ميسوپوتاميا_سيرة خوف

الفصل 36: القسم الخامس

القسم الخامس

طوال الشهرين الطويلة والثقيلة التي قضيناها في قضاء الصواري، بين جدران البيت الإسمنتي المظلم ورتابة الوقوف خلف البسطية الخشبية الشحيحة. كان هناك خيط رفيع من الأمل يصلنا بالعالم الخارجي، خيط يمتد بعيداً عن فوضى الوسط وجحيم بغداد؛ متمثلاً في رسائل أختي "هيام" واتصالاتها المتواصلة معنا. كانت هيام قد سبقتنا في محاولتها الشجاعة للسفر والاستقرار في شمال العراق، هرباً من أتون الحرب الطائفية التي أحالت العاصمة إلى مقبرة كبرى. كانت تتواصل معنا بشكل دوري ومستمر؛ في بعض الأحيان تضغط على أزرار الهاتف لتستمع إلى أخبارنا بلهفة وقلق، تطمئن على صحة أبي وأمي، وتسأل عن أحوال إخوتي الصغار سهام ووسام وعباس وعامر. وكيف يتدبرون أمورهم في هذا القضاء الجديد. كانت نبرة صوتها تحمل خوفاً حقيقياً علينا. خصوصاً وهي تعلم أننا نعيش في منطقة واجهية أمام الهضبة وسكة الحديد، محاطين بعيون الشك والترصد الطائفي الذي أدى سابقاً إلى إخراجنا من بيتنا الأول. وفي الأوقات الأخرى من رسائلها، كانت هيام تتحول إلى طوق نجاة نفسي لعقولنا المنهكة؛ إذ كانت تفيض في وصف شمال العراق بكلمات تشبه الأحلام والسراب النقي بالنسبة لنا. كانت تحكي لأمي عبر الهاتف عن تلك الأرض الجبلية البعيدة حيث تنعدم السيطرات المسلحة التي تفتش الناس على الهوية، وتصف لها الأمان والمناظر الطبيعية الخلابة، والهدوء الشديد الذي يلف الشوارع هناك. كانت تقول لأمي بنبرة يملأها اليقين: "هنا يا أمي لا توجد رايات سوداء أو خضراء تزرع الرعب في القلوب، ولا يوجد صوت رصاص أو تفجيرات توقظ الصغار في منتصف الليل.. هنا الناس يعيشون بسلام، والأمان حقيقي وليس أوهاماً كالتي نعيشها في أطراف "بغداد". كانت أمي تستمع لرسائل هيام وعيناها تلمعان ببريق افتقدناه منذ أيام حي النهروان؛ كانت كلمات أختي عن الشمال بمثابة بذور تُزرع ببطء شديد في عقل أمي وأبي. فكرة دافئة بدأت تنمو وتكبر مع كل ضغط مادي، وكل تضييق اجتماعي نعيشه في الصواري. كانت فكرة الرحيل النهائي نحو الشمال تراود أحاديثنا السرية في الصالة المظلمة، لكننا كنا نؤجلها دائماً بسبب عدم استقرارنا المادي وكلفة السفر العالية وثقل الديون المعنوية لأعمامي النجارين الذين بذلوا كل ما في وسعهم لتثبيت أقدامنا هنا. أما أنا، فكنتُ أستمع لوصف أختي عن الأمان والجبال بطريقتي الخاصة الباطنية؛ كنتُ أقف خلف الفتحة الخشبية لبسطيتي، ويدي تلامس ندبة إبهامي. وأتساءل بعقل تائه: "هل يمكن لجبال الشمال الباردة أن تطفئ النبض الحارق للكتاب الأسود القابع في خزانتي؟ "هل الأمان الذي تصفه هيام يملك القوة لطرد الكيان الذي استوطن جدراننا الإسمنتية وأصبح يتنفس معنا صدى عجلات القطار؟" كانت رسائلها تمنحنا صبراً مؤقتاً لنتحمل ركود الوقت هنا في الصواري، وكأنها كانت تهيئ أرواحنا وعقولنا لقرار مصيري قادم. دون أن ندري أن الهدوء الذي يسبق العاصفة أوشك على الانتهاء، وأن الأرض التي نقف عليها ستنفجر تحت أقدامنا فجأة لتجبرنا على تحويل سراب الشمال إلى واقع فرار أخير لحقن الدماء. في أحد الأيام اللاهبة من هذا الشهر، كنتُ جالساً بمفردي خلف الفتحة الخشبية للبسطية، في تلك الساعة الراكدة من وقت العصر حيث تخلو شوارع الصواري من الحركة ويهرب الجميع إلى ظلال بيوتهم. أسندتُ ظهري على جدار الغرفة الخشبية الضيقة، وغرقتُ في دوامة سحيقة من الأفكار والتساؤلات، التي كانت تأكل عقولنا المنهكة. تساؤلات باتت تؤرق مضجعي في كل ثانية: كيف أتخلص من هذه اللعنة التي تلاحقني كظلي؟ كيف ينتهي هذا الكابوس المرعب الذي بات يتقاسم مع عائلتي المأوى والأنفاس في البيت؟ هل سأقضي ما تبقى من شبابي حاملاً هذا السر المكتوم، متخفياً خلف قناع الصمت، ومترقباً انفجار الكيان في أي لحظة؟ وفجأة، وسط ذلك التيه واليأس، جائت في رأسي فكرة مجنونة وجريئة؛ فكرة جعلت الدماء تتجمد في عروقي. التفتُ بنظري نحو جدار بيتنا الإسمنتي، وفكرتُ: لماذا لا أفتح الكِتاب الأسود مرة أخرى؟ لكن هذه المرة لن تكون كتصفحي السريع كما فعلت الأول مرة في بيت الشيخ حميد، في حي الحشود. حين قرأتُ تلك الجملة المشؤومة ثلاث مرات دون وعي فكانت بمثابة بوابة ومفتاح شرّع مصاريع العالم الآخر على حياتي. بل سأفتحه هذه المرة بتركيز حاد وتمعن شديد. سأقرأ سطوره وحروفه بدقة، عسى أن أجد بين طيات صفحاته العتيقة طلسمًا مضادًا، أو تعويذة إغلاق، أو أي شيء يلغي ما فعلته يداي في تلك الليلة المشؤومة ويعيد الكيان إلى جحيمه المحبوس. لم أستطع مقاومة هذا الدافع الانتحاري؛ تركتُ البسطية مستغلاً خلو الزقاق، وتسللتُ إلى غرفتي المظلمة بخطى مرتعشة. سحبتُ الحقيبة القماشية، وأخرجتُ الكتاب الأسود بغلافه الخشن الذي شعرتُ وكأنه ينبض بحرارة تحت أصابعي. جلستُ على الأرض، وفتحتُ الصفحة الأولى، وشرعتُ في القراءة بتركيز لم أعهده في نفسي من قبل. قرأته من الغلاف إلى الغلاف، صفحة تلو صفحة، وسطرًا تلو سطر، مستغرقاً في عتمته لساعات طوال والوقت يمر من حولي دون أن أشعر. لكن رحلة البحث هذه سرعان ما تحولت إلى مواجهة مريرة مع العجز والحيرة الخانقة. وجدتُ نفسي ممزقاً بين أمرين؛ الأول هو عدم فهمي المطلق لما كُتب في بعض الصفحات؛ حيث كانت السطور تتداخل فيها لغات قديمة غريبة، ورموز هندسية متقاطعة، وطلاسم مبهمة مرسومة بحبر داكن لا تدركه العين المجردة. أحسستُ بقلة حيلتي وضياعي لأنني ببساطة لم أتعلم يوماً كيفية قراءة هذه الطلاسم أو العمل عليها، ولم يعلمني أحد شفرات هذا العالم المظلم. فالعلم بالشيء شرط لحل عقده، وأنا كنتُ مجرد شاب قادته الصدفة اللعينة لفتح صندوق باندورا دون أن يملك علماً بآليات إغلاقه. والأمر الثاني الأشد قسوة، هو أنني بالرغم من تدقيقي في كل زاوية من زوايا الورق، لم أجد أي أثر لطلسم إبطال، أو تعويذة لإغلاق البوابة، أو طريقة لإحراق الكيان ونفي أنفاسه عن جدراننا. ولكن، وسط ذلك البياض الموحش والرموز المستعصية على الفهم، وفي منتصف الكتاب تقريباً، تعلقت عيناي بصفحة غريبة... لم تكن تحتوي على طلاسم أو دوائر متقاطعة، بل كانت فارغة تماماً إلا من كلمة واحدة برزت في وسطها؛ اسم منفرد كُتب بخط خشن وأحمر داكن، كأنه خُط بدم قديم سال ثم جف وتيبس عبر السنين.. كان مكتوب

(روهان).

شعرتُ حين نطقته شفتي بهمس خافت برعشة قطبية تزلزل أركان الغرفة، ونبضت ندبة إبهامي بلسعة حارقة كأن الكيان يلتفت إليّ معلناً عن اسمه وهوية عتمته لأول مرة. كان الكِتاب يحتوي على طرق الاستدعاء والفتح والربط، لكنه يخلو تماماً من خط الرجعة! أغلقتُ الكتاب بضربة قوية، وصوت ارتطام الصفحات تردد في زوايا الغرفة كأنه ضحكة ساخرة من الكيان. وضعتُ جبهتي على غلافه الجلدي وأنا أشعر بغصة حارقة تمزق صدري؛ تيقنتُ في تلك اللحظة أنني لستُ سوى سجين داخل هذه اللعنة، وأنني فتحتُ باباً بجدار إسمنتي لا يملك أحد على الأرض مفتاحه. رفعتُ رأسي وأنا أستمع لصوت دويّ القطار البعيد يقترب فوق الهضبة، ونظرتُ إلى إبهامي الذي بدأ ينبض بلسعة حارقة تذكرني بالميثاق، وعلمتُ أن الفرار من هذا الكابوس لن يأتي من سطور الكتاب. لم أكد أفيق من وطأة تلك المحاولة الخائبة لفك شفرات الكتاب الأسود واكتشاف كلمة (روهان)، لم اكن اعلم ما هو وما معناه. كل ما خطر في بالي احتمال بانه أسم الكيان. مرت الأيام وفي مساءات القضاء الهادئة، وتحديداً وقت العصر حيث تكتسي السماء بلون برتقالي شاحب يبعث على الوجل. انشقت بوابة زقاقنا الواجهي عن زيارة دافئة كنا ننتظرها بشوق؛ جاءنا جدي وجدتي من جهة أمي للاطمئنان على أحوالنا بعد انتقالنا القسري إلى هذا البيت الثاني المقابل للهضبة وسكة الحديد. كانت الفرحة غامرة في عيون أمي وهي تستقبل والديها؛ عناق طويل تداخلت فيه دموع الشوق بمرارة النزوح والشتات. جلسنا جميعاً في الصالة، وتوزع إخوتي الصغار حول جدي الذي أخذ يمسح على رؤوسهم ويدعو لهم بالسلامة. بينما انشغلت أمي بإعداد مأدبة العشاء بما توفر من رزقنا البسيط، محاولةً طمس معالم الفقر المؤقت وضيق الحال الذي يحيط بنا أمام والديها. تناولنا العشاء معاً في أجواء سادها الشوق والحنين، وتبادلنا الأحاديث الشجية عن الأيام الخوالي. وبعد أن رُفعت المائدة واحتسينا الشاي العراقي المهيل. استأذن والدي للترويح عن نفسيهما؛ فخرجا معاً إلى باحة البيت الخارجية، ووقفا عند الغرفة الخشبية (البسطية) أمام البيت يتحدثون في ليل الصواري المقمر، بينما بقينا نحن بالداخل؛ جدتي وأمي وإخوتي وأنا، غارقين في عتمة الصالة الإسمنتية. وفجأة، عند الساعة الثامنة ليلأ تقريباً، انشق سكون القضاء عن كابوس مباغت. اخترق هدوء البيت صوت صراخ حاد وفوضى عارمة وضجيج حركات متسارعة بالخارج، تلاها صوت ارتطام قوي بجسم صلب وصوت عجلات سيارة تسير بجنون وسط الزقاق الترابي. أصابنا رعب شلّ أطرافنا؛ تجمدت الدماء في عروقي، وضمت أمي الصغار إليها وهي تصرخ بفزع، بينما نهضتُ أنا وجدتي غريزياً ونفضنا عنا الخوف لنركض مسرعين نحو الباب الخارجي. حين فتحتُ الباب وخطوتُ باب البيت الرئيسي، ضربت الصدمة وجداني بقسوة؛ كان المشهد مرعباً تحت ضوء القمر الباهت. وجدنا جدي ملقى على الأرض الترابية بلا حراك، والدماء تسيل بغزارة من جرح عميق في رأسه وهو يئن بوجع غائب عن الوعي. التفتُ يميناً وشمالاً بذعر، حدقتُ في الفراغ المحيط بالبسطية الخشبية المظلمة، لكنني صدمتُ بالحقيقة المرعبة؛ لقد اختفى أبي تماماً.. لم نجد له أي أثر في المكان! تعالت صرخات أمي وجدتي لتمزق صمت الليل، وتجمع على الفور أعمامي الأربعة الذين هبوا مذعورين من بيوتهم المجاورة، وتراكض شباب الجيران نحو زقاقنا مستطلعين الفوضى. وحين رأوا جدي المضرج بدمائه وعلموا باختفاء والدي، أدرك أعمامي أن الأمر عملية اختطاف واعتداء مدبرة. دون تأخير، استنفر الأعمام وشباب المنطقة وحميتهم، وتحركوا ككتلة واحدة، يركضون بأسلحتهم نحو الشارع الفرعي الذي يربط منطقتنا بالشارع الرئيسي المقابل للمنطقة الصناعية، مقتفين أثر السيارة المسرعة. مرت الدقائق كساعات من القلق والانتظار كأنها دهر من العذاب؛ بكاء أمي لم يتوقف، والدموع تحرق وجه جدتي وهي تضمد رأس جدي المستلقي في الصالة. وفجأة، تعالت أصوات جلبة عند رأس الزقاق؛ ركضتُ إلى الباب لأرى أعمامي يعودون والوجوم والإنهاك يكسو وجوههم. كانوا يحملون أبي بين أيديهم.. كان غائباً عن الوعي تماماً. جسده مغطى بأثار ضرب وحشي، وملابسه ممزقة، وتكسوه كدمات وجروح شنيعة وأثار شطب واحتكاك سببه ارتطام جسدة بالأرض نتيجة رميه من السيارة وهم يقودونها بسرعة جنونية قبل أن يلوذوا بالفرار في عتمة الطريق الرئيسي. حملناه إلى الداخل وسط نواح العائلة. في تلك الليلة المرعبة، لم يطرق النوم جفن أحد في بيتنا. بقي أعمامي الأربعة مع مجموعة من شباب المنطقة العشائرية مدججين بالسلاح، يطوقون البيت لحمايتنا ويراقبون الأزقة المظلمة تحسباً لأي هجوم آخر. كانت الشكوك تدور حول نفس صاحب البيت الأول الذي أخرجنا بسبب طائفتنا، مستعيناً ببعض الرجال المتعصبين. أو لعلهم مجموعة أخرى من رجال القضاء الذين أعلنوا وصرحوا بصوت رصاصهم وفعلهم الهمجي هذا أنهم لا يريدوننا في هذه المنطقة بعد الآن، وأن وجودنا كعائلة نازحة من بغداد بات مرفوضاً بشكل قطعي ومستباحاً. ومع تباشير الصباح الأولى، وأبي يستعيد وعيه بآلامه، وقفت أمي في وسط الصالة بصلابة انكسر أمامها كل شيء. أعلنت قرارها النهائي والحاسم: 'الرحيل إلى شمال العراق فوراً، ولن نبقى هنا ليلة واحدة أخرى'! ورغم محاولات جدي وأعمامي المستميتة لإقناعنا بالبقاء متعهدين بحمايتنا، إلا أن أمي وأبي أنهيا النقاش بكلمات قاطعة لا تحتمل مراجعة؛ فلن يغامروا بدماء الأطفال بعد الآن. وبأيدٍ ترتجف، بدأنا بحزم الكراتين وحقائب الثياب مجدداً للنزوح الأخير نحو الجبال الباردة، تاركين وراءنا بساتين التكي ورفاق الطفولة وشظايا العشيرة. بينما كنتُ أتحرك كآلة صامتة وأنا أحمل حقيبتي القماشية، معلناً بداية ميثاق جديد بعيداً عن صدى قطار الصواري وجحيم العاصمة.

ختام الجزء الأول