مبالغ فيه، وبعضها لا أحد يعرف مصدره أصلًا. لكن النتيجة كانت واحدة: شعور عام بأن البلد يعيش مرحلة غير مستقرة وغير واضحة المعالم. كنا نسمع كل يوم قصصًا جديدة عن مخازن نُهبت، ومؤسسات أُفرغت، ودوائر حكومية سُرقت محتوياتها، وحتى قصور الرئيس السابق لم تسلم من ذلك. كان العراق كله يبدو وكأنه يقف على عتبة مجهولة. كان الناس ينظرون إلى الأمام ويحاولون تخيل ما سيحدث، لكن أحدًا لم يكن يملك إجابة مؤكدة. وكأن الجميع يسير في طريق جديد لم تُرسم خرائطه بعد. وكنت أنا أيضًا أقف على عتبة مجهولة أخرى، لكن داخل نفسي. وربما لهذا السبب كنت أشعر بارتباط غريب بين ما يحدث في البلد وما يحدث داخلي. كلاهما كان يعيش مرحلة انتقالية. كلاهما يترك خلفه شيئًا قديمًا ويحاول أن يجد شكلًا جديدًا للمستقبل. حين تخرجت من المدرسة الصناعية، كنت أظن أن الطريق أصبح واضحًا أمامي. كنت أحلم بإكمال دراستي، والدخول إلى معهد أو كلية أو جامعة، مثل أي شاب في عمري. كنت أتصور أن السنوات التي قضيتها في الدراسة ستقودني إلى مرحلة جديدة، كنت أنظر إلى التخرج كما ينظر المسافر إلى نهاية طريق طويل. أتخيل أن الوصول سيجعل الأمور أوضح، وأن الإجابات التي أبحث عنها ستبدأ بالظهور تدريجيًا. وأن الأبواب ستبدأ بالانفتاح أخيرًا. فبعد سنوات الدراسة، والتنقل بين البيوت، والحروب، والظروف الصعبة، كنت أعتقد أن الوقت حان لأرى نتيجة كل ذلك التعب. كنت أريد أن أشعر أن الطريق الذي سرت فيه طوال تلك السنوات يقود إلى مكان واضح. لكن ما حدث كان العكس تمامًا. وكما حدث معي مرات كثيرة من قبل، بدا أن الحياة تستعد لفتح فصل جديد لم يكن يشبه ما خططت له، ولا ما توقعته، ولا حتى ما كنت مستعدًا له. حملت أوراقي وشهادتي، وبدأت أتنقل بين المعاهد والكليات وأماكن التقديم في بغداد. كنت أعود كل مرة بالأمل نفسه، وأرجع بالنتيجة نفسها. الرفض. في البداية ظننت أن الأمر مجرد تأخير أو نقص في الأوراق، لكنني اكتشفت مع الوقت أن المشكلة أكبر من ذلك. شهادة المدرسة الصناعية التي قضيت سنوات أدرس فيها لم تعد تحظى بالاعتراف الذي كانت تملكه سابقًا. تغيرت الأنظمة، وتغيرت القوانين، وتغير البلد كله. وأصبحت شهادتي، التي كنت أعلق عليها أحلامًا كبيرة، مجرد ورقة لا يعرف أحد ماذا يفعل بها. أتذكر جيدًا ذلك الشعور. لم يكن حزنًا عابرًا. كان إحساسًا بأن شيئًا انهار داخلي. كنت أرى أصدقائي يتجهون نحو الدراسة أو العمل أو مشاريعهم الخاصة، بينما وجدت نفسي فجأة بلا طريق واضح. جلست في البيت فترة طويلة. لا دراسة. ولا عمل. ولا خطة للمستقبل. فقط فراغ. في إحدى زياراته لنا، اقترح الشيخ حميد أن أعمل معه. كان قد بدأ العمل داخل إحدى القواعد الأمريكية، حيث كان مسؤولًا عن مجموعة من العمال الذين يقومون ببناء السواتر والحواجز الترابية باستخدام أكياس الرمل. وافقت أنا وأبي. كنا بحاجة إلى العمل أكثر من حاجتنا إلى التفكير. في الصباح الباكر كنا نخرج مع بقية العمال، وندخل إلى القاعدة عبر نقاط التفتيش والحراسات والأسلاك الشائكة. كان المكان مختلفًا عن كل ما عرفته من قبل؛ آليات عسكرية، جنود من جنسيات مختلفة، وضجيج لا ينقطع. في البداية حاولت العمل مع مجموعة نقل أكياس التراب، لكن الأمر لم يكن مناسبًا لي. كنت صغير البنية مقارنة ببقية العمال، كما أنني كنت أعاني منذ الولادة من مشكلة في القلب، فتحة قلبية جعلت المجهود البدني الشديد أمرًا صعبًا بالنسبة لي. كنت أحاول دائمًا أن أخفي ذلك قدر الإمكان. لم أكن أحب أن أشعر أنني أضعف من الآخرين أو أنني بحاجة إلى معاملة مختلفة. لذلك كنت أبذل جهدًا أكبر أحيانًا فقط لأثبت لنفسي أنني قادر على الاستمرار مثل بقية الشباب. لاحظ الشيخ حميد ذلك. فنقلني إلى مجموعة التنظيف والخدمات. أما أبي فأصبح مسؤولًا عن مجموعة صغيرة من العمال. كنت أراه يتحرك بين العمال ويتابع العمل ويتحدث معهم، وأشعر بشيء من الفخر. فرغم كل ما مررنا به من تنقلات وصعوبات، بقي يحاول أن يجد طريقًا يستمر من خلاله ويعيل العائلة كما اعتاد دائمًا. كان العمل متعبًا، لكنه منحني شعورًا بأنني أفعل شيئًا بدل الجلوس في البيت وانتظار المجهول. ففي تلك المرحلة كان الانتظار من أثقل الأشياء على النفس.