القسم الثالث
بعد أن وصلت إلى "حي المآب" وقبل أن أذهب مباشرة إلى مبنى المعهد، قادتني خطواتي المرتبكة لزيارة صديقيّ القديمين؛ "أحمد" و"عماد"، اللذين يقطنان في نفس المنطقة. جلسنا سوياً بعد فراق، وتحدثنا بنبرة يملأها عتب الأيام الصعبة وشجن الفراق. وبعد فترة من تبادل الأخبار، فتحتُ معهما الموضوع الذي جئتُ من أجله، لأكتشف أن حالهما لم يكن يختلف عن حالي؛ كلاهما أصبحا الآن من جليسي البيوت الذين تلفت أحلامهم التعليمية. لكن كل واحد منهما كان قد شق لنفسه طريقاً مؤقتاً للتعايش مع هذا الفراغ؛ "عماد" كان قد تحول إلى مدرس لجلسات حفظ القرآن الكريم للأطفال، وأصبح مؤذناً مشغولاً طوال وقته بأمور الجامع وخدمته الروحية. أما "أحمد" فقد كان يمر بتجربة تشبه تجربتي الحالية تماماً، إذ كان يجلس نهاراً بطوله في محل الأسواق والمواد والأغراض المنزلية البسيط الذي بنته أسرته في اقتطاع من حديقة منزلهم لكسب الرزق. حين اقترحتُ عليهما فكرة التقديم لمعهد المعلمين المسائي في حي المآب، رأيتُ بريق الأمل يشتعل في عيونهما المطفأة. أعجبا بالفكرة فوراً وأيداني بلهفة، فنهضنا ثلاثتنا وذهبنا معاً صوب المعهد وكأننا نركض خلف طوق نجاة أخير. استقبلنا مدير المعهد في مكتبه، وحين علم بأننا نحمل شهادات من المدرسة الصناعية، لم يغلق الباب في وجوهنا كما فعلت جامعات ومعاهد العاصمة. بالعكس، أخبرنا بنبرة مطمئنة أن نظام المعهد يستقبل شهادات الإعداديات الصناعية. جنباً إلى جنب مع شهادات الثانوية بقسميها العلمي والأدبي. طارت قلوبنا فرحاً في تلك اللحظة، وتبادلنا النظرات المستبشرة؛ فالفرصة أصبحت بين أيدينا والسنوات الضائعة سنعوضها أخيراً.لكن فرحتنا تلك كانت كبقية أفراحنا في هذا البلد.. مبتورة ولم تكتمل. بعد أن أخذ المدير نفساً عميقاً، ثم أكمل حديثه بصوت حاسم أطفأ البريق في عيوننا: "لكن.. يجب عليكم الانتظار للسنة القادمة حتى تظهر أسماؤكم في خطة القبول". وشرح لنا أن النظام لديهم يعتمد على إعلان الأسماء المقبولة على فترات محددة، وأن مقاعد هذه السنة قد اكتملت تماماً ولم يعد هناك متسع لطالب واحد. خرجنا من المعهد والسراب يلف خطانا؛ عاد أحمد لمحل أسرته، وعاد عماد لمحراب جامعه، وعدتُ أنا بخفي حنين، حاملاً يأسي وأحلامي المؤجلة. وفي اليوم التالي أستيقظت صباحأ ومارست روتيتي المعتاد. لأجد نفسي اليوم أسترجع كل ذلك الإحباط وأنا واقف خلف الفتحة الخشبية لبسطيتي في الصواري، متسائلاً إن كان قدرنا كشباب في هذا البلد أن نعيش دائماً على رصيف الانتظار، ننتظر اسماً قد لا يظهر، وأماناً قد لا يأتي أبداً. وبينما أنا شارد الذهن بما حدث أمس، أفقتُ من دوامة أحباطي عن معهد المعلمين المسائي وحي المآب على صوت ارتطام قوي بجدار الغرفة الخشبية. نفضتُ عن عيني غبار الماضي المكسور، ووجدت نفسي أقف مجدداً خلف رفوف السجائر والحلويات الشحيحة في قضاء الصواري. كان الشهران اللذان عشناهما هنا يمران ببطء شديد، كأنهما دهر كامل من الصمت والترقب. ورغم أن نهاراتنا كانت تمضي في محاولات مضنية للتأقلم مع فقرنا الجديد ومجاملة أقاربنا، إلا أن ليالي هذا البيت الإسمنتي الداكن ذي المئة متر بدأت تتحول سريعاً إلى جحيم مستعر، جحيم أعلن صراحة أن فترة "الهدنة المؤقتة" مع الكيانات قد انتهت تماماً. بدأ الأمر يأخذ منحى أكثر جرأة وأشد عدوانية من ذي قبل. لم يعد الكيان يكتفي بالهسيس خلف الخزانة أو رسم ظلال الأيدي على السقف العاري؛ بل بدأ يتدخل في تفاصيل حركتي نهاراً ويدفعني نحو حافة الجنون ليلاً. في إحدى الليالي، بعد أن أقفلنا باب البيت الخارجي وتأكد أبي من إحكام الأقفال، انطفأت الأنوار بالكامل وغرق البيت في تلك العتمة الإسمنتية الرمادية الموحشة. استلقيتُ على فراشي وأنا أشعر بضغط غير طبيعي في جو الغرفة، كأن الهواء يزداد كثافة ويمنع الرئتين من التمدد. فجأة، سمعتُ صوت قطرات سائل ثقيل تسقط بانتظام فوق أرضية الغرفة المحاذية لفراشي. (تك.. تك.. تك). كان الصوت واضحاً وقريباً جداً. مددتُ يدي برعب وأشعلتُ عود ثقاب صغير ليرتد الضوء الأصفر الباهت على الأرض. ولم تكن هناك مياه، بل رأيتُ بقعاً داكنة لزجة تشبه الدم تسيل من جدار الإسمنت الداكن وتختفي بمجرد أن يقترب منها لهيب عود الثقاب! تكررت هذه الحوادث البصرية المرعبة، وأصبحتُ أرى انعكاسي في زجاج النافذة الضيقة يتبدل. لم أعد أرى وجهي الشاحب وقناعي الصامت، بل كنتُ ألمح خلف زجاج النافذة وجهاً مشوهاً بملامح حادة وعينين فارغتين تماماً. يحدق بي بخبث شديد ويردد نداءات صامتة تكاد تخترق جمجمتي. كان الخوف الأكبر الذي ينهشني ليس على نفسي، بل على إخوتي الصغار. أصبحتُ أخشى أن يخرج فارس أو وسام في عتمة الليل لطلب الماء، فيتعثر بهذا الكيان المرعب أو يلمح تلك الظلال التي باتت تتجول في ممرات البيت بلا رادع. كنتُ أستيقظ كل صباح وأنا أجر أقدامي المتعبة نحو البسطية الخشبية، وجسدي يرتجف من قلة النوم وعقلي يتآكل من الصراع المكتوم. شعرتُ بأن الميثاق الذي وُقع بقطرات دمي على لوح التقطيع في بغداد، يطالبني الآن بثمن أكبر، وأن الكتاب الأسود القابع في قاع خزانتي الحائطية بدأ يفرض شروطه القاسية على أرض الصواري. تيقنتُ في تلك اللحظات المحمومة، والبلد من حولنا يغلي بالفوضى والعشيرة تظن أننا حططنا رحالنا في بر الأمان، وأن ليلة المواجهة الكبرى وانفجار اللعنة باتت أقرب إلينا من حبل الوريد. ليلة ستجبرنا على حزم الكراتين وحقائب الثياب مجدداً، والفرار بعيداً نحو مكان أخر حيث لا أثر لعتمة بغداد ولا لظلال الصواري. مرت الأيام التالية من الشهر الثاني في قضاء الصواري برتابة خانقة وثقيلة، كأن الوقت نفسه قد استقر في قاع ذلك البيت الإسمنتي المظلم وتوقف عن الجريان. تحول نهارنا إلى حلقة مفرغة مكررة؛ أستيقظ مع خيوط الفجر الأولى، وعظامي تؤلمني من السهر والترقب، لأتجه مباشرة إلى الغرفة الخشبية أمام البيت. أقف هناك لساعات طويلة خلف فتحة البسطية، أراقب الطريق الترابي الذي تصاعد منه أتربة السيارات العابرة نحو المنطقة الصناعية المقابلة لنا. كانت حركة البيع والشراء تسير بإيقاع ميت؛ يمر رجل عجوز يشتري علبة سجائر واحدة بالآجل، أو طفل صغير يمد يده ببضعة دنانير ليأخذ قطعة حلوى وهو ينظر إليّ بنظرات متوجسة أصبحتُ مألوفاً لديها. كان هذا الرزق الشحيح بالكاد يصنع فرقاً في ميزانية العائلة، لكنه كان كافياً ليجعلني أشعر بأنني أتحرك داخل قفص مكرر. مجهود وتعب يمتصان طاقتي دون مقابل حقيقي، سوى إبعاد عيون أعمامي وجدي عن اختلافي وحياتي الثانية التي تزداد عمقاً مع كل غسق.حين كان يشتد حر الظهيرة، وينقطع التيار الكهربائي كالعادة، كنتُ أترك البسطية وأدخل إلى الصالة المظلمة لبيتنا ذي المئة متر. كانت الجدران الإسمنتية الداكنة، التي لم تُطلَ بعد، تمتص حرارة الصيف وتحبسها بالداخل. لتفوح منها رائحة رطوبة حجرية غريبة تشبه رائحة القبور القديمة. كنتُ أراقب والدي وهو يجلس متكئاً على إحدى الصناديق الكرتونية التي لم نجد مكاناً لتفريغها بعد، واضعاً يديه على رأسه بفكر تائه. كان يراجع في عقله حسابات السنين، وكيف تحول من ضابط مخلص وله مكانته في الدولة السابقة إلى رجل نازح يبحث عن الأمان لعائلته في بيت مستأجر ضيق وسط القضاء. كانت أمي تتنقل بين المطبخ الصغير والغرفة، تحاول بشتى الطرق خلق أجواء طبيعية لإخوتي الصغار سهام ووسام وعباس وعامر؛ تصنع لهم وجبات بسيطة مما توفر. وتتحدث معهم بصوت منخفض عن رزق جدي ومحلات الحلويات التي يمتلكها، محاولةً طمس معالم الفقر المؤقت وضيق الحال الذي يحيط بنا. كنتُ أرى كل هذا وأشعر بغصة حارقة تمزق أحشائي؟ فالذنب الذي يربض في صدري كان يهمس لي في كل ثانية: "أنت السبب في عتمة هذا البيت.. أنت من حزم اللعنة وسط ثيابه وجلبها لهؤلاء المساكين". وعندما يسدل الليل ستاره الأسود على الصواري، يبدأ الصراع الصامت يأخذ شكلاً أكثر كآبة. تنطفئ الأنوار ويخيم السكون المطبق، ولا يعود يقطع هذا الصمت سوى الدويّ البعيد المنتظم لعجلات القطار وهو يقطع سكة الحديد فوق الهضبة الترابية بجانب البيت. كنتُ أستلقي في غرفتي المظلمة، وعيني معلقتان بالسقف الإسمنتي العاري. في تلك الساعات المتأخرة، كانت جدران الإسمنت الداكن تبدو وكأنها تتنفس! نعم. كنتُ أسمع هسيساً خافتاً يخرج من الشقوق والمسامات الخشنة للإسمنت. كأن هناك كياناً غير مرئي يتحرك في الفراغ بين الجدار والخرسانة. لم أكن أجرؤ على إشعال الضوء كي لا أوقظ أحداً، بل كنتُ أكتفي بالضغط على إبهامي المجروح، مستشعراً النبض الحاد الذي يتزامن مع كل ضربة من ضربات قلبي المذعور. كنتُ أعلم أن الكيان ما زال يدرس المكان، يتغلغل في أركان البيت، ويتغذى على صمتي وخوفي المكتوم وعلى حزن والدي وشح رزقنا. لم تكن هناك مواجهات دموية بعد، ولم يظهر الكيان بكامل قوته المرعبة، بل كان يمارس حرب استنزاف نفسية بطيئة ضد عقلي، مستغلاً ركود الوقت في هذه الأيام. ليوصلني إلى قناعة تامة بأن الأمان الذي وعدنا به أعمامي وجدي ليس سوى جدار واهٍ من ورق، وأن العاصفة الحقيقية تتجمع خيوطها ببطء شديد تحت سقف هذا البيت المظلم. وسط هذا الركود الخانق والأيام الثقيلة، كانت هناك مساحات اجتماعية تُفرض علينا فرضاً بحكم العشيرة والقرابة في قضاء الصواري. كانت زوجات عمامي يترددن بالتناوب على بيتنا بين الحين والآخر، يحملن معهن بعض الأكلات البسيطة أو يشاركن أمي في ترتيب ما تبقى من شتات البيت. وفي مرات أخرى، كنا نحن من نذهب لزيارتهم في بيوتهم الواسعة. كانت تلك اللقاءات تتوج بالالتفاف حول مائدة الغداء أو العشاء؛ مائدة عراقية حافلة بالبساطة والدفء الظاهري، حيث تجتمع العائلة الكبيرة، ويتراكض أولاد عمامي الصغار حولنا. بينما تعلو أصوات الضحكات والمجاملات التي تحاول طرد طيف الحزن الجاثم فوق صدورنا. ولكن، بمجرد أن تُرفع المائدة ويحل وقت "استكان الشاي" العراقي المهيل، كان جو الغرفة يتبدل تدريجياً، ويتسرب القلق والتوتر إلى الأحاديث. إذ كان من المستحيل في تلك الفترة المظلمة من عام 2006 أن تجلس عائلة عراقية دون أن تتطرق إلى السياسة والأوضاع الأمنية المشتعلة في البلاد. كان الكلام يبدأ بهمس عن قفل الطرق، وينتهي بنقاشات حادة ومخاوف حقيقية من فرق الموت والتهجير الطائفي الذي يلتهم الأخضر واليابس في العاصمة بغداد وأطرافها. وفي إحدى تلك الجلسات المسائية في بيت جدي، وأنا جالس أرتشف الشاي بصمتي المعتاد، عازلاً نفسي خلف قناعي الصامت ومستمعاً لصراع الأفكار من حولي. التفتَ نحونا عمي "كريم"؛ ذلك الشرطي في القوة البحرية الذي كانت ملامحه العسكرية الصارمة تفيض بجدية مفرطة وخوف حقيقي على مصيرنا ومستقبلنا في هذا القضاء. نظر عمي كريم إلى والدي بتمعن، ثم خفض صوته بنبرة حذرة ومشدودة. وقال بكلمات حاسمة اخترقت سكون الجلسة كالشفرة: "جمال، الوضع هنا في الصواري لم يعد كما كان في السابق.. العيون في كل مكان، والبلد يحكمه الشك على الهوية. لكي نحمي أنفسنا ونحافظ على وجودنا هنا دون مشاكل، أمامنا خياران لا ثالث لهما؛ إما أن تمارسوا فروضكم وصلاتكم المعتادة في الخفاء التام وداخل جدران البيت المغلق بحيث لا يراكم أحد. أو أن تغيروا طريقة صلاتكم وتؤديها كطائفة الشيعية، وتذهبون علناً إلى الحسينية الموجودة في القرية لتأدية الفروض مع الناس"! نزلت كلماته كالصاعقة على أمي وأبي.